بسم الله الرحمن الرحيم، في بداية شهادتنا على العهد السابق ، عهد الحسن الثاني الملك السابق، نجدد بالمناسبة ترحمنا عليه انطلاقا مما نحمله لكل مسلم من معاني الشفقة والرحمة والدعاء بحسن العاقبة، وكذلك من باب “اذكروا موتاكم بخير”. أما فيما يتعلق بعهده باعتباره ملكا سابقا فلا يسعنا بالمناسبة إلا تجديد ما قلناه من رأي وموقف واضحين من طبيعة حكمه وقت كان حيا حيث لم ننتظر رحيله كي نبرع في جرد مثالبه. وهذا ينبع من جوهر إيماننا بإحدى الوظائف الأساسية للمؤمن وهي شهادته بالحق وقيامه بالقسط مصداقا لقوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين” إذن فالشهادة فيها عنصران: عنصر الإثبات، وهنا تدخل كلمة الحق، وعنصر الإحقاق وهو السعي العملي لإقامة الحق في الواقع. أو بمعنى آخر لم تكن شهادتنا شهادة المتفرج الذي يدلي بها بعد انتهاء الحدث إنما كنا في صلب الحدث ومن المؤثرين فيه.

فكلمة الحق قلناها على لسان ذ. عبد السلام ياسين في رسالة “الإسلام أو الطوفان” سنة 1974 وكانت شهادة صادقة على عصرها لا لف فيها ولا دوران حول جوهر أزمة المغرب وهو نمط الحكم المبني على الاستبداد المطلق وما نتج عنه من مظاهر الفساد في كافة المجالات. وقد جمعت الرسالة في خطابها بين تلطف الناصح المرشد الواعظ، وبين قوة الشاهد بالحق على فساد الحكم ومآل السوء الذي آلت إليه البلاد، وكان الدافع إلى ذلك محاولة تدارك ما يمكن تداركه. لكن الملك لم يقدر النصيحة حق قدرها، وبدل اهتبال فرصة تاريخية أهديت إليه على طبق من ذهب جاءت ردة الفعل، المألوفة من السلاطين في هذه المواقف، سجنا وتنكيلا وتعسفا.

أما عنصر الإحقاق في الشهادة بالحق فهو ما حاولناه بتأسيس جماعة العدل والإحسان سعيا منا إلى المدافعة من أجل إقامة ما نعتقده ويعتقده جميع المسلمين حقا محاولين في قيامنا الجمع بين قوة الموقف في غير عنف، وبين اللين في غير مهادنة أو مداهنة تصل إلى حد قول الباطل، وأنت تعلم مدى صعوبة الجمع بين الأمرين، بل إنه أصبح من البراغماتية السياسية عدم جواز الجمع بينهما، لكن الله، له الحمد والشكر، وفق الجماعة في ذلك، وهذا ما جلب علينا ما تعرفون من بطش العهد البائد.

أما عن تقييم الست سنوات من عهد ما بعد الحسن الثاني فأقول إننا، سيرا على نفس المنهاج، قدرنا أنه لا بد مرة أخرى من كلمة تثبت الحق وتبدد الغشاوة الكثيفة التي راكمها العهد السابق على أعين الشعب المغربي ونخبته، فكانت “مذكرة إلى من يهمه الأمر” التي جاءت لتؤكد على مداخل التغيير الحقيقي التي ألححنا عليها في العهد السابق والمحددة في ضرورة المراجعة الجذرية لنمط الحكم بما ينسجم وروح الشورى، والتجاوز العاجل للانفراد بالحكم، والعدل في توزيع ثروات البلاد، وأن يكون الإسلام أرضية حقيقية لا مسوحا وطقوسا وشكليات.

وقلنا أيضا إنه لا تكفي الإشارات إنما المطلوب القطع الفعلي مع الماضي وأساليبه وإنه لابد من إرادة حقيقية للتحول لا مجرد جرعات مسكنة بما يضمن، فقط، انتقال دواليب الحكم من يد إلى يد.

وقلنا أيضا إن معضلة البلد ليست هي ماذا يمكن أن يُفعل؟ بل هي كيف ينبغي أن يفعل ما يفعل.

وأكدنا أن سبب الأزمة ليس هو المظاهر المرئية من سوء إدارة واختلاس مالي وانحراف اجتماعي وغيرها، وإنما هي طريقة الحكم ومن يحكم وكيف يحكم . وأنه لا ينبغي تكرار نفس الخطإ القاتل الذي مارسه العهد السابق عندما أعلن وشك السكتة القلبية وراح يتوهم العلاج في محيط القلب أو في بعض فروع الشرايين هاربا من الحقيقة وهي في القلب نفسه وفي شرايينه الكبرى.

وقد واجهنا، من واجهنا لحظتها، فآخذنا بعضهم بصعوبة اقتراحنا، والبعض اتهمنا بمحاكمة النوايا وأننا لم نعط للشعارات المرفوعة الوقت الكافي للتحقق. وكان ردنا على المأخذ الأول أن صعوبة اقتراحاتنا نابعة من تقديرنا لصعوبة الوضع وكارثيته وأنه لا يحتاج فقط لترميمات وإنما يتوقف على تغيير عميق. أما المأخذ الثاني فقلنا له بيننا وبينك الزمن، وعلى كل حال فليس من سياستنا تعجل النتائج ولا بأس من انتظار انجلاء الغبار.

والآن، بعد كل هذه المدة، لا نعتقد أنه مازالت لأحد الجرأة كي يدفع بنفس الدفوعات السابقة، إلا من سياسته التبرير سواء أكان أم لم يكن على شيء، لأن ست سنوات أكثر من كافية لحسم صوابية أو خطإ أي طرح.

وأركز نظرتنا للقضية في مسائل كبرى:

المسألة الأولى: موضوع التقييم نفسه أجزم أن طرحه أصبح عبثا إن لم أقل ملهاة تخفي وراءها فصولا كلها تراجيديا. فهل الوضع مازال يحتمل أن ننخرط، في كل مناسبة سنوية مثل هذه، في ركام من الانطباعات والأحاسيس واللغو السياسي في موضوع يعيد طرح نفسه بنفس المضمون والعناصر، إن لم تكن الأمور تزداد إلا سوءا. وإن كنا نلتمس العذر للصحافة في أن تثير سؤال التقييم لأنه يدخل في صلب اهتمامها فلا نرى بعد أي عذر للسياسي في تكرار نفس المسرحية وتكرار نفس الأجوبة الخطإ على الأسئلة الخطإ. السؤال الحقيقي الملح، كان والآن ودائما، ليس كيف هي الأوضاع؟ وإنما هو كيف وصلت الأوضاع إلى ما وصلت إليه؟ ومن أوصلنا إليها؟ وما هو السبيل لتجاوزها؟. أما الأوضاع في ذاتها فلا يطرأ عليها جديد يستدعي الوقوف لتقييمها كل سنة اللهم في تجاه الانحدار. ولا نرى فائدة في العملية إلا الخروج بنفس الخلاصة وهي إدانة العهد ومراكمة حجج الإثبات. هذا بالطبع إذا اكتفينا بالمساءلة انطلاقا مما رفع من شعارات، أما إذا نظرنا للمسألة انطلاقا مما كان ينبغي أن يُفعل أصلا فالوضع سيختلف تماما. ولنسأل أين المفهوم الجديد للسلطة؟ وأين توسيع هامش الحريات؟ وأين محاربة الفوارق الاجتماعية؟ وأين؟ وأين؟ وأين؟

المسألة الثانية: تعودنا في كل مرة تبلغ فيها الأزمة مبلغها أن يخرج المسؤولون للاعتراف بالأزمة وإعلان الاستنفار حول مقولات معينة تشكل ضبابا كثيفا تجري وراء عتمته الكثير من الانتهاكات والرجوع إلى الوراء.

وهنا أقول، وهذا قولنا دائما، إن الإحساس بالأزمة غير كاف وحده، ولا يعتبر في حد ذاته فضيلة، وهو من باب السماء فوقنا ولا يقول بعكسه إلا من لا يعرف المغرب أو في عقله شيء.

المسألة مسألة إرادة حقيقية، وهي المعدومة حتى الآن في كل الشعارات والمبادرات والخرجات. بل البارز فيها كلها هو هاجس الحفاظ على المصلحة الخاصة سواء كانت كرسيا أو منصبا أو امتيازا أو حظوة أو ثروة، وهذه كلها من نواقض إرادة الإقلاع.

المسألة الثالثة: أي تشخيص للوضع أو مبادرة للعلاج تبقى عملية عديمة الجدوى إذا استمرت بنفس الأسلوب الممارس في العهد السابق والمستمر حتى اليوم، أي أنها تكون دائما من طرف واحد وعلى الباقين أن يكونوا رعاعا، وهذا منطق رفضناه في العهد السابق ونرفضه اليوم لاقتناعنا بأن الاستبداد، تحت أي شعار أو مبرر كان، هو ما أصاب الأمة في مقتلها.

فلا حل إلا بمشاركة كل القوى والإرادات وتكثيف جميع الجهود، وإلا فمنطق “ما أوريكم إلا ما أرى” لا يصنع إلا بيئة ملوثة لا ينتعش فيها إلا الفساد والنفاق السياسي وبيع وشراء الذمم والولاء المصلحي.

وهذا ما يحذو بي إلى تجديد النداء لضرورة ميثاق جامع يلتقي حوله الفضلاء وذوو المروءات والإرادات الحرة لأن الأزمة أكبر من أي حزب أو حركة أو شخص مهما أهال عليه من هالة.

ونسأل الله أن يسلك ببلدنا مسالك النجاة والأمن آمين.

فتح الله أرسلان

الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان