صحبنا العلم القرآني النبوي من أول هذا الكتاب منذ قرأنا في كتاب الله تعالى صفات عباد الرحمان الذين يدعون ربهم ليهب لهم من أزواجهم وذرياتهم قرة أعين وليجعلهم للمتقين إماما. فسر المفسرون إمامة المتقين بأنها إنجاب أجيال مومنة صالحة.

قُرَّةَ أعين يكون الزوج لزوجه، وإمامةً للمتقين يرتدي جلباب كرامتها الزوجان، إن كانت الأم مدرسة صالحة. الأم مدرسة. الأم مدرسة. الأم منبع. الأم الجاهلة سُخْنة عين وإمامة ضياع، وامتداد لبؤس الأمة. نرجع إن شاء الله لوظيفة الأمهات وسائر المومنات التعليمية التربوية في الفصل التاسع من هذا الكتاب. هناك بحول الله نستعرض الكفاءات الإيمانية الخلقية العلمية الضرورية لتكون الأم إماما للمتقين وصانعة لأجيال حية فاعلة.

في هذه الفقرة، ونحن نودع فصل طلب الكمالات، ننظر في البِنية العقلية النفسية للمومنة المتعلمة طالبة العلم من المهد إلى اللحد. العلم وطلبه واستكماله هو نور العقل الذي به تكون المومنة متحركة بين ساكنين، متوهجة بين باهِتين، مشمرة بين مترهلين، حية بين أموات. إن لم تكن تأسست بِنْيَتُها النفسية العقلية منذ صباها وطفولتها على قاعدة طلب العلم من المهد إلى اللحد، فمن كمال توبتها أن تنزع عن نفسها رذيلة الجهل، وعطالة الجهل، وأن تتحلى وتتجمل بالمعارف الشريفة.

ما هي المعارف الشريفة القمينة أن تُقبل عليها المومنة إقبالَ النَّهِمِ على المورد العذب؟ العلوم في عصرنا بحر زخار، كتب وكتب، مجلات وجرائد، تلفزيون يبسط المعارف ويوضحها بالألوان والصور والرسم البياني والإخراج. في عصرنا علوم منها المُشَرَّف المحتكَر المحتفظ بأسراره في بلاد المتعلمين من يابان وألمانيين. ومنها الدارج المتجرجر التابع التلميذ في جامعاتنا ومدارسنا.

ما مكان هذه المعارف الكونية المحتكرة هناك المُشرفة، الغائبة هنا الغريبة، من اهتمام المومنات والمومنين؟ هي معارف ضرورية لا مسكن للأمة على وجه الأرض ولا مستقبل لها إن لم تجاهد الأمة -وفيها عبْقريات المومنات- لاكتسابها وترويضها والتسلح بها. عريانة أمة ليس لها قدم تزاحم الأقدام في هذه المَوَاطن، جوعانة، عَزْلاءُ، نَكِرةٌ، بلهاء، غثاء.

بعد أن يستقِرَّ هذا في ذهننا، فالعلم علمان: علم بالله، وبغيب الله، وبرسل الله، وبكتب الله، وملائكة الله، وقدر الله، ومصير الإنسان في الدار الآخرة إلى الله. وعلم آخر عن كون الله، وخلق الله، وما أودعه الله في أرضه وسمائه من أسرار، وما رتب سبحانه من أسباب، وما سخر سبحانه للإنسان تسخيرا طبيعيا، وما جعل لتسخيره أسبابا على الإنسان أن يُرادف التجارب، ويجمع المعارف، ويَخترع المناهج، ويصطنع الآلات لتوفيرها.

علم بالله وبغيب الله مصدره الوحي لا مصدر له غيرُه. وآلة تلقيه القلب المومن ينير العقل الراجع من تأملاته كليلا يتتلمذ على الوحي. وعلم بكون الله آلته العقل المُشاع بين بني الإنسان مومنهم وكافرهم.

تَنفَع الأمةَ في الدنيا علومُ الكون لأنها قوة، وجهاد المومنات لاكتساب هذه العلوم مساهمة في الجهاد. لكن السعيَ باطِلٌ ضالٌّ إن انقطعتْ منقطعة عن الوحي، وكانت قِسمتها من العلم الشريف حقا، ومن الإيمان بالله واليوم الآخر، صفرا. مهما كان تحصيلها من علوم الكون ومهارات الدنيا، وصناعات التقنية، كبيرة، فنفع ذلك لها في الدنيا إن ترقت في السلم الاجتماعي وكسبت مالا وشهرة لا يزن عند الله شيئا.

تنهل المومنات من علم الآخرة في جلساتهن، ويشجع بعضهن بعضا على اقتناء الكتب، ومعاشرة الكتاب. فإن هذه الثقافة الإسلامية العامة التي تنشر في المجلات الإسلامية إن كانت مهمة في تنوير عامة المسلمات والمسلمين، لا تكفي لتفقيه المومنات بدينهن.

وليكن علم المومنات علم خطوة لا علم خطبة. عِلما يشرق في القلوب إيمانا وتصديقا، وفي العقول تدبيرا وتطبيقا. علما جامعا لمصلحة جامعة: الأمة ممزقة الأوصال كيف نجمعها. الخلاف مفرق كيف نضع حق الخلاف في الفروع مكانه دون أن نُصلِت اللسان فيصلت الآخر الحُسام. مقالات المتكلمين الأُوَل لا نرفعها ألوية لنكفر ونبدع ونثير الخصام والقتال. تراث لا نحمله على ظهورنا أسفارا، بل نتبع كما اتبع من قبلنا، مجتهدين كما اجتهدوا، مستفيدين من صوابهم كما نستفيد من خطإهم. لا نصغِّرُ من قيمة اجتهاد من سبقونا ولا نضخمه، بل نضعه على سلم الخطإ والصواب حيث بلغ به الاجتهاد، وحيث أوقفه التقليد، وحيث ألجمته الضرورة.

علم خطوة لا علم خطبة. علم يقربنا إلى الله تعريفا بالطريق. يكون العلم خطوة إن تلا التعريفَ تصديق، وتلا التصديقَ عمل وجهاد. قال الله تعالى: (ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم).(سورة الإسراء، الآية: 36) وفي الحديث “العلم إمام العمل”. أول خطوة أن نصحح المفاهيم ونطهرها مما علِق بها من الفهم المادي الدنيوي. ضلَلْنا وخسِرْنا إن اتبعنا الفهم المادي الدنيوي، أو سحبتْنا إلى التمثّل به ثم تَمثّلِه المحاولات التي تقارن وتحاور من مبدإ: القرآن سبق إلى هذا بأربعة عشر قرنا.

العلم، الحكمة، الفقه، العقل، الرشد، التفكّر، التدبر، النظر. هذه مفاهيم قرآنية نبوية نفرغها من محتواها الإيماني ولبها الإحساني إن نحن قرأناها على ضوء القاموس الفكري العام. هذه المفاهيم المفاتِح تحمل شحنات قلبية، ما منها كلمة إلا ومدلولها الإيمان، ودلالتها على الله، وعلى حكمة وجود الإنسان، وعلى مصيره إلى الجنة والسعادة الأبدية إن رشَد، أو النار والشقاء الأبدي إن غَوَى. تصير هذه الكلمات الشريفة حقا، القدسية مصدرا، قوقعات هوائية إن قرأناها بفكر ممسوح من الإيمان، وبآليات فكرية لسنية تصب علينا مساميرَها صبّاً الثقافة العالمية الأكاديمية الجاهلة بربها، المدججة بالأبحاث، الموَثّقةُ، المتخمة بإفرازاتها حوانيت الأدمغة المغربة.

هنالك مجال لجهاد المومنات يتعين عليهن المزاحمة فيه. ألا وهو مجال التعليم. مستكبرات بدبلوماتهن ومستكبرون ليست القومة لإذلال غَوايتهم بأقل أهمية من القومة السياسية لهدم صرح باطل الظلم وإقامة دولة الإسلام. في جامعاتنا مسارح للعراك الفكري ومداهمة الثقافة المادية الإلحادية في عقر دارها. جامعاتنا عُقْر دارها كما أن أجهزة الدولة عُقر دار الظالمين. على المومنات التي حباهن الله بالذهن الوقاد والصبر على التعلم وعلى متابعة التعلم من المهد إلى اللحد أن يتخصصن في أداء الفرض الكفائي في التعليم العام بما لا يتناقض مع فرضهن العيني في تربية بناتهن وأبنائهن في البيت.

مستكبرات ومستكبرون في الجامعات يُنادَوْن من مكان بعيد حين يخاطَبون بالإيمان والعلم الهادي للإيمان. من ينزل الجبارين من بروج الاستعلاء الثقافي إلا عقول آمنت بالله وباليوم الآخر فأوقفت جهودها للتصدي لهذه المعركة الحاسمة. النشء من بنات المسلمين وأبنائهم أثمن ما تملك الأمة، والقتال العلمي لكسبه من أولويات الجهاد. وللمومنات في هذه النازِلَة ثغرة لا يسدها غيرهن، وفقه ما له سِواهن.

مستكبرات ومستكبرون! روى البخاري في صحيحه في كتاب العلم أن أميرَ المومنين عمر بن الخطاب قال: “تفقهوا قبل أن تسودوا”. ذلك أن التي عُرِفتْ بعلمها حتى لُقِّبَتْ دكتورة واعتلت منصة الأستاذية لا ترجع عن ضلالها الثقافي وغرورها بالمكدسات من المراجع في خزانتها، والمنشورات من مؤلفاتها إلا راغمةً مفحَمة. تقوم الحكومة الإسلامية فتعفي المرتدين عن دينهم والمرتدات، ومروجي البضاعة العلومية المغشوشة والمروجات. لكن الهزيمة الفكرية لطروحاتهن وطروحاتهم وحدها تقطع دابر الجاهلية الحاشِرَةِ أذرعها في مدارسنا وجامعاتنا.

قال الإمام مالك عن عيب القضاء: “إن القاضي إذا عُزلَ لا يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه”. قلت: يمنعه ذلك كبرياؤه، تمنعه رئاسة وسمعة اكتسبها، وكرسي نفوذ اعتلاه، لا ينزل عنه. وقال الشافعي: “إذا تصدَّر الحَدَثُ فاته علم كثير”. وفسر أبو عبيدة حديث عمر، قال: “معناه تفقهوا وأنتم صغار قبل أن تصيروا سادة فتمنعَكم الأنَفَةُ عن الأخذ عمَّن هو دونكم، فتبْقوْا جهالا”.

كبيرات كاملات كمالا وَهميا لما معهن من بضاعة لها قيمة في دار الأساتذة الغربيين. يُحاضرْن في السربون وبوسطون. ويخدمن المخابرات العدوة ما لم يخدمه الاستشراق. ويحطمن من دين النشء وأخلاقه ما لا تحطمه مساعداتهن الهوائيات المقعرات.

الكمال العلمي الحق هو: “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين”. رواه الترمذي عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الكمال العلمي في طلب علم الوحي ليكون إماما وسيدا ومرشدا لعلوم الكون، وليكون السعي إلى تحصيله جهادا، ولتكون المشقة والصبر على امتلاكه وسيلة وطريقا إلى الجنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة”. رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

الكمال العلمي تعلم القرآن وتعليمه وتفريع كل علم سواه عنه من علوم الدين والدنيا. “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”. حديث نبوي رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن مولانا عثمان بن عفان رضي الله عنه.

خير وكمال حرَص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إنالة النساء المومنات حظهن منه. جئنه يوما فقلن: “غلَبَنا عليك الرجال! فاجعل لنا يوما من نفسك! فوعدهن يوما لَقِيهنَّ فيه فوعظهن وأمرهن”. الحديث رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

يمنع شيطان الكِبْر ووسواس الخجل من طلب العلم وتلقيه. ثلاثة نفر حضروا مجلسا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم أحدهم، وتأخر الآخر، وتردد الثالث. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما أحدهم فأوَى إلى الله عز وجل فآواه الله، وأما الآخر فاستحيى فاستحيى الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه”. أخرجه الشيخان والترمذي والموطأ عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه.