1- في تحديد المفاهيم:مفهومان جوهريان يشكلان محوري هذه المقالة، البحث في العلاقة بينهما يستوجب وقفة لاستجلاء المقصود بكل منهما.

فالشباب المغربي هو الشريحة الاجتماعية التي تشكل قلب الأمة النابض، والتي يقوم الرهان عليها من أجل تحقيق التقدم والازدهار، باعتبار ما يميز هذه المرحلة العمرية من قوة وحيوية وتوثب وحماس وقدرة على العطاء… أما مفهوم “اللامسؤولية” فيتحدد انطلاقا أساسا من نقيضه الدلالي “المسؤولية”، فما معنى أن يكون الشاب مسؤولا؟ معناه بكل بساطة أن يكون في مستوى تحديات اللحظة الحضارية، قادرا على التفاعل الإيجابي مع الواقع، قادرا على مواكبة آخر المستجدات، قادرا على الدفاع على ثوابت الأمة وركائزها، قادرا على الحفاظ على الخصوصيات في عالم يموج بالمتغيرات، قادرا على السباحة في وجه التيار إذا اقتضى الأمر ذلك…

المسؤولية التزام مقدس يؤطر تفكير الشاب كما يؤطر سلوكياته وأقواله، بحيث يصير كل ما يصدر عنه ذا معنى وذا مغزى، ومن ثمة يكتسب قوته التي تجعله قادرا على كسب الرهان.

2- في تشخيص واقع الأزمة:”أصبحنا أمام شباب لا مسؤول بكل المقاييس”، هذه هي الحقيقة المرة التي يجب أن نواجه أنفسنا بها، تجليات هذه “اللامسؤولية” أكثر من أن تعد ومن أن تحصى:

– إقبال متزايد على التدخين والمخدرات والخمور، وهذا ما يؤكده تزايد عدد الحانات ومحلات بيع السجائر بشكل علني، وتزايد عدد تجار المخدرات بشكل شبه علني.

– ازدحام المقاهي بأعداد هائلة من الشباب، بحيث لا يكاد يشك المرء في أن ثمة عقدة /التزام موقع بين هذه المقاهي وهؤلاء الشباب الذين يقضون كل أوقاتهم هناك.

– العزوف المتزايد عن كل الأنشطة والأعمال الجادة كالعمل السياسي، والنشاط الثقافي.

– الإدمان على مشاهدة التلفاز خاصة بعدما أصبحت الأقمار الاصطناعية تمكن من تتبع عدد لا محدود من القنوات الفضائية.

– العزوف عن المطالعة، وعن الجدية في العمل الدراسي، بحيث تحولت المدرسة إلى فضاء للمرح والتسلية وتزجية الوقت.

– التخلص من كل المسؤوليات الأسرية، واستساغة وضع العيش عالة على الآخرين، والثورة على كل القيم والمبادئ.

– الاهتمام بالتفاهات والشكليات، متمثلة في الحرص على تتبع آخر أخبار الفنانين والفنانات، وعلى تقليدهم في الحركات والسكنات… وما تهافت آلاف الشباب على تتبع ما قدمته اللبنانية “نانسي عجرم” بساحة جامع الفنا مؤخرا، إلا خير دليل على فظاعة المستنقع الذي يحتضن شباب مغرب العهد الجديد.

– الإقبال على الهجرة السرية عبر قوارب الموت، وعبر وسائل أخرى لا تقل خطورة، تأكيد قوي لغياب روح المواطنة، ولسيادة النزعة الفردية تجسيدا لشعار “أنا وبعدي الطوفان”.

والواقع أن كل هذه المظاهر تشكل نواة بحث مستقل، وتستحق أكثر من وقفة، وأكثر من دراسة، ويبقى القاسم المشترك بينها هو “الشعور باللامسؤولية”، ولعل ما يزيد الطين بلة هو أن هذا الشعور تسرب إلى أوساط الفئات المتعلمة، فلم تعد الجامعة فضاء للطالب / المثقف، الواعي، الحامل لهموم الوطن والأمة، القادر على تحليل الأخبار والمستجدات، والراصد لمختلف الأخطار المحدقة، لم نعد نجد أنفسنا أمام الطالب / الشعلة، المتأهب باستمرار لقيادة مسيرات التحرير والبطولة… بل أصبحنا أمام طالب من طينة أخرى: عابث، لاه، تافه، كل همه البحث عن علاقات لا شرعية جديدة، محدود الآفاق، جبان رعديد يتهيب من النقاشات الخارجة عن المقررات الدراسية، يتهيب من الفكر ومن السياسة، ويعتبر كل ذلك أمورا لا تهمه لا من قريب ولا من بعيد…

وقد انتقلت عدوى الشعور باللامسؤولية إلى المؤطرين أنفسهم، فأفرزت الظروف مدرسين ومشرفين تربويين سطحيي التفكير، تافهي الاهتمامات، متهربين من كل النقاشات الجادة المسؤولة، يقضون أوقاتهم كل أوقاتهم في التفاهات والنقاشات الرخيصة…

3- إذا عرف السبب بطل العجب:بقدر ما تتعدد وتختلف مظاهر وتجليات الأزمة الخانقة التي يعيشها الشباب المغربي، بقدر ما تتعدد أسبابها وتختلف، سنكتفي برصد بعض هذه الأسباب:

– يعتبر الفساد في الحكم أم الأسباب بامتياز، وعنه تتفرع نتائج، تعتبر أسبابا ونتائج في الوقت نفسه، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين “الفساد في الحكم هدم أخلاق الأمة، ونخر في اقتصادها، وبدد ثرواتها، وشرد المستضعفين، ودفع الفتيات البائسات إلى سوق البغاء، وخطف لقمة العيش من أفواه الأطفال، وتسبب في تفشي البطالة والمخدرات والمرض والخمور والعهارة ومدن القصدير والرشوة والمحسوبية وطابور المشاكل.” (العدل 432).

– اهتمام النخبة بمصالحها الشخصية بحيث لا تفكر إلا في طرق للاغتناء أكثر، حتى ولو على حساب المجروحين من أبناء الشعب، وما فضيحة “شركة النجاة” منا ببعيدة.

– غياب الشفافية والمسؤولية في خطاب وتصرفات ومواقف المسؤولين الذين تعودوا على إلقاء الوعود في الاجتماعات والمنتديات جزافا وعشوائيا.

– مشكل البطالة، فقد فقدت المدرسة جاذبيتها وبريقها، بل أصبحت رمزا للضياع والتيه والغباوة والخداع… وبلغة الأرقام نقول بأن “أكثر من 000. 100 متخرج من التعليم العالي (أطباء، مهندسون، أساتذة، تقنيون متخصصون) يجترون يأسهم في مقاهي أحيائهم أو يتظاهرون في شوارع العاصمة.” (مذكرة إلى من يهمه الأمر 13).

– عجز الأسرة عن القيام بواجباتها، وذلك بسبب انشغال أرباب الأسر بتوفير لقمة العيش، ولا ينبغي أن نستغرب كثيرا عندما نعلم أن “10 ملايين مغربي يعيشون فقرا مدقعا بأقل من عشرة دراهم يوميا. وثلاثة أرباع المغاربة العاملين لا يحصلون على الحد الأدنى من الأجور بالمغرب أي 1660 درهم شهريا.” (مذكرة إلى من يهمه الأمر 13).

– فقدان نماذج إيجابية ومثل عليا يمكن اعتبارها قدوة، فقد تحولت وجهة نظر أغلب الشباب عن النماذج المشرقة المستمدة من تاريخ الوطن وتاريخ الأمة، وأصبحت مثله العليا مستمدة من المسلسلات والأفلام، وفي أحسن الأحوال من أوساط كرة القدم وباقي الرياضات.

– التهميش الذي يعيشه الشباب المؤطر داخل الأحزاب والجمعيات، ذلك أن هذه الأحزاب تجعل من ملف الشبيبة مجرد وسيلة للدعاية الانتخابية، أما الممارسة فتعكس واقعا متعفنا بكل المقاييس، ذلك أن الشباب يبقى المهمش الأكبر ولعل أكبر دليل على ذلك أن مراكز القيادة والتسيير غدت شبه متوارثة في كل التنظيمات الحزبية المغربية تقريبا.

4- ما العمل؟لن يمنعنا التشخيص السابق لواقع أزمة الشباب المغربي من محاولة الإجابة عن السؤال المحرج: ما العمل ؟

والواقع أن كل محاولة للإجابة عن هذا السؤال، تجعلنا نكتشف حجم المسؤولية الملقاة على كل الأطراف المعنية، بدءا بأصحاب القرار السياسي، وانتهاء بالأسرة، مرورا بمختلف المؤسسات: المدرسة، ومؤسسات المجتمع المدني…

فأصحاب القرار السياسي ملزمون بتصحيح المسار، وبالتصالح مع الذات، وبتذكر اليوم الآخر حتى تتراءى لهم الدنيا في حجمها الطبيعي، مجرد مرحلة قصيرة مهما طالت، زائلة محدودة مهما امتدت، مرحلة ابتلاء يتلوها حساب وعقاب وجزاء… وعد الله الحق الذي لا شك فيه ولا مفر منه.

لهؤلاء المالكين بزمام الأمور نعيدها صرخة مدوية لا تخشى في الله لومة لائم، “اتقوا الله في أنفسكم، واعلموا أنكم مبعوثون ليوم لا ريب فيه، وأن نهايتكم المحتومة بل بدايتكم التي لا مفر لكم منها، إما حفرة من حفر جهنم، أو روضة من رياض الجنة، اتقوا الله في المستضعفين، في الشباب المخدر، المغيب، المهمش، المحاصر، الضائع، المنتحر، اليائس الحزين… اتقوا الله في الأمة ككل، وردوا أموال الأمة للأمة، ليكون لكم موعد مع التاريخ لن تخلفوه… ردوا أموال الشعب للشعب، وكفاكم نفاقا، وتمويها، وكذبا، وتزويرا، وخداعا…”.

ولعل وضوح وجدية وقوة هذا الحل الجذري هو ما جعل صوت “العدل والإحسان” يبدو خشنا أكثر من اللازم بحيث لم تتحمله الآذان، ولم تتقبله الأذواق… فشكل النغمة النشاز بامتياز، غير أنه ظل مدويا شامخا قويا، لا تزيده الأيام إلا قوة ومصداقية وعمقا، لأنه أدرك تمام الإدراك أن الأزمة أكثر من تغير في الأسماء، وتناوب على السلط، الأزمة أزمة إنسان مؤتمن اختار أن يتحمل المسؤولية أمام الله الواحد الصمد، إنسان سيحاسب على كل صغيرة وكبيرة، ولذلك اعتبر المسؤوليات السياسية تكليفا وليست تشريفا…

وانطلاقا من وعي الجماعة بفظاعة وتردي الأوضاع، فإنها لا تدعي بأنها تملك عصا سحرية تمكنها من حل هذا الركام الهائل من الأزمات، ولذلك فإنها تقترح حلا جماعيا يمكن كل طرف من الإسهام الجاد والمسؤول في مشروع التغيير، وهذا يعني أن الجماعة تعترف بحسن نوايا “الفضلاء” الغيورين على مصلحة الوطن، والمستعدين للبذل من أجل التغيير، وهي إذ تعترف بهؤلاء تقترح عليهم “أرضية إسلامية” تعتبرها مشتركة، حتى يكتسب شعار “كلنا مسلمون” جديته ومصداقيته، وحتى لا يبقى مجرد كلام يردد في إطار المزايدات الكلامية الرخيصة.

إن إيماننا بأنه من قسوة الأصداف ومن ظلمتها تنبلج الذرة، وأنه عندما ينتهي الصوت يبدأ الصدى، وأن الفجر آت آت مهما امتد الليل، ويقيننا المطلق في بشارة الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، يجعلنا نبتسم للغد الأفضل، ونسير على درب التغيير الذي لن يكون سهلا، غير أن مسافة الألف ميل تبدأ بالخطوة الواحدة، ولعل هذه الخطوة تكمن في السعي الحثيث لتغيير ما بالأنفس “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.