لمّا خرجَ موسى بأهله مِنْ مَدِينَةِ مَدْيَن، انطلقَ طَلْقُ الطلقِ بزوجتِه، فما زال يكادِحُ المقادحَ فلمْ تُورِ ، لأنَّ عروسَ نارِ الطورِ لمّا هَمَّتْ بالتجلِّي، نوديت النيرانُ بلسان الغَيْرَةِ من المشاركة: غُضّي، فقام على أقدام التحيُّر، فهتفَ به أنيسُ “ءَانَسَ” [القصص: 29]، فأنس:

يـا حـارِ إنَّ الرَّكبَ قد حَارُوْا *** فـاذهبْ تَحَسَّسْ لِمَـنِ النّارُ

تَبْـدُو وتَخْبُـو، إِنْ خَبَتْ وَقَفُوا *** وإِنْ ضَـاءَتْ لَهـم سَـارُوافشمّر موسى عن ساقِ القَصْدِ وساق، فلمّا أتى النادي “نُودِيَ” [طه: 11]، فحين ذاق لذةَ التكليم، جرح قلبَه نصلُ الشوقِ، فلم يداوِه إلا طبيبُ “وَوَاعَدْنَا” [الأعراف: 142].

لَيَالِيْنَــا بِذِي الأَثْلاثِ عُوْدِي *** لِيُوْرِقَ فِي رُبى الأَثلاث عُوْدِي

فإِنَّ نَسِيْمَ ذَاكَ الشِّيــحِ أَذْكَى *** لَدَيَّ منَ انتِشَــاقي نَشْرَ عُودِ

وإنَّ حَدِيثَكُمْ فِي الْقَلْبِ أَحْـلَى *** وأَطْيَبُ نَغْمَةً مِنْ صَوْتِ عُـوْدِفرجعَ موسى عاكفاً على معتكَفِ كَفْكَفِه “فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ” [الأعراف: 142]، وأُحْضِر حتى حضرَ حظيرةَ القدسِ، فنسيَ الإنسَ بِمَا آنسَ من الأُنْسِ:

فكُــلُّ شيءٍ رآه ظنَّهُ قَدَحاً *** وكـلُّ شَخْصٍ رآه ظَنَّهُ السَّاقِيفلمّا دارتْ في دائرةِ دارِ الحِبِّ كؤوسُ القُرْبِ، وسَمع النداءَ وَسْط النادي بلا واسطةِ، وَسِيْطَ له من وَسِيْطِ أقداحِ المُنى في المناجاة بلا وسيطٍ، طابَ له شرابُ الوصالِ من أوطاب الخطابِ، في أواني سَمَاعِ الكلامِ، فناداه تَوَقُ شوقِهِ:

(للشريف الرضي):أوانٍ أنــتَ في هذا الأوانِ *** عنِ الرّاحِ المُرَوَّق في الأَوَاني؟رأى عن الغَوْر وميضاً فاشتاق، ما أَجْلَبَ البرقَ لدمعِ الآماق، فصاح لسانُ الوجدِ “أَرِنِي” [الأعراف: 143] فرُدَّ شاردُ شحَذَانِ الشوق على الطِّوى بطوق “لَنْ تَرَنِي” [الأعراف: 143]، إلا أنّ جَزَع الفِطَام سكَّن شُعَلَهُ بِتَعلَّةِ “وَلَكِن” [الأعراف: 143]، فلمّا تجلى جلَّ جلاله للجبل مَرَّ، فخرَّ موسى في بحر الصَّعْق فرقاً، فَرَقَى فَرَقُه ذروةَ “سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ” [الأعراف: 143] وما انبسط موسى بقول: “أَرِنِي” [الأعراف: 143] إلا ببسط: “سلني ولو مِلْحَ عجينك” (رواه الديلمي في -مسند الفردوس-) لو تركه مع رعيه الغنم في شِعْب شُعيب ما جال في ظنِّه سؤال الرؤية، ولكنَّه استدعاه بالنداء، وآنسه بالتقريب، وباسطه بالتكليمِ.

فلمّــا عــاينَ الحِيــرةَ *** حــادِي جمــلي حــاراكان موسى يطوفُ في بني إسرائيل، ويقولُ: من يحمّلني رسالةً إلى ربي؟ ما كان مرادُه إلا أن يطوِّلَ الحديثَ مع الحبيب:

فقلتُ له قُصَّ الحديثَ الذي انقضى *** وذكراكَ مِنْ ذَاكَ الْحَديثِ أُرِيْدُ

يُجَــدِّدُ تِذكارُ الحـديثِ مَوَدَّتِي *** فذكـرُكَ عِندي والحَديثُ جَدِيْدُ

أُنــاشدُه إِلاَّ أعــادَ حَدِيثَــهُ *** كـأنِّي بَـطِيءُ الفَهْمِ حِينَ يُعِيدُمات موسى قتيلَ شوقِ “أَرِنِي” [الأعراف: 143]، فلمّا جاز عليه نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، ردّده في الصلوات، ليسعد برؤيَةِ مَنْ قد رأى:

وإِنِّـي لآتي أرضَكُمْ لا لحاجةٍ *** لعلِّي أراكُم أو أَرَى مَنْ يـراكُمُ

– – – – – – – –

إنْ تَشْقَ عَيْنِي بِهِمْ فَقَد سَعِـدَتْ *** عَيْنُ رَسُولي وفــازَ بالنَّظرِ

وكلَّمــا جـاءني الرَّسولُ لهمْ *** رَدَّدْتُ شَوقاً في طَرْفِه نَظَري

تَظْهَـرُ في طَرْفِه مَحَــاسِنُهُمْ *** قَـدْ آَثّــرتْ فيه أحْسَنَ الأثرِ

خُذْ في مُقْلَتي يَا رَسُوْلي عاريةً *** فَانْظُر بِهَا وَاحْتَكِمْ على بَصَري

.