من كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجارة

عمر احرشان – [email protected]

منذ الاستجواب الذي نشر مع الأستاذة ندية ياسين، وردود الفعل تتوالى، والأصوات المستنكرة ترتفع، ومبرراتها تتعدد وتتجدد، وكلما اكتشفت زيف ادعاءاتها، وعدم سلامة حججها بحثت عن أخرى. وهكذا تجد بعضهم بنى حججه للرفض على المدخل الأكاديمي، وبعضهم ربط رفضه بالمرتكزات التاريخية للدولة المغربية، وآخرون عللوا رفضهم بعدم واقعية مقترحات صاحبة الحوار، وأدرجه البعض ضمن خانة المزايدات السياسية المرفوضة، وكل تلك المبررات والحجج قابلة للنقاش، ومن شأنها إغناء الحوار والانتقال به من اجترار القضايا الهامشية إلى نقاش عميق حول القضايا الرئيسية التي تشكل مداخل التغيير الحقيقي والمنشود طالما تم التعبير عن تلك الاعتراضات بعفة لسان وقلم، وطالما أطرها الاحترام المتبادل، وتقدير كل ذي رأي ورؤية، ولم تسلك مسلك الاستعداء، ولم تشكك في النيات، فقد أمرنا أن نحكم على الظواهر والله تعالى يتولى السرائر، وأمرنا بتحسين الظن، فخيران لا خير بعدهما حسن الظن بالله وحسن الظن بالناس، وشران لا شر بعدهما سوء الظن بالله وسوء الظن بالناس.

لست أزعم أنني بلغت مستوى يؤهلني لتحليل ما جرى من ردود أفعال بعد ذلك الاستجواب، لكنني يتملكني إحساس أن البعض كان همه تحويل النقاش عن سكّته، وتحوير موضوعه، وافتعال قضايا من شأنها إجهاض مبتغى ذلك الحوار: فتح النقاش حول القضايا الشائكة بحرية وبدون طابوهات. ولست أدري هل نجحوا في مسعاهم أم فشلوا، فهذا ستثبته الأيام القادمة، ولكنني متأكد أنهم خسروا جزءا من رصيدهم الشعبي، وتناقضوا مع جوهر ما كان يدعونه من أفكار تؤصل للحرية وتتبنى الحداثة، وتحلم بالديمقراطية. حقا إنهم خسروا، وستثبت الأيام الحقائق لمن يساوره الشك في ذلك.

أما صاحبة الحوار، وأقصد السيدة ندية ياسين، فقد ازدادت شعبيتها، وتأكد ثباتها على مواقفها، وترسخ لدى الجميع اعتزازها بحريتها وآرائها وانتمائها، واستعدادها لتحمل كل المكاره من أجل الدفاع عنها. وكانت حقا الرابحة: أرضت ضميرها، وصدعت بما اقتنعت به، وقامت بدورها.

لا يسمح الظرف بمناقشة كل الطروحات المخالفة، ولا يتسع الوقت للرد على كل مخالف، كما لم يحن زمن المكاشفة والوضوح لنقف على حقيقة بعض الذين تشم من أقلامهم الحقد الدفين، أو من كلامهم الحسد البغيض، أو تحس من كتاباتهم أنهم أقلام مأجورة تدور مع الأعطيات حيث دارت، وتلبس لبوس الهبات غير حريصة على سمعة وغير آبهة بتعذيب ضمير، ولا منشغلة بما سيقوله الرأي العام حين يكتشف حقيقتهم، ولكن حتما سيأتي ذلك اليوم ليعرف الجميع من يعتز بذاته ويحرص على أن يستقل برأيه، ومن “يكري حنكه” لمن يدفع أكثر ولو كان سيأكل به الثوم أو السم. وقد اكتشفها فعلا حين حاولوا تغيير مجرى الكلام وابتعدوا عن الموضوع واقتصروا على التنكيت والسب والشتم والنهش في الأعراض، عبروا آنذاك عن خوائهم وهزالهم. حتما سيأتي ذلك اليوم. وكل آت قريب.

لكن لا أخفيكم استغرابي من بساطة تفكير بعضهم، واختلال منطقهم حين حاول ربط ما قيل بأوامر أمريكية، أو وعود أمريكية، أو حتى عمالة لأمريكا. مبررهم في ذلك مغازلة أمريكا للإسلاميين، ودعوة السيدة ندية لندوة في أمريكا.

لن أفصل في موقف “العدل والإحسان” من دعوات أمريكا وسياستها تجاه الإسلام وقضايا المسلمين، بل أدعو المشككين إلى الاطلاع على مواقف الجماعة المكتوبة والمنشورة، وعلى حركتها في الواقع ليتأكدوا.

كما لن أتوسع في شرح طبيعة النشاط الذي دعيت له السيدة ندية ياسين واستجابت كما تستجيب لأنشطة غيرها، وضمنها المنتدى الاجتماعي المتوسطي الذي منعت من الذهاب إليه. وأنتم تعرفون ما هو هذا المنتدى؟ ومن وراءه؟ وأفكاره؟ ورؤاه؟ ومواقفه من العولمة التي تقودها أمريكا؟. كما تعرفون جامعة بيركلي ومواقفها، وخطها، وتوقعاتها، وتعرفون حتما من شارك في ذلك النشاط، وماذا دار فيه، وتعرفون ماذا قالت السيدة ندية هناك.

إن لم تعرفوا بعد، فبإمكانكم ذلك، نقرة خفيفة تدخلكم في عالم يمكنكم من الإجابة عن كل أسئلتكم.

لكنني أستغرب كيف تصبح العلاقة مع أمريكا تهمة في حق البعض، وامتيازا في حق آخرين، وكيف نقيم الدنيا ضد البعض، ونصمت في وجه آخرين، ومن ضمنهم السلطة والأحزاب وفاعلين في “المجتمع المدني” و”إعلاميين” و… القائمة طويلة.

لا تخفي السلطة المغربية علاقتها بأمريكا، بل تمنحها امتيازات يعرف الجميع ضررها على البلاد والعباد، وتعرض خدماتها القمعية على أمريكا لتنتزع من مغاربة كوانتنامو تصريحات عجزوا هم أنفسهم عن انتزاعها منهم. هذا التعاون، وهذه العمالة يسكت عنها الجميع. ولا ضير فيها. عمالة كافأت من خلالها أمريكا المغرب بأن جعلته شريكا.

هؤلاء لم يتكلموا عن ذلك، ولم يتصدروا صفحات الجرائد للتنديد به وهم المتبنون للخطاب الديمقراطي الحداثي التنويري التحريري…

والأحزاب في البرلمان تخضع لدورات تدريبية من طرف أمريكيين يلقنونهم كيف يتكلمون ويخطبون، وكيف يديرون ويفكرون ويقدرون ويقررون، وحتى كيف يأكلون ويشربون.

لم يعترض أحد على ذلك، ولم يعده تدخل في ممثلي الأمة، وبالتالي انتهاك للسيادة.

والعديد من الجمعيات لا تستطيع الصمود والعمل إلا من خلال الأعطيات الأمريكية المغلفة بلبوس برامج الدعم والشراكة وما إلى ذلك من المصطلحات الرنانة الطنانة.

عن كل هذا لا تكاد تجد معترضا.

أما إن تعلق الأمر بالسيدة ندية ياسين، وبجماعة العدل والإحسان فإن في الأمر اتفاقات سرية، وأهداف مبطنة، وغايات انقلابية، وزعزعة للاستقرار الداخلي.

أولى بهؤلاء الذين يكيلون بالمكيالين أن يتعقلوا، وأولى بهم أن يخجلوا فمن كان بيته من زجاج لا يحق له أن يرمي الناس بالحجارة.

أرجو أن تصل الرسالة، ويفهم فحواها فإما أن يوضع الاستجواب في سياقه، ولكل واحد آراؤه يدافع عنها في جو من الحوار الهادئ العميق، وإما لزوم الصمت وتجنب التهريج والتنكيت والتسطيح والتبسيط، فهذا لا يقبل من إنسان عادي، فأحرى أن يقبل ممن يصنف نفسه فاعلا سياسيا أو داعيا إسلاميا أو حداثيا متنورا.

وحتما سنندم على هذه الفرصة التي أتيحت لنرتفع من القاع، ولنخرج من نقاش السفاسف لنصعد إلى القمة نناقش بحرية وعمق.