دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي سرّحتها لتأكل من خشاش الأرض. ودخل رجل الجنة في كلب عطشان سقاه بفلاة فأنقذه من الموت.

هاتان القصتان نقرأهما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونمر. كلا! بل فيهما توجيه لتَعُم رحمتُنا وإحساننا الخلق أجمعين، لا نحقر من المعروف والإحسان شيئا. فالنفس التي تشفق على حيوان ملهوف في الصحراء نفس رحيمة، يشكر الله صنيعها فيجزيها الجنة. والنفس الشريرة التي تمارس عدوانها على الحيوان الضعيف مثل الهرة نفس جهنمية. نعوذ بالله.

هذا جزاء الله عز وجل ثواباً وعقابا للمحسن والمسيء في حق الحيوانات العجماء، فكيف ثوابه وجزاؤه، وعذابه وعقابه، للمحسن إلى الناس والمسيء؟

روى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ويلم قال: “إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم! مرضتُ فلم تَعُدني! قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب! وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أَطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب! كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال استسْقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي؟”.

هل هنالك أبلغُ من هذا البيان للدلالة على الأهمية القُصوى لإسداء الخير إلى الناس، وعلوّ مرتبة الإحسان إلى الخلق عند الله؟ وهل ترك لنا القرآن الكريم مطلبا من مطالب البِرِّ إلا بينه في قوله عز وجل: )ليس البرُّ أن تولوا وجوهكم قِبَل المشرق والمغرب. ولكن البرّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة. والموفون بعهدهم إذا عاهدوا. والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس. أولئك الذين صدقوا. وأولئك هم المتقون(؟ (سورة البقرة، الآية: 176)

أرأيتِ أختَ الإيمان كيف ذكرت أعمال البر مباشرة بعد الإيمان القلبي بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين، وقبل الصلاة والزكاة؟ من صلت صلاتها وزكت فرضها فهي مؤدية لواجب عيني تحاسب عليه. أما من تبرعت بمالها وحنان قلبها على المحتاج من قريب ومسكين وسائل فقد أسْهمت في القيام بفرض كِفائيٍّ متعلق بذمّة الأمة، فارتفعت بذلك مرتبة عملها إلى أعلى. المصلية المزكية فرضَها ما عدَت أنْ بنَتْ أركان بيت إسلامها. أما المحسنة إلى الخلق المجاهدة بمالها وحنانها فهي تبني في صرح دين الأمة. بذلك كان لها الفضل.

غرسة المرحمة في قلب المومنة يُعرف تغصينها وإزْهارها وإثمارها مما تشيعه حولها، الأقربَ فالأقرب، من أنواع البِر والإحسان والألطاف والأَرفَاقِ. ما بينها وبين ربها عز وجل لا سبيل إلى الاطلاع عليه، ونعرف المرحمة بآثارها. تصلح في الأرض حين يفسد فيها المفسدون. تبذر بذور الحب والرحمة في مجتمع الكراهية. تَتَفَرَّغُ لسماع شكوى المعاني. تنصَح المتخبطات في المشاكل وتشفع النصيحة بالبذل والعطاء والسعي لدَى من بيدهم مفاتِح المشاكل. تحوط برعايتها وعنايتها المنبوذات والمحرومات والملفوظين من أطفال البؤس.

تشكر ربها على نعمه أن هداها للإيمان، فتتفجر ينابيع الخير في قلبها، تترجم الشكر والخير عطاء من مالها وحنانها ووقتها واهتمامها ووقوفها بجانب اليتيم، والمسكين، والمقهور، والأسرة المكسرة أو المهددة بكسر، تصلح ذات البين، وتأسو الجراح، وتحتضن النّوائب، وتَجْمع مع أخواتها العون المادي والعاطفي لرَأب الصَّدْع في البيوت، والتخفيف مما في البيوت من مآس وما في الشوارع من حُطام بشري.

أمومة حانية لمن جفتهن الأمهات، صدور محبة لمن يستغثن، ذمة موثوقة لمن لدغتهن أفاعي مجتمع الظلم والكراهية. أي مَعْدِنٍ هو معدِنُكِ يا أخت الإيمان؟ أنانية وشُح أنت أم عين تفيض بِرّاً؟ ما قدرك عند الله مولاك؟ انظري ما قدر مريض عندكِ عدته في الله، واشتريت علب الدواء بعد أن أحضرت الطبيب. انظري ما قدر جائعات وجائعين أطعمتهم في الله. وراقبي نفسك ليكون كل ذلكِ في الله ولله، لا يدخلْ نفسكِ رياء فيبطلَ عملك.

تصلحين في الأرض يا أخت الإيمان اقترابا من ربكِ عز وجل وتقديما لآخرتك، وحُسْنَ صحبة للشعب، وتأليفا للقلوب على الدين، وتهييئا لإقامة دولة الإسلام، دولة العدل الذي يعيد إلى نصاب الاستقامة ما اعوج من شؤون الناس. ثم هي مسيرة لا تقف بك وبأجيال المومنات من بعدِكِ. لا يَأسو عدل الدولة الجراح الشخصية، ولا للدولة قلب متفرغ للحالات الخاصة، ولا تملأ القسمة العادلة مهما بلغ تحريها فجواتٍ اجتماعية، وفراغاتٍ طارئة، ومصائبَ نازلةٍ عينيّةٍ مكانية زمانية ضحيتُها فلانة وآل فلانة من الناس.

تصلحين في الأرض أخت الإيمان قبل الحكم الإسلامي وبعده. أيُّ قَبْلٍ وأيُّ بعدٍ أحوج إلى مساهمتك مع أخواتِك؟

نحن الآن في “قبلٍ” ملَبَّدٍ بغيوم البلاء. المفسدون في الأرض يغتصبون بنات الإسلام في البوسنة، ويذبحون الأبناء. يفعل ذلك الارثودكس الصرب، ويفعل مثله في أشنع منه منذ سنوات المشركون الهنود في الكاشمير وغير الكاشمير، ويفعل أبشع من كل ذلك بنو جلدتنا من حكام الجزائر ومصر وتونس وسوريا والعراق، وغيرها من الآفاق. نساء يزنى بهن أمام أزواجهن، ومومنون مجاهدون تبتر أعضاؤهم. ويد الكافر المحلي الذي يهجم بعساكره على المساجد يقتل فيها المصلين مبسوطة بالوُدِّ والتآمُر للكافر الخارجي. وفلسطين ما فلسطين.

أجّجوا فتنة العنف على الإسلاميين وسَمَّوْا ذلك أمنا. فلما دافع المومنون عن أنفسهم قامت الضجة العالمية الكافرة تندد بالإرهاب، وتخطط لخنق الحركة الإسلامية، ويُمد بعض الكافرين بعضا بالعون الاقتصادي والسلاحي لتستمر دَولة الفسوق والعصيان والظلم قائمة موالية لأعداء الإسلام.

إحسانكِ إلى الخلق تأسيس “للبَعد” المرغوب، ومساهمة في إبطال هذا “القَبل” المكذوب المشبوب. والخلافة الثانية الموعد. والله عز وجل الموعد.

أما بعد، فإن المجتمع الإسلامي المثالي هو الذي تسوده بواعث )أشداء على الكفار رحماء بينهم ((سورة الفتح، الآية: 29). قطبُ الشدة على أعداء الدين مغناطيسية معطلة بدون قطب الرحمة. أنتِ يا أختَ الإيمان قطب الرحمة إن كان لبأس الرجال مجال. ثم تزاحمينهم هناك كما زاحمت أم عمارة بضرباتها في أحُد أبطال الإسلام.

وذلك المجتمع لا يرتجل، ولا تمطره السماء بمجرد إعلان الحكم الإسلامي. إنما يُبنَى لَبِنَةً لَبِنَةً، ويتألف عضوا عُضوا، وينشَأ جيلا أفضل من جيل. وإلى المومنات وَكَلَ رب الخلق سبحانه تربية الأجيال. فأحسنت محسنة إلى نفسها، وبنَتْ آخرتها، وخطت خطواتِ قرب من ربها بإحسان ما وُكِل إليها. ما بناء المجتمع الإسلامي خطبة قولية يكذِب بها الناس على نفوسهم وعلى الناس، بل هي خطوة عملية إثر خطوات. خطوات على أرض الحياة لا في خيال المُنى.

تعجّبَ ربنا جل وعلا من صنيع الأنصارية التي أطعمت ضيْف الدعوة، ضيْفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَشاء أطفالها، واحتالت ليشبع، وتلطفت ليهدَأ بالُه. كذلك قبل الحكم الإسلامي وبعده يلزَمُ المومنات أن يوسعن بيوتهن لاستضافة المومنين والمومنات. تنظر المومنة هل ترتيب فراشها وأناقة أثاثها أحب إليها أمْ أن يكون بيتها معقلا من معاقل الإسلام، ومهدا لإنشاء أخوة، وجنّةً من جنان ذكر الله، ومدرسة يتعلم فيها المومنون والمومنات دينهم، وموعداً لمجالس “تعالي نومن ساعة”؟

قِرَى الضيف عابر السبيل فرض، وليلته حق على كل مسلم. فإن كان الضيف ضيف دعوة فقِراه آكد، وحقه أوجب على من تَفْقَهُ في دينها.

هؤلاء التائبون والتائبات منهم غرباءُ في بيوت الآباء والأمهات. الآباء والأمهات على إسلامهم الموروث المهادِن المسالم النائم. فلا تعرف الأمهات والآباء ما تفعله البنات والأبناء من التعرض لنقمة الحاكمين. يجد الغرباء عندكِ ملجأً وموعدا ومدرسة، ويجدون في بيتك الوصية الإلاهية بالوالدين، مهما كان موقف الوالدين ما دونَ دعوتهما الذريةَ للشرك بالله. ما وصى الله الإنسان ببر أسبق من بر الوالدين، ولا طاعة أحب إليه من طاعتهما في المعروف، ولا إحسانا أمَسَّ بذمة الإنسان من الإحسان إليهما. والبِر حسن الخلق كما جاء في الحديث، فالمومنات ينتظر منهن أن يدبِّرْن باللطف واللباقة والذوق حسن العلاقة بين الوالدين والمولودين بما يُصلح الدعوة دون أن يفسد ما أمر الله به من البر، ودون أن يُقطع من صلات الرحِم والقرابة ما أمر الله به أن يوصل.

نقرأ ما جاء من ترغيب في النفقة في سبيل الله، والجهاد بالمال قبل النفس في سبيل الله. في سبيل الله إعانة الأفراد من بني الإنسان، وحتى من ذرية الحيوان. إطعام مبرور، وضيافة واجبة، وقِرىً مفروض، وزكاة للبائس والمحروم. كل ذلك بر وصدقة ونفقة. ويتحول كل ذلك جهادا ترتقي به المومنة إلى ذروة سنام الدين إن وُظفت الأموال، ورُصدت النفقة، ودبِّرت المبرات، ونظِّمت الإسعافات بفعالية العمل الجماعي، وفي مَدِّ الدعوة ونصر مسيرتها.

عبادة تُقَرِّب إلى الله من طريق المعاملة معه سبحانه في خلقه. معبَّدَة هي الطريق ممهدة من إغاثة النفس المومنة إلى حضرة قدس الجماعة الذاكرة المجاهدة، تغشى الرحمة، وتنزل الملائكة.

روى الأئمة مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من نَفَّس عن مومن كُربة من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كُرَب يوم القيامة. ومن يسر على مُعسر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستَر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة. وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن بَطَّأَ به عمله لم يُسرع به نسبه”.

تُصدقين، وترين الرحمة والسكينة بعين قلبكِ وتعملين. وإذا أنت من المحسنات.