“بعبارات موجزة ومنصفة بعيدا عن أسلوب المجاملة والمبالغة، فالطالب المذكور يتسم بأخلاق عالية، محبوب لدى الجميع، مكد ومجد ونبيه. نافس الطلبة الطلقاء بشرف وبنجاح، وذلك من وراء القضبان. طالب يتحير المرء في تصنيفه؛ من حيث الإرادة العلمية والمعرفة الموسوعية والاستماتة في التحصيل الدراسي”. (انظر النص الكامل للشهادة).

بهذه الشهادة المنصفة أدلى السيد رئيس جمعية الطلبة الباحثين في علم النفس الاجتماعي بالرباط بتارخ 30/08/2004 لدى اطلاعه على دراسة ميدانية في موضوع “الاكتئاب عند الأحداث الجانحين” أنجزها الأستاذ الباحث مصطفى حسيني أحد رموز طلبة العدل والإحسان الذي لا يزال يغالب قدر السجن بقدر طلب العلم صابرا محتسبا لله منذ ثلاثة عشر سنة ونيف.

وقد نالت دراسته المتميزة هذه تقدير وإعجاب الأساتذة، وبالموازاة مع ذلك تحسر الجميع على سلب حرية مثل هذه الطاقات الواعدة، واستبطاء إطلاق سراحها لتشارك في بناء صرح هذا الوطن في جانبيه العلمي والسيكولوجي.

ومن جملة الشهادات التي نوردها في حق زميلنا الأستاذ مصطفى حسيني شهادة للدكتور خلاف أوجدار أحد أساتذة علم النفس الاجتماعي، قال: “يجد المتمعن في حيثيات وظروف الإنجاز نفسه منشردا أمام قوة وإرادة صاحبه، الذي خبر ـ ولا يزال ـ دروب ودهاليز الاعتقال والمعتقلات في قضية سياسية حرمته من الاستقرار والتفرغ للتحصيل الدراسي حتى داخل المؤسسات السجنية المغربية… وهذا البحث الذي ظهر إلى حيز الوجود في زمن قياسي وفي حلة علمية إبداعية، وفي ظروف الاعتقال يدل ـ من ضمن ما يدل عليه ـ أن صاحبه باحث متمرس بمعنى الكلمة، استطاع أن يسبح في لجج موضوعه بنجاح…” ثم أضاف قائلا: “مجمل القول، دراسة مهمة جدا، وصاحبها يستحق التشجيع والتنويه. والعبرة المستقاة منها أن: من قلب السجون ينبع أيضا العلماء وليس فقط الثوار”. (انظر النص الكامل للكلمة التقييمية).

وهذه الدراسة العلمية التي أنجزها الأستاذ الباحث مصطفى حسيني المعتقل ظلما وعدوانا لأسباب سياسية محضة والقابع حاليا في دهاليز سجن بوركايز بفاس، مساهمة علمية أنجزت لنيل الإجازة في تخصص علم النفس بجامعة محمد الخامس بالرباط برسم الموسم الدراسي الجامعي 2003/2004، بإشراف الأستاذ الدكتور عبد الكريم بلحاج، تقع في أزيد من 250 صفحة، وهي ترنو خدمة الصالح العام، ومن شأنها الكشف عن حقيقة الوضع بسجوننا التي تحولت إلى مدرسة لتخريج المنحرفين والضحايا على مختلف المستويات العقلية والنفسية منها والجسدية ضدا على كل الشعارات التي ترفع هنا وهناك، وتوفير المعطيات والنتائج العلمية القابلة للتوظيف والاستثمار من قبل المهتمين، وفي مقدمتهم الحقوقيين.

وقد استهل الباحث دراسته بحديث رسولنا صلى الله عليه وسلم: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال” في إشارة لطيفة أن الاكتئاب قد يعتري كل الناس، ولا يملك الخلاص منه إلا المستعيذ بالله منه.

وفكرة البحث في موضوع الاكتئاب برزت للوجود لدى الباحث من خلال ملاحظاته ومعايناته المتكررة لأوضاع السجناء الذين يعانون  في معظمهم- من اضطرابات انفعالية  حسب نظر الباحث- تنعكس على سلوكهم لتشكل بذلك أعراضا مرضية من قبيل خضوعهم التام لحالة من اليأس والإحباط، وهبوط الروح المعنوية لديهم، والتبرم بأوضاع الحياة؛ إلى حد قد يصل الانتحار.

وقد لاحظ الباحث أن الحدث الجانح؛ بحكم صعوبة مرحلة المراهقة التي يمر بها؛ فهو أكثر عرضة للاكتئاب، بما هو جملة من الاضطرابات النفسية مصحوبة بأعراض جسمية.

وقد أشار الباحث إلى أن موضوع الدراسة “الاكتئاب عند الأحداث الجانحين” يتسم بالجدة؛ بحيث أنه لم تنجز فيه أي دراسة مماثلة، سواء على المستوى العربي أو الوطني. ولا شك أنه إن عُدمت الدراسات المنجزة حول الاكتئاب عند الأحداث الجانحين، فالدراسة تشكل حقا إثراء مهما للبحث العملي السيكولوجي، خاصة وأن الباحث هو واحد من خبر عالم السجون، وهو ابن بيئته وأفضل لسان ناطق بحاله.

وكأي باحث يتوق إلى الكمال، لم تسلم مسيرة البحث من عوائق شتى، كان أهمها الحصار الذي كانت تضربه إدارة السجن على زواره من الأساتذة والطلبة الباحثين وطغيان الهاجس الأمني على إدارة السجن، وعدم الاعتياد على البحوث العلمية داخل السجون. وقد سببت له هذه العوائق متاعب جمة حاول أن يتغلب على بعضها بالتفهم والصبر والتحمل أحيانا، وبالتنازل عن أداء بعض المباحث التي كانت ستفيد هذه الدراسة بشكل جيد في أحيان أخرى.

مشكلة البحث وفرضياته أ / مشكلة البحث:

يمر الحدث بفترة متميزة من عمره، فهو يعيش مرحلة انتقالية حيث لم يعد طفلا، ولم يصبح بعد راشدا مما يجعله مجهول الهوية، وبالتالي يتخبط في صراعات حادة هدفها التعرف على الذات ونيل استقلال أكبر على مستوى نفسه أو العلاقة مع الآخر، وهو ما يستوجب رعاية وتوجيه خاصين، وإذا كان هذا الحدث، وهو حر، في أمس الحاجة للعناية، فإن الحدث الجانح، تتطلب ظروفه ووضعيته المتسمة بالحرمان من الحرية اهتماما مضاعفا كفيلا بالحفاظ على سلامته وصحته النفسية من خلال الاستجابة لحاجياته المادية والنفسية وتحقيق تكيف أفضل له مع ذاته وبيئته الجديدة.

وقد لاحظ الباحث من خلال تتبعه لأوضاع وسلوكات االسجناء بشكل عام والأحداث منهم بشكل خاص أن جلهم يتخبطون في اضطرابات سلوكية بسبب الضغوطات التي تنجم عن بيئة السجن مما يؤدي بهم إلى استجابات انفعالية حادة ومستمرة تنتهي بهم في الغالب إلى الوقوع فريسة سهلة للأمراض النفسية المختلفة.

وبناء على ذلك لخص الباحث إشكالية البحث في جملة من الأسئلة:

هل يعم مرض الاكتئاب فئات واسعة من النزلاء الذكور والإناث الأحداث ؟ وما هي تمظهرات أعراضه لدى السجناء والسجينات؟.

ما هي العوامل التي تؤثث للاضطرابات الاكتئابية؟ وما هي الظروف التي تنشأ فيها؟

ب / فرضيات البحث:

طرح الباحث جملة من الفرضيات للإجابة عن هذه الأسئلة، وقد حاول التحقق من مدى صحتها من خلال إجراءات البحث الميداني:

الفرضية الأولى: إن مرض الاكتئاب يعرف انتشارا واسعا في صفوف الأحداث النزلاء والنزيلات بدرجات متفاوتة، وأعراض مختلفة.

الفرضية الثانية: إن الاضطرابات الاكتئابية تؤطرها عدة عوامل بعضها يتعلق بالعقوبة والسجن، وبعضها يمتد إلى ما قبل الاعتقال ومرحلة الطفولة، ومن هذه العوامل الفراغ وتعاطي المخدرات ومدة العقوبة المقضية داخل السجن والتعرض للعنف والحرمان في فترة الطفولة المبكرة وفقدان الوالدين أوأحدهما.

أهمية البحث وأهدافه أ / أهمية البحث:

تكمن أهمية هذه الدراسة الميدانية في:

أولا: في طبيعة المشكلة التي يتناولها البحث والتي تتعلق بفئة الأحداث التي أولاها القانون والدراسات النفسية أهمية بالغة، فأعمار هؤلاء الأحداث توافق مرحلة حساسة تعد من أهم مراحل نمو الفرد حيث تتسم بحدة الانفعالات بسبب النمو والتغيرات التي تطرأ على جسم المراهق وما يخلفه ذلك من توتر واستثارة انفعالية واستعداد للإصابة بمختلف الاضطرابات النفسية التي قد تجد في الضغوط المتولدة عن السجن والعقوبة أرضا خصبة للانتشار.

ثانيا: في البعد الإنساني للموضوع الذي يثيره البحث، ذلك أن هذه الفئة من المراهقين تعيش داخل السجن في أوضاع تفتقر إلى سياسة تربوية إصلاحية، وظروف مادية أساسية تتلاءم مع حاجيات هذه المرحلة من النمو ويتحقق بها التوافق الذاتي والاجتماعي، ولهذا فإن الاهتمام بواقع هؤلاء، وإعداد برامج لتربيتهم ورعايتهم، ومراعاة احتياجاتهم النفسية والمادية يعد مطلبا إنسانيا ضروريا لتحقيق الهدف المنشود من الاعتقال ألا وهو الأخذ بيد الحدث بهدف وقايته من الوقوع في الاضطرابات النفسية ومزيد من الانحرافات الاجتماعية والسلوكية، وكذا إعادة تربيته لإدماجه في الحياة من جديد سويا سليما.

ثالثا: تبرز أهمية هذه الدراسة فيما توفره من معطيات ونتائج قابلة للتوظيف والاستثمار من طرف المكلفين بشؤون هذه الفئة بالشكل الذي يخدم تأمين الصحة النفسية لهؤلاء وتنميتها والوقاية من كل ما يضر بها.

ب ـ أهداف البحث:

يسعى البحث إلى تحقيق جملة من الأهداف منها ما هو مباشر ومنها ما هو غير مباشر:

أهداف مباشرة:

1 ـ الكشف عن واقع الصحة النفسية بالمؤسسة السجنية، وذلك من خلال التحقق من مدى انتشار إحدى الاضطرابات النفسية الخطيرة ألا وهي الاضطرابات الاكتئابية.

2 ـ تبيان كيفية تمظهر أعراض الاضطرابات الاكتئابية لدى المفحوصين من الجنسين.

3 ـ محاولة الكشف عن العوامل التي تؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب، سواء تعلق الأمر بالعوامل المهيئة للمرض والتي قد تمتد إلى فترة الطفولة أو ما قبل الاعتقال، أو العوامل المثيرة المرتبطة ببيئة السجن.

أهداف غير مباشرة:

تتمثل في إمكانية استفادة الجهات المعنية بالسجون، بدءا من مديرية إدارة السجون وإعادة الإدماج وصولا إلى مؤسسات المجتمع المدني التربوية والاجتماعية منها بالخصوص.

حدود البحث: تتمثل حدود البحث في الجوانب الآتية:

1 ـ في العينة التي تجرى عليها الدراسة، فهي لا تمثل إلا مجتمعا ينضبط لمجموعة من الخصائص:

ـ السن: تتراوح أعمار الفئة التي ينتمي إليها أفراد العينة ما بين ستة عشر سنة وعشرين سنة، وهي فترة عمرية توافق مرحلة المراهقة المتأخرة التي تعتبر مرحلة مهمة من حياة الفرد.

ـ المكان وحجم العينة: أجريت الدراسة على جميع الأحداث النزلاء،البالغ عددهم مائة وخمسة عشر(115) فردا، المقيمين بالسجن المحلي بوركايز بفاس، وشملت أيضا جميع الأحداث النزيلات، البالغ عددهن ثمانية(8)، المقيمات بالسجن المحلي عين قادوس بفاس، ولذلك لا يمكن تعميم نتائج هذا البحث على مستوى جميع السجون المغربية.

– الزمان: ينحصر زمن هذه الدراسة ما بين دجنبر 2003 وأواخر مارس 2004

2 ـ في الموضوع الذي يتناوله البحث، وهو الاضطرابات الاكتئابية لدى النزلاء والنزيلات الأحداث.

3 ـ في الأدوات المستخدمة في جمع المعطيات، وهي اختبار بيك، واستمارة المقابلة الموجهة، والملاحظة، ودراسة الحالة.

خطة البحث: ولخدمة أهداف البحث وأغراضه رسم له خطة تتكون: من مدخل عام وأربعة فصول وخاتمة:

فالمدخل العام إلى البحث استهله بمقدمة، وعرض فيه مشكلة البحث وفرضياته، وأهميته وأهدافه وحدوده.

وأما الفصل الأول: فهو عبارة عن دراسة نظرية تناول فيه المتغيرات الأساسية للبحث، وتندرج تحته ستة مباحث: الأول ألقى فيه نظرة عامة عن الأمراض النفسية باعتبار الاكتئاب أحدها. والثاني تطرق فيه لماهية الاكتئاب وأنواعه وأعراضه، ثم أتبعه بمبحث ثالث أشار فيه إلى النظريات الكبرى في علم النفس التي اهتمت بالاكتئاب على مستوى التشخيص والعلاج، ثم مبحث رابع تعرض فيه لفترة المراهقة التي يعيش فيها الحدث الجانح، ثم عرف في مبحث سادس بالجريمة والعقوبة السجنية لكون الحدث الجانح قد زج به في السجن بسبب الجريمة المرتكبة والتي قوبلت بعقوبة سالبة للحرية. وختم هذا الفصل بالإشارة إلى عدم وجود دراسة سابقة ذات صلة بالموضوع بشكل مباشر.

وأما الفصل الثاني: فقد خصصه للدراسة التطبيقية عنونه بالإطار المنهجي للبحث، تحدث فيه عن أدوات البحث التي استخدمها والمتمثلة في اختبار بيك للاكتئاب واستمارة المقابلة الموجهة والملاحظة ودراسة الحالة، وكذا عينة الدراسة بمواصفاتها وضوابطها.

وأما الفصل الثالث: فقد عرض فيه النتائج وتتبعها بالدراسة والتحليل، وذلك من خلال مبحثين وخلاصات، المبحث الأول يعرف بالنتائج المتعلقة بالفرضية الأولى، أي بمدى انتشار مرض الاكتئاب في صفوف السجناء ودرجته، ثم بماهية أعراض هذا المرض. والمبحث الثاني حاول من خلاله الوقوف على العوامل المنشئة للاضطرابات الاكتئابية اعتمادا على الاستنتاجات المستخلصة من دراسة حالة عشرة أحداث من الذكور والإناث، وبناء على المعطيات العامة التي تتعلق بكل أفراد مجتمع البحث.

وأما الفصل الرابع وهو الأخير فتناول فيه نتائج البحث وتوصياته. وذيل الموضوع بخاتمة رصد فيه أهم النتائج التي انتهى إلها بحثه،

نتائج البحث وتوصياته 1- نتائج البحث

أكدت المعالجة الإحصائية لمعطيات الدراسة الميدانية على النتائج التالية:

أولا: نسبة شيوع مرض الاكتئاب لدى الذكور والإناث مع رصد درجاته وأعراضه

أ / نسبة انتشار مرض الاكتئاب

ـ ينتشر مرض الاكتئاب في صفوف النزلاء والنزيلات الأحداث بشكل واسع حيث بلغت نسبة المصابين به 99.18 %.

ـ ينتشر مرض الاكتئاب في صفوف الإناث بنسبة 100 %، بينما بلغت نسبته في صفوف الذكور99.13 %.

ب ـ درجة وحدة الاكتئاب

ـ تبين من النتائج المتوصل إليها أن المفحوصين أصيبوا بالاكتئاب بدرجات متفاوتة تتراوح ما بين اكتئاب بسيط واكتئاب بالغ الشدة، وذلك على الشكل الآتي:

ـ الاكتئاب البسيط أصيب به 18.69% من المفحوصين، بلغت نسبته في صفوف الإناث 25%، بينما بلغت في صفوف الذكور 18.26 %

ـ الاكتئاب المتوسط أصيب به 42.27% من المفحوصين، نسبته في صفوف الإناث هي 37.5 %، بينما بلغت في صفوف الذكور42.60 %

ـ الاكتئاب الشديد يعاني منه 32.25% من المفحوصين، وقد بلغت نسبته في صفوف الإناث 37.5%، بينما بلغت في صفوف الذكور32.17%

ـ الاكتئاب البالغ الشدة يعاني منه سبعة مفحوصين وكلهم ذكور بنسبة 5.69 %

ج ـ تمظهرات أعراض الاكتئاب

ـ كشفت نتائج الدراسة أن المفحوصين يتمظهرون بجل أعراض الاكتئاب الواردة في مقياس بيك.

ـ يأتي في مقدمة الأعراض التي يشكو منها أغلب المفحوصين ( أزيد من 80%) من الذكور والإناث الإحساس بحزن عميق والشعور بالندم وعدم الرضا والدونية.

ـ يختلف ترتيب الأعراض التي يتمظهر بها الذكور بحسب حدتها عن تلك التي تتمظهر بها الإناث، فبينما تأتي أعراض الحزن ثم البكاء ثم السخط وعدم الرضا ثم توقع العقاب والإحساس بالذنب وإدانة الذات في طليعة الأعراض التي يعاني منها الذكور نجد أن التشاؤم من المستقبل والإحساس بالفشل وإدانة الذات ثم الإحساس بالذنب ثم توقع العقاب يأتي في مقدمة الأعراض التي تئن تحت وطأتها الإناث.

ثانيا: كشفت نتائج هذا البحث انطلاقا من تاريخ الحالة والمعطيات المحصل عليها عن طريق استمارة المقابلة الموجهة والملاحظة أن عوامل متعددة قد تساهم في نشوء الاضطرابات الاكتئابية، وفيما يلي أهم هذه العوامل التي تم رصدها والتحقق من صحة فرضية وجود علاقة بينها وبين الإصابة بمرض الاكتئاب:

ـ الفراغ القاتل الذي يتخبط فيه الأحداث الجانحون يؤدي بهم إلى السخط وعدم الرضا واليأس والملل والسأم، وغيرها من الأعراض الاكتئابية.

ـ تعاطي المخدرات له علاقة وطيدة بالانهيار النفسي والفشل في تحمل الضغوطات وحدة المزاج والاضطرابات الاكتئابية وضعف القدرة على التواؤم والتكيف الاجتماعي.

ـ مدة العقوبة التي يقضيها الحدث وراء القضبان لها علاقة بالإصابة بالاكتئاب وبدرجاته

ـ الخبرات المؤلمة في الطفولة المتمثلة في التعرض للعنف والحرمان وعدم الاستجابة للرغبات وفقدان الوالدين أو أحدهما تساهم في الإصابة بالاضطرابات الاكتئابية التي يتخبط فيها الأحداث الجانحون، وهذه النتيجة تؤكد ما ذهب إليه مونوز من خلال بحوثه التي انتهت به إلى أن فقدان الأبوين مبكرا يعد من المخاطر والعلامات المنشئة للاكتئاب، وقد بين براون من خلال دراسته للخبرات المبكرة لمجموعة من المرضى المكتئبين نتيجة مماثلة، أي أنهم تعرضوا بدرجة عالية للحرمان المبكر من الوالدين، ونفس النتيجة خلص إليها بيك. فالطفل الذي ينشأ في جو عائلي متفكك يخيم عليه التوتر والعنف والحرمان هو “مشروع مريض نفسي”.

توصيات البحث وإلى جانب هذه النتائج أدلى الباحث بمجموعة من التوصيلت التي توقع أن الأخذ بها من قد يساهم في تحسين مستوى الصحة النفسية للحدث بشكل عام وللحدث الجانح بشكل خاص، وهذه التوصيات منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص يتعلق بمجتمع البحث، وفيما يلي أهمها بإيجاز:

أولا: توصيات عملية عامة

1 ـ إن التنشئة الاجتماعية في الأسرة القائمة على اتجاهات والدية سالبة مثل التسلط والقسوة والإهمال أو التدليل والرعاية الزائدة (46.34 % من المفحوصين المكتئبين تعرضوا لمثل هذه الأخطاء في طفولتهم) هي تنشئة خاطئة تورث شخصية غير سوية محفوفة بأزمات واضطرابات نفسية قد تلازم الطفل مدى الحياة.

لذا سيكون مفيدا القيام بعمليات تحسيسية مستمرة لتبصير الوالدين وأولياء الطفل والمحيطين به بشروط التربية السوية.

2 ـ إن غياب الوالدين أو أحدهما (39.03% من المكتئبين فقدوا الوالدين أو كلاهما) يحرم الأطفال من رعاية كاملة في فترة هم أحوج ما يكونون إلى هذه الرعاية، فالأسرة المفككة هي محضن مناسب لتخريج أحداث جانحين ومضطربين نفسيا وعقليا، لذا فإنه من الأهمية بمكان سن تشريعات وقوانين تؤمن سلامتهم الجسدية والنفسية في مثل هذه الظروف، كما أن المجتمع في حاجة إلى مؤسسات فعالة تساهم في الحد من ظاهرة التفكك الأسري أو التقليل من آثاره السلبية.

3 ـ مؤسسات المجتمع المدني التربوية والاجتماعية والحقوقية لها مسؤولية كبيرة ودور فعال في تأمين الصحة النفسية للأحداث الجانحين من خلال المساهمة في مجال الرعاية اللاحقة باحتضان المفرج عنهم ومساعدتهم على تجاوز المخلفات النفسية للسجن وإدماجهم تدريجيا في المجتمع والحد من السلوكات العدوانية (بلغت نسبة الجانحين العود 30.89%)، فقد تبين من خلال البحث أن نسبة مهمة من المفرج عنهم يلتحقون بزملائهم المشردين في الشوارع أو بالعصابات التي يتعرف عنها حديثا داخل السجن.

4 ـ فتح أبواب السجون في وجه البحوث والدراسات العلمية المتعلقة بالصحة النفسية وتشجيعها وتوظيف نتائجها واستثمارها، والاستفادة من جهود الندوات والمؤتمرات الدولية المبذولة في هذا الإطار.

5 ـ الفحص الطبي النفساني الاجتماعي للمعتقلين الوافدين على السجون أقرت به مديرية إدارة السجون منذ 1976 ، إلا أنه ظل موقوف التنفيذ لأمد طويل، لذا فتفعيل هذه الوظيفة بعد تعزيز المؤسسات السجنية بالعدد الكافي من المؤطرين والخبراء والمختصين المؤهلين لهذه المهمة لمن شأنه الكشف عن الأمراض النفسية المصاب بها الأحداث الجانحين، والمساعدة على تصنيفهم وتحديد طبيعة العناية اللازمة لكل فئة والمعاملة الملائمة والتصرف إزاء الحدث على نحو سليم يأخذ احتياجاته ووضعه النفسي بعين الاعتبار مما قد يساهم في التخفيف من حدة الكآبة والتوتر السائدين.

6 ـ إنشاء سجون أو مراكز إصلاحية مفتوحة أو شبه مفتوحة للأحداث الجانحين وبالأخص للجانحات مع الإبقاء على بعض المراكز التقليدية المغلقة للمنحرفين الخطيرين أو المحكوم عليهم بعقوبات طويلة الأمد كما هو الشأن في كثير من دول العالم.

7 ـ العقوبة السالبة للحرية القصيرة الأمد الصادرة في حق الأحداث الجانحين المبتدئين يستحسن أن تكون موقوفة التنفيذ لتجنيبهم دخول السجن قدر الإمكان وإتاحة الفرصة لهم بأخذ العبرة والتوبة والعودة إلى السواء بتلقائية.

8 ـ تفعيل المراقبة الدورية من طرف الجهات المسؤولة ومؤسسات المجتمع المدني مع إنشاء صندوق بريد داخل حي الأحداث تابع مباشرة لقاضي تنفيذ العقوبة والجمعيات الحقوقية لتقدير حقيقة الوضع المعاش من خلال دراسة الشكاوي والوشايات، وهو ما قد يخفف من حدة الإحساس بالظلم الذي ينجم عنه في أحيان كثيرة الهروب إلى عالم المخدرات أو توجيه العقاب نحو الذات والإحساس بالدونية.

9 ـ الانتشار المهول للحشيش في صفوف الأحداث الجانحين بنسبة 64.23 % ( الذكور بنسبة 67.83 % والإناث بنسبة 12.5% ) هو امتداد لانتشاره في المجتمع حيث يعد المغرب حسب المرصد الدولي الشامل للمخدرات في طليعة الدول المنتجة للحشيش والمصدرة له، وإذا كانت الآثار السلبية لتعاطيه في المجتمع خطيرة، فإن عواقب تواجده بالسجن أفظع وأخطر حيث يسبب الإحباط النفسي وقد يعيق أية عملية تهذيبية منشودة، وللحد من هذه الظاهرة ينبغي بالإضافة إلى اتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة إصلاح الأوضاع المادية المزرية للموظفين وملء الفراغ والتكثيف من الأنشطة الهادفة والتوعية المستمرة في صفوف النزلاء والموظفين على حد سواء للتنبيه على مخاطر المخدرات وتعاطيها.

10 ـ الوضع المادي للموظفين والموظفات بالمؤسسات السجنية جد مزري، حيث أوكل إليهم أداء مهمات جسيمة مقابل أجور هزيلة والعمل في ظروف صعبة، لذا فإنه من المهم لإنجاح عملية التأطير ومراعاة الموظفين للظروف النفسية للنزلاء والأخذ بيدهم معالجة الاضطرابات النفسية التي تتخبط فيها هذه الشريحة من الموظفين عن طريق الرفع من مستواهم التكويني والمادي، وتأطيرهم تأطيرا يتلقون فيه الحد الأدنى من الثقافة النفسية والتربوية مع الاستعانة بطاقم من النفسانيين والمختصين يعملون إلى جانبهم يقترحون عليهم أفضل الطرق وأنجع السبل الإصلاحية.

11 ـ منع التعامل مع الحدث الجانح كإنسان من الدرجة الثانية أخذا بمبدأ السجن تهذيب لا تعذيب، فالحدث الجانح هو إنسان مراهق يمر بظروف صعبة تحوجه إلى مساندة عاطفية وتشجيع وإعادة الثقة في النفس وزرع روح الأمل والتفاؤل في نفسه واستبصاره بحالته وتقديره لنفسه تقديرا أكثر واقعية.

ثانيا: توصيات عملية خاصة

تبين للباحث بناء على مجموعة من النتائج أن جل الأحداث الجانحين، ذكورا وإناثا، يقضون وقتهم في فراغ قاتل (بنسبة 95.56 %)، نجم عنه الإحساس بالملل والسأم (86.99 % من المفحوصين يعانون من هذا العرض).

لذا فهو يرى أنه من شأن تفعيل المادة 147 من القانون المنظم للسجون ملء هذا الفراغ بما يخدم تهذيب السلوك والصحة النفسية معا، وقد فصل ذلك إجرائيا كالآتي:

1 ـ تهييء فرص التكوين والتعليم والتنشيط والترفيه للأحداث النزيلات بالسجن المحلي بعين قادوس اللاتي لا يزاولن أي نشاط تربوي تكويني أو ترفيهي، مما يجعلهن في وضع لا يحسدن عليه عرضة للإحساس بالضياع والفراغ، وللأحداث الذكور بسجن بوركايز الذين لا يستفيدون بدورهم بأي نشاط باستثناء 3 نزلاء مسجلين في ورش النجارة المفتقر للأدوات والتجهيزات اللازمة حسب قول المفحوصين وبعض المسؤولين المحليين، أما عملية محو الأمية فرغم وجود قسم بكلا السجنين فإنها متعثرة بسبب انعدام التشجيع المطلوب، ورفض النزلاء للحضور وعدم تجاوبهم كنتيجة طبيعية لليأس والملل، ولهذا يستحسن في نظر الباحث:

ـ إنشاء مكتب للعمل الاجتماعي خاص بالأحداث الجانحين، يتكون من أطر مؤهلة تتفرغ للإشراف على التنشيط والتأطير والتكوين.

ـ تعزيز حي الأحداث بمرافق وتجهيزات ضرورية من قبيل قاعات للأكل والدراسة والأنشطة التربوية، وتجهيزات سمعية وبصرية. وإيجاد أقسام للتعليم الابتدائي ومكتبة غنية بالكتب المناسبة للحاجيات المعرفية للأحداث.

ـ خلق أوراش متنوعة تؤهل الجانحين للاندماج في الحياة المهنية بعد الإفراج عنهم، وتزيح عنهم حالة التشاؤم والخوف من المستقبل (بلغت نسبة هذا العرض 82.93%) مثل أوراش الخياطة والزرابي والخزف والرقانة والحلاقة والكهرباء وغيرها من الحرف والأشغال اليدوية، وعرض إنتاجاتهم في معارض يشاهدها الزوار وهو ما يبعث فيهم الاعتزاز بالنفس والإحساس بالقيمة، بالإضافة إلى أداء أعمال مهنية مقابل أجور خاصة مثل ما يجري في العديد من دول العالم.

ـ إعادة النظر في شروط الاستفادة من محو الأمية وورش النجارة الوحيد بالمؤسسة حيث يشترط للاستفادة من التكوين ألا تقل مدة العقوبة المحكوم بها على الحدث سنة كاملة، وهو ما يقصي فئة كبيرة من هذا التكوين.

2 ـ تشجيع الأنشطة الرياضية:

لا يتوفر الأحداث الذكور، كما الإناث، على فضاء خاص بهم لممارسة التمارين الرياضية، لذا يستحسن توظيف الساحة،الفارغة، المجاورة لحي الأحداث بضمها إليه وتخصيصها لمختلف الأنشطة طيلة أيام الأسبوع مع إيجاد بعض الألعاب المسلية ككرة الطاولة والسلة والقدم وغير ذلك.

3 ـ تشجيع متابعة الدراسة:

تفعيل القاعدة 77 من القواعد النموذ جية الدنيا لمعاملة السجناء التي صادق عليها المغرب والتي تنص على إلزامية تعليم الأميين والأحداث المعتقلين، ذلك أن التلاميذ ذوي المستوى الابتدائي والثانوي يمثل نسبة مهمة بلغت 25.21%، ولم يتابع منهم أحد تعليمه، لذا يستحسن تتشجيعهم على استئناف الدراسة الشيء الذي سيفتح لهم باب الأمل والإحساس بالذات وإعادة الثقة في النفس.

4 ـ التدين والصحة النفسية:

المفحوصون الذين يزاولون مشاعرهم الدينية لا يتجاوز عددهم 9 أفراد بنسبة 7.32 %، ومتوسط درجات اكتئابهم بلغ 14.07 درجة أي أنهم يعانون من اكتئاب بسيط،وهو ما يؤشر على أهمية التدين في التخفيف من حدة الاضطرابات النفسية، فالعودة بالمريض إلى الله عن طريق التوجيه الديني اللبق المبسط وتعليم المريض الاستغفار والتوبة والصلة بالله عن طريق الصلاة والدعاء… يساعده على الخلاص من كربته وحزنه العميق، ويخفف من مشاعر الإثم والخطيئة التي تحدق به من كل جانب، وتسيطر عليه في اكتئاب متواصل فيجد في طريق الإيمان والتوبة والاستغفار مخرجا ينفذ منه إلى الخلاص بدلا من مخارج الانسحاب والانتحار، ويستحسن لتحقيق هذا الغرض

ـ بناء مسجد يخصص للصلاة وقراءة القرآن وحفظه وللوعظ والإرشاد وغيرها من الأنشطة التربوية.

5 ـ الاعتناء بالجانحات عناية خاصة:

وجود المرأة بشكل عام، والفتاة المراهقة بشكل خاص وراء القضبان مأساة حقيقية، يقتضي إيلاءه عناية خاصة، وفي هذا الإطار سيكون من المفيد:

أ ـ فصل الجانحات الأحدات عن الراشدات في مكان أو غرفة خاصة بهن، وتمكينهن من بعض الامتيازات من قبيل السماح لذويهن بزيارتهن أكثر من مرة في الأسبوع، والاستفادة من الفسحة أكبر وقت ممكن بما فيه الفترة الزوالية، وتمكينهن من التواصل مع ذويهن عبر الهاتف مرتين في الأسبوع أو أكثر إذا اقتضت الظروف النفسية للجانحة ذلك، والترخيص لذوات العقوبة الطويلة بحضور بعض المناسبات العائلية أو الدينية مع ذويهن متى توفرت بعض الشروط والضوابط.

ب ـ إحياء ورش صناعة الزرابي الذي تعطل منذ سنة 2002، وإضافة أوراش أخرى تؤهل الجانحة للاندماج في الحياة المهنية وتفتح في وجهها باب الأمل والتفاؤل بالمستقبل، خاصة وأن المرأة المعتقلة هي، حسب قول المفحوصات، امرأة منبوذة من المجتمع.

ج ـ تحسين ظروفهن المعيشية ومراعاة الطقس البارد الذي يطبع مدينة فاس في فصل الشتاء، حيث أكدت بعض المفحوصات أن العديد من النزيلات يفتقرن إلى أفرشة وأغطية كافية وأسرة تحميهن من البرد القارس الذي ينجم عنه حالة من التوتر والاضطراب.

وفي الختام فهذه الدراسة رغم قيمتها العلمية، فهي لا تقل أهمية عن مجموعة من الإنجازات العلمية التي تحفل بها المسيرة العلمية لزميلنا الباحث مصطفى حسيني في مجالي علم الاجتماع والقانون. هذا فضلا على أنه بصدد إعداد أطروحة الدكتوراه في وحدة الاجتهاد والتطورات المعاصرة بجامعة محمد الخامس بالرباط.

فلا يسعني إلا أن أنوه بأخينا الفاضل على تحديه للصعاب، وأحيي كل رفقاء المحنة الذين صمدوا ولا يزالون، جلهم حاز على شواهد عليا ومنها درجة الدكتوراه. وأن أدين العقلية العتيقة التي تصادر الحرية لأسباب سياسية محضة ولحسابات ضيقة ولو كانت على حساب الوطن والمصلحة العامة.

فالكلمة الحرة والإرادة والمبادئ وكل معاني العدل والإحسان لا يحد من قوتها وإشعاعها واستمرارها القضبان، أما الظلم والاستبداد فمهما طال الزمن فنهايته الانكسار والأفول.

“ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين”.

إعداد: المعتقل السياسي الباحث يحيى العبدلاوي ـ سجن بوركايز بفاس ـ