بسم الله الرحمن الرحيم. (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير). اللهم إني أُنزل بك حاجتي، فإن قَصُر رأيي وضعُف عملي افتقرت إلى رحمتك. فأسألك يا قاضيَ الأمور، ويا شافي الصدور كما تجيرُ بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور، ومن فتنة القبور.

الاقتصاد في لغة القرآن معناها الاستقامة على الطريق بين طرفي الإفراط والتفريط، ويتضمن معنى الاعتدال والتوسط. وأستعمل الكلمة بهذا المعنى وبالمعنى اللغوي الذي يفيد السير في الطريق بمواظبة وبدون انقطاع، ويفيد الصمود إلى الهدف المنشود، كما تقول العرب: أقصد السهم إِذا أصابَ وقتل مكانه. وتتمم خصلة “الاقتصاد” خصلة “التؤدة” وتكملها لكيلا يغلب التأني والتريّث على السير المتواصل.

السلوك إلى الله عز وجل، والسير إليه، عمل منصوص في الكتاب والسنة، كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الناس به. كان معنى القصد إلى قرب الله عز وجل بالتعبد، ومعنى طلب الحظوة عنده والزلفى لديه بالأعمال الصالحة علما مستقرا عندهم. قال شيخ الاسلام ابن تيمية: “كان جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن الرسول، لا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة”. [1]

معناه أن السلوك كان من البديهيات ومما يعلم من الدين بالضرورة. معناه أنهم كانوا يتمثلون حق التمثل أن الدين إسلام وإيمان وإحسان، وأن الناس تتفاضل، وأن الأمر درجات يندب القرآن وتندب السنة إلى المسابقة إليها في مثل قوله تعالى: )سارعوا((سورة آل عمران، الآية: 133) وقوله تبارك اسمه: )سابقوا((سورة الحديد، الآية: 21) وقوله عز من قائل: )فاستبقوا الخيرات(.(سورة البقرة، الآية: 148).

قال ابن تيمية رحمه الله: “فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد، كلها منصوصة في الكتاب والسنة (…). والصحابة أنفسهم (…) لم يتنازعوا في العقائد ولا في الطريق إلى الله تعالى التي يصير بها الرجل من أولياء الله الأبرار المقربين”. [2]

ثم بعد الصحابة دخلت البِدَع في العقائد من جراء نهوض أسئلة فُضولية فلسفية، وتكلم الناس فيما كان من حقه أن يُتَلَقَّى بالقَبُول الفطري، وأظلم طريق السلوك وتَعتَّم علمه الذي كان مسلَّما به عند الصحابة. وتعطل العمل السلوكي إلا عند طائفة سماهم التاريخ صوفية.

كان كل الصحابة يبتغون إلى ربهم الوسيلة ويستهدونه ويتأسون برسوله صلى الله عليه وسلم الماثل بين ظَهْرانَيهم. فيما بعد، وفي عتَمة البدع وظُلَلِ الفتنة التي مرت على الأمة مرورَ قطع الليل المظلم، احتاج السالك إلى نظر خاص، واسترشاد خاص، وصحبة خاصة. قال ابن تيمية: “الكلام في أعيان أحوال الرجل السالك يحتاج إلى نظر خاص”. [3]

اختصَّ بعض المومنين في النظر العملي التطبيقي إلى السلوك، حملهم حب الله عز وجل والثقة بوعده والتسليم له والتفويضُ على التشمير إليه، والتقرب. هؤلاء حدثونا عن تجربتهم وعن تَحْصيلهم للمقصود، وعن الوصول والمعرفة والكمال وسائر ما تعرضنا لتفصيله في هذا الكتاب.

وتخصص مومنون آخرون من علماء الحديث والفقه في النظر العلمي إلى الدين، فكان فيما أبدوا فيه رأيهم السلوكُ والسيرُ إلى الله عز وجل. من كان منهم ذا حظ من السلوك وعلى “قدر مشترك” مع الصوفية السالكين قارن المنصوص من علم السلوك بالمحَصَّل عليه من الذوق والوجد والمعرفة، فجاء كلامهُ الذوقي الوجدي المعرفي (أقصد معرفة الله تبارك وتعالى لا المعرفة العقلية للكون) شرحا مستنيرا لما ورد به الكتاب ووردت به السنة. مثال لهذا الصنف من العلماء، على مقاديرهم ومرتبة علمهم يوم أدوا شهادتهم، شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من العلماء المشاركين.

وسبحان الله كيف اكتفى علماء آخرون من السلوك بالاطلاع على نصوصه، و”خدمتها” بالشرح اللفظي والتأويل وتقييد الآراء والتعليق على أقوال الناس فيها. هذا إن لم يكادوا يشكُّون في صحتها كما كاد الحافظ الذهبي يشك في حديث البخاري: “من عادى لي وليا”.

هذا الحديث العظيم أمتن تبليغ نبوي في موضوع السلوك والولاية والقرب من الله تبارك وتعالى، وأوضحُه وأكملُه وأجلاه. وقد فزع العلماء الناظرون بنية العلم مما طرب له ووثِقَ به وصدقه وعمل عليه الناظرون إلى “الخطة العملية”، المشمِّرون على جادة الطريق.

فزِع أولئك وطرب هؤلاء وصدقوا بقول الله عز وجل عن العبد المتقرب: “فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله”. أخبر السالكون العمليون بما أصابهم من وعد الله الكريم الوهاب، وحام الفزعون حول النص يُشبِعونه تقليبا وتدوينا وتأويلا.

نقل الحافظ ابن حجر عن الطوفي أنه قال: “هذا الحديث أصْل في السلوك إلى الله والوصول إلى معرفته ومحبته وطريقه. إذ المفترضات الباطنة وهي الإيمان، والظاهرة وهي الإسلام، والمركب منهما وهي الإحسان (توجد) فيهما كما تضمنهُ حديث جبريل. والإحسان يتضمن مقامات السالكين من الزهد والإخلاص والمراقبة وغيرها”. [4]

كلام الطوفي يتضمن اعتراف الفقهاء والمحدثين بكون الحديث العظيم أصلا في السلوك. اعتراف مجمل.

أما في التفصيل فأقوال العلماء النُّظَّار في العلم والنصوص تضاربت وتقابلت ولم تتفق إلا على أمر واحد. هو أن لا يكون في الحديث “مُتَمَسَّك للاتحادية والقائلين بالوحدة المطلقة”، كما عبر الحافظ ابن حجر.

وقد روى الحافظ مقالات النظار[5] في معنى “كنت سمعه”. فمنهم من قال: إنه ورد على سبيل التمثيل، ومنهم من قال: كنت سمعه أي أنَّ كليته مشغولة بي فلا يُصغِي بسمعه إلا إلى ما يرضيني. ومقالة ثالثة: أجعل له مقاصده كأنه ينالها بسمعه وبصره. ورابعة: كنت له في النُّصرة كسمعه وبصره ورجله. وخامسة: كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع إلا ما يحل استماعه. وسادسة: معنى سمعه مسموعه، فلا يسمع إلا ذكري ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي ولا يأنس إلا بمناجاتي ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي وسابعة: قد يكون عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء ونُجْح الطلب. وذلك أن مساعي الانسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة.

وينقل ابن حجر رحمه الله في آخر عرضه مقالة الصوفية وكأنها مجرد نظرية تُحَطُّ إلى جانب ما سبق من نظريات. قال: “وحمله بعض متأخري الصوفية على ما يذكرونه من مقام الفناء والمحو، وأنه الغاية التي لا شيء وراءها. وهو أن يكون قائما بإقامة الله له، محبا بمحبته، ناظرا بنظره له من غير أن تبقى له بقية تُناطُ باسم أو تقف على رسم أو تتعلق بأمر أو توصف بوصف”. [6]

قال شارحا مترجما لكلامهم حسب إدراكه، موافقا مسلما غير معارض: “ومعنى هذا الكلام أنه يشهد إقامة الله له حتى قام، ومحبته له حتى أحبه، ونظره إلى عبده حتى أقبل ناظرا إليه بقلبه”.

ثم يلتفت إلى الزنادقة فينقل مقالتهم، وهي شبيهة بشطحات أهل السكر، وهي مقالة الحلولية والاتحادية الزائغين. ويُنكر هذه المقالة الشنيعة، وقد رجع من عرضه بنتائج حكاية العلم وتقريره وبفضيلة النهي عن المنكر.

سبحان الله! ما يحبسني عن الهيمان على وجهي في البراري أطلب ما طلب الرجال! كيف تحلو الحياة، بل كيف تُحتَمَلُ لحظة، وأنا لا أعرف ما اسمي في الملكوت! كيف أُسَوِّفُ رحيلي إلى ربي، وتوبتي الكلية ورجعتي إليه وهو سبحانه يتحبب إلي وينادي ويعد ويبشر!

قال الإمام عبد القادر قدس الله روحه: “اهجُرْ طبعك وهواك وشيطانك ولا تركن إليهم. إذا ثبت هذا فاجعل بينك وبين أقران السوء عداوة. ولا تصادقهم حتى يوافقوك في حالك. التوبة قلب دولة”. [7]

أقول نعم! التوبة الكلية التي تتمثل في هجر كل ما ذكر والطيران بجناحي الإنابة والشوق إلى المولى الكريم انقلاب عميق. لكن من يقدر عليه إلا همة مرفوعة سبقت لها عند الله الحسنى!

ويقول الشيخ الإمام في شروط السلوك بعد التوبة: “إذا تركت نفسك مع الدنيا، وقلبك مع الأخرى، وسرك مع المولى، حينئذ صارت خلوتك أنسا بالله. وأما مع وجودها ووجود غيرها من الأنفس فلا يكون لك خلوة.(…)”. [8]

لا يقصد الشيخ هنا الخلوة المعروفة، وهي حبس المريد نفسه في حجرة خاصة ليتفرغ للذكر، إنما يقصد التخليَ المعنويَّ الذي يرتفع به نظرُ النفس عن اللذات، ونظر القلب عن الدنيا جملة، ونظر السر عن الدنيا والآخرة. حينئذ يقف بالهمة واقف العناية على “باب الملك”.

قال الإمام: “لا كلام حتى ترى الباب! فحينئذ ترى الغلمان (يقصد الاولياء المشايخ) (…) كن مع الصادقين حتى تعامَل بما عوملوا به. اصدق في أقوالك وأفعالك في جميع أحوالك. الصدق هو التوحيد والإخلاص والتوكل على الله عز وجل (…).

“قرب الحق عز وجل لا يحتمل الزَّحْمَة. من كل ألف ألف منكم إلى انقطاع النفَسِ واحد يعقل ما أقول ويعمل به. وباقيكم يدخلون في غماره، ويتبركون بحضورهم معه. إني أرجو لكم الخير في الدنيا والآخرة. الدنيا سجن المومن. فإذا نَسي سجنه جاءه الفرج. المومنون في سجن، والعارفون في سكر، فهم غائبون عن السجن”. [9]

قال عبد محب لمولاه، غريب عنه ما سواه، غريب هو في الناس:غـريب الوصف ذو علم غريب *** عليل القلب من حُبِّ الحبيـب

إذا مــا الليل أظلم قـام يبكـي *** ويشكو ما يُكِنُّ من الوجيـب

يُقَطِّــعُ ليلـه ذكــرا وفكـرا *** وينطق فيه بالعجب العجيـب

بـه مـن حـب سيـده غـرامٌ *** يجِلُّ عن التطبُّـبِ والطبيـب

ومـن يـكُ هكذا عبـداً محبـا *** يطيب ترابه من غيـر طيـب

وقال سالك إلى ربه، يتحدث بنعم قربه:تفرد فـي الدنيـا لطاعـة ربـه *** فأورثه علـم الكتـاب بـلا رَيْـب

وآثَـرَ حـبَّ الله فانكشفـت لـه *** عجائبُ أسرارٍ ثواباً علـى الحُـب

فمن كان في دعوى المحبة صادقا *** تجلت له الأنوار من غير ما حُجْب

فيرتع في روض المعارف دائمـا *** ولذتها أشهى من الأكل والشـرب

تخاطبه الأحوال من كـل جانـب *** فيفهم عنهـا بالضميـر وبالقلـب

يكـاشَفُ بالأسرار مـن ملكوتهـا *** فيأتي عليه الفَيْضُ من عالم الغيب

وقلت:أُعَانـي غُربَتَيْـنِ فـي البَرايـا *** فلي ضِعفُ الجَزاء على مُصابي

فغُـربة ذاكـرٍ بالبَـدْع يُرمَـى *** وغُربةُ مسلـمٍ بيـن الذِّئـاب

فَطُوبى ثمَّ طُوبى ليس يحصَـى *** حَصادُ الصَّابرين مـن الثَّـواب

الهوامش:

[1] الفتاوي ج 19 ص 273.

[2] المصدر السابق ص 274.

[3] المصدر السابق ج 22 ص 334.

[4] فتح الباري ج 11 ص 345.

[5] المصدر السابق ص 344.

[6] فتح الباري ج 11 ص 344.

[7] الفتح الرباني ص 206.

[8] المصدر السابق ص 205.

[9] الفتح الرباني ص 205.