“غيبوبة سعيدة” … إنه بالضبط الوصف المناسب إذا أردنا نعتا دقيقا للحالة التي تعيشها طبقتنا السياسية.

“غيبوبة سعيدة” … إنه بالضبط العنوان المناسب إذا أردنا أن نمدد إلى زماننا هذا التاريخ الطويل، المتعرج، الملتو، المحزن، الجميل، الغريب، البطولي، لطبقتنا السياسية.

“غيبوبة سعيدة” … لأن الحفاظ على شبح السلطة المخزنية يقتضي الإبقاء على الشعب وعلى نخبه في هذه الغيبوبة السعيدة المسماة تغيير من الداخل ومشاركة وتناوب وواقعية سياسية.

“غيبوبة سعيدة” … لأن الأقوى لا يملك دائما ما يكفي من القوة ليبقى السيد على الدوام ما لم يحول قوته إلى حق وطاعة الآخرين إلى واجب.

“غيبوبة سعيدة” … أساسها وعي شقي، بل لا وعي، يفترض أن نظام الله في الكون ملكي، وبالتالي يجب أن تكون كل الأنظمة السياسية في العالم ملكيات يسود الملوك فيها ويحكمون ولا يحاسبون!! ويتجاهل هذا المنطق الغبي أن الله عز وجل رب هذا الكون وحده يسود ويحكم ولا يحاسب.

طبقة سياسية في غيبوبة سعيدة بدأت خفيفة من 1975 إلى 1996 تم عميقة بعد ذلك. وها هي اليوم تعلن، وقد بلغت أقصى درجاتها، عن نهاية جيل قديم ومتقادم من السياسيين.. طبقة سياسية في طريقها إلى الانحلال. ذوبان ذاتي وتهافت بدأ بطيئا قبل 1996 ثم متسارعا بعد ذلك يعلن عن نهاية تاريخ.

ها هو ذا اليسار مثلا الذي قاوم لعقود من أجل الطبقات الشعبية ومن أجل معاناتها الاجتماعية وحقوقها السياسية، وقدم في سبيل ذلك شهداء ومعتقلين ومنفيين، يفضل الموت على أن يتغير الفصل التاسع عشر من الدستور. وها هي ذي بعض مكونات الحركة الإسلامية التي عاشت زمانا مستعدة للموت من أجل الحق الذي آمنت به مستعدة اليوم للموت من أجل تزيين صورة الباطل. استبدلت نضالات الأمس بجولات في التلفاز، ووظائف سهلة، لكن غير قارة، بالحكومة، وحُجَر إيكولوجية بوزارات في حالة خطر، وانتظارات سرابية. نحن اليوم على حافة نهاية طبقة سياسية: آليات الترغيب والترهيب المخزني مرت من هنا!

في العصر الذهبي لهذه الطبقة السياسية كان المطلب هو مجلس تأسيسي، وكانت القوى الحية باقتراحاتها ومواقفها ترى أن الحل الحقيقي والجدري لمشكلات البلد يمر عبر هذه البداية الصحيحة. بعد ذلك، صار المطلب مجرد إصلاحات دستورية وسياسية من داخل منطق الدستور الممنوح. وأخيرا تلاشى كل شيء؛ لا مجلس تأسيسي ولا إصلاحات دستورية ولا هم يحزنون. وهكذا بدأت الانتهازية تتسرب إلى أصحاب المواقف المبدئية بالأمس. وفي ظل الشروط الجديدة أصبح بالامكان ظهور جيل سياسي جديد. يتعلق الأمر بجيل «البيداغوجية المخزنية» الذي حل محل جيل «الديماغوجية المخزنية». (أقصد بيداغوجية اليسار والاسلاميين الذين أرادوا تغيير المخزن من الداخل فإذا بهم خدام أوفياء له، في مقابل ديماغوجية اليمين).

وبظهور هذا الجيل الجديد من حراس المعبد انتقلنا إلى التدبير الوحشي للتراب السياسي على الطريقة البيداغوجية، مخزن جديد يحكم ويعارض في نفس الوقت، يقمع ويحتج على القمع، يصادر الحريات ويحتج على مصادرتها، ينهج سياسة التفقير ويسعى لمحاربة الفقر. مخزن جديد تلبس ما بقي من مؤسسات وفضاءات حرة ومستقلة. وكفانا كارثة أن يتلبس المخزن السلطة المضادة المتمثلة في العلماء والاعلام والمجتمع المدني، وما كان له أن يحلم بذلك لولا أن اليسار وبعض الاسلاميين منحوه الفرصة وعبدوا له الطريق.

إن عمق التساقط السياسي الذي انتهت إليه الطبقة السياسية يتجلى أساسا في الدور الوقح الذي لعبه اليسار في “إنقاذ” نظام مخزني متهالك من “السكتة القلبية”. ويبدو أن نفس الدور يتهيأ له إسلاميو المخزن مستقبلا في تواقف مقبل. دور وقح يزيد من وقاحته الافتخار والاعتزاز به. “لقد أنقذنا المغرب من السكتة القلبية” يصرح السيد عبد الرحمن اليوسفي في برنامج تلفزي حول حصيلة الحكومة. فما هو هذا “الإنقاذ”؟ وما هي هذه “السكتة القلبية” التي كان لحزب القوات الشعبية “شرف” إنقاذ “المغرب” منها؟ وما هو هذا “المغرب” الذي كان مهددا بالسكتة القلبية؛ هل هو مغرب المعاناة والفقر المدقع أم مغرب الامتيازات والغنى الفاحش؟

إن الانقاذ الحقيقي يقتضي إخراج الشعب وطبقته السياسية من هذه الغيبوبة السعيدة وفضح اللعبة السياسية التي يلعبها المخزن.

إن السياسة لعبة فعلا. وبالمعنى الحقيقي للكلمة. ويكفي لإدراك خلو هذا المعنى من المجاز ملاحظة أن اللعبة السياسية منضبطة بقواعد تأخذ شكل أعراف وقوانين، ورهان يعطي للعب معناه واتجاهه.

وهذه اللعبة إما أن تكون ديمقراطية أو لا تكون. هي ديمقراطية حين تكون قواعد اللعب نتاج تراض مجتمعي، وتكون السلطة موضوعا فعليا للرهان. وغير ديمقراطية حين تكون قواعد اللعب مملاة من طرف واحد، وتكون السلطة خارج حلبة الرهان.

في الحالة الأولى، تمارس السياسة بكل ألوانها، اليمينية واليسارية، المعتدلة والمتطرفة، المحافظة والاصلاحية، داخل نسق سياسي مفتوح، يسع لديمقراطيته الجميع في حدود احترام قواعد اللعبة الديمقراطية كسيادة الأمة وسيادة القانون ونبذ العنف والتناوب السلمي على السلطة والحق في المعارضة. وليس هذا النسق سوى المجال العمومي نفسه. وتتكفل الآليات الديمقراطية بضبط النزوعات المتطرفة.

وفي الحالة الثانية، تمارس السياسة داخل نسق مغلق تقتضيه الطبيعة غير الديمقراطية للعبة؛ فيتحول ميدان السياسة ـ وهو في الأصل مجال عمومي ـ إلى ملكية خاصة لشخص أو فئة، يمنح قواعد اللعب، ويمنع أن تكون السلطة موضوع رهان. في هذا النسق المغلق، ينغمس المشاركون في اللعبة، الغارقون في غيبوبتهم السعيدة المسماة تغيير من الداخل ومشاركة وتناوب وواقعية سياسية، بحثا عن أي شيء يقدم كقيمة رسمية. وتتفضل السلطة بكرمها فتمنح البعض مناصب في الحكومة والبعض الآخر مناصب في المعارضة!! ويسيح الرافضون للعب وفق القواعد الممنوحة في أرض الله الواسعة، خارج النسق الرسمي المغلق بحثا عن “فرصة تاريخية” لإعادة النظام للعب الذي طاله العبث.

أما لعبتنا السياسية، فعلى الرغم من انتمائها الواضح للحالة الثانية؛ أي رغم لا ديمقراطيتها، إلا أنها تتميز ببعض الخصوصيات التي تمنحها جاذبية خاصة تجعلها تستقطب في كل مرة لاعبين جدد يضخون دماء جديدة في شرايين المخزن.

لعبتنا هي غير ديمقراطية؛ لأن قواعد اللعب فيها مملاة من طرف واحد (الدستور الممنوح)، ولأن السلطة، الرهان الأساسي في كل لعبة سياسية، خارج حلبة التنافس (لا الحكومة ولا الوزير الأول ولا البرلمان ولا المجالس الجهوية والمحلية تملك سلطة)، لكنها رغم كل ذلك يقبل عليها اللاعبون من كل جهة: يمين، يسار، يسار راديكالي، إسلاميون، أمازيغيون…

فما مصدر هذا العبث؟

إن لعبتنا غير ديمقراطية بالتأكيد، لكنها جميلة وممتعة؛ لأنها تدخل اللاعبين بمجرد انخراطهم الجاد في اللعب في غيبوبة سعيدة وجميلة وممتعة، تولد الإحساس بامتلاك السلطة لدى المشاركين في الحكومة، واليقين في إمكانية امتلاكها يوما ما من أيام التناوب لدى المعارضين للحكومة طبعا!! وهذا بالضبط هو مصدر الإغراء الذي تمارسه.

إننا بهذا نفهم أن لعبتنا السياسية جميلة، لكن جمالها لا يكمن في ذات اللعبة بل في أعين اللاعبين. ونفهم أيضا أن الأوهام السياسية لا الأخطاء السياسية هي مصدر الإخفاقات المتتالية لطبقتنا السياسية؛ فالخطأ يسهل اكتشافه والتحرر منه، لكن الوهم، وهو غيبوبة سعيدة، يصعب اكتشافه، وحتى لو اكتشف فمن الصعب التحرر منه. وطبقتنا السياسية تقتسم الأوهام: أوهام المشاركة (امتلاك السلطة)، وأوهام المعارضة (إمكانية امتلاك السلطة)، ناسية أو متناسية، في أوج غيبوبتها السعيدة، أن القاعدة الأولى والذهبية للعبتنا هي اعتبار السلطة، بكل أبعادها المادية والرمزية، خارج حلبة الرهان!!

ولمن أراد أن يلعب اللعبة دون أوهام أو غيبوبة سعيدة أن يتسلح بالصبر والزمن واليقين في سنة الله عز وجل. فبعد العبث طوفان، وبعد الطوفان ومرحلة الاضطراب والفوضى الطبيعية عند كل انتقال فرصة لإعادة النظام للعب الذي طاله العبث. أو يرحم الله عز وجل هذا الشعب فيجنبه بكرمه الفوضى التي يريدها له الراقصون على جراحه، فيطوي له المراحل ويمن عليه بطبقة سياسية متعقلة تركب سفينة البناء الجماعي لقواعد اللعب السياسي.