لم يكن مستغربا قط, الضجة الإعلامية والسياسية التي أثارتها تصريحات الأستاذة ندية ياسين الأخيرة حول الملكية, وذلك بالنظر إلى عاملين هامين هما:

أولا: الفراغ السياسي واﻹعلامي الهائل الذي يشهده المغرب في “عهده الجديد”، رغم العديد من “الديكورات” الحقوقية الجزئية, والكثير من “الفلكلور” السياسي المهترئ, وذلك أمام تمخزن المشهد السياسي واﻹعلامي تحت مسميات شتى, من قبيل التوافق الوطني, والحفاظ على المقدسات والثوابت الوطنية… وغيرها.

حتى غدت هذه الشعارات أصناما سياسية تعبد من دون الله, بل ويجرم كل من سولت له نفسه أن يغني بعيدا عن سرب “فضلاء المخزن” المهرولين إلى تقبيل الأعتاب الشريفة, والبحث عن موطئ قدم تحت شمس النظام.

غير أن القليل من الفضلاء الديمقراطيين شذوا عن هذا السباق المحموم, وتعالت أصواتهم النزيهة بضرورة الحفاظ على الحق في التعبير وحماية الحريات الفردية والجماعية التي يكفلها القانون, ويحفظها الحق الطبيعي للإنسان، بعيدا عن المقدسات المصطنعة التي تهتز لأدنى ارتداد. وهذا من باب الاعتراف لذوي الفضل بمروءتهم.

ثانيا: غياب الرؤى التغييرية الحقيقية لدى القوم, التي ترتكز على مشروع مجتمعي متكامل الجوانب يتحاكمون إليه, وتصدر عنه مواقفهم السياسية والفكرية، الشيء الذي يجعلهم يغيرون جلدهم بين الفينة والأخرى حسب المستجدات والأوضاع القائمة.

بعد هذه المقدمة الضرورية, فمما لا شك فيه أن المتتبع لأغلب ردود الفعل التى أنتجتها الساحة السياسية واﻹعلامية عقب التصريحات المشار إليها يجدها تتراوح بين اتجاهين اثنين هما:

– اتجاه يحكمه قطب سياسي وإعلامي متحامل, رَكن إلى المخزن منذ زمن, وقد بادر إلى شن حملة إعلامية شرسة ضد كل القيم اﻹنسانية النبيلة, حتى غدت “الحرية” التي يزعمون أن المغرب يرفل في ظلالها, هي السبب الذي أنتج مثل هذه “النتوءات الفكرية” والمواقف السياسية, وبالتالي الدعوة إلى مصادرتها وتقنينها.

حيث دعا البعض صراحة إلى قطف رؤوس المخالفين التي أينعت حسب زعمهم، والزج من خلال ذلك بالمغرب في عهود “حجاجية” لم يشهد لها تاريخه مثيلا، كل ذلك بعيدا عن السجال العلمي الهادئ والتناظر الفكري الذي يستند إلى الأدلة, ويقارع الحجة بالحجة.

وإننا لسنا ضد هؤلاء القوم في حقهم في الرد على ما عبرت عنه الأستاذة ندية من آراء, ولا في أن يدافعوا عما يظهر لهم أنه الصواب في نظرهم، ماداموا ملتزمين بآداب الحوار وأخلاقيات الاختلاف. حتى لا ننقم على الآخرين ما ندعيه حقا للجميع.

لكن أن تغدو ردودهم عبارة عن تأليب للنظام المخزني, ودعوات مكشوفة إلى محاكمة الرأي, وحصار حرية التعبير وتكميم الأفواه, فهذا ما لا يقبل به منصف.

– واتجاه يضم أطيافا سياسية وإعلامية مختلفة, انصبت آراء أصحابها على مناقشة أفكار وتصريحات الأستاذة ندية بعيدا عن المهاترات الكلامية والمزايدات اللفظية, رغم ما شاب مناقشاتهم من المغالطات الفكرية وقصور بيّن في التحليل السياسي والتاريخي والشرعي.

وإلى هؤلاء نتوجه بهذا النقد العلمي المركز, واضعين الأصبع على أهم القضايا التي كانت مثار نقاش ومحل نقد من قبل هؤلاء الناس.

1- دعوى سقوط صفة الأكاديمية عن تصريحات السيدة نادية, وهي دعوى عارية عن القرائن, إذ معلوم لدى العامة قبل الخاصة, أن الاستجوابات الصحافية محكومة بجملة من الشروط المهنية والزمانية… الشيء الذي لا يتيح لصاحبها بأن يعبر عن آرائه بإسهاب مستعرضا الأدلة المختلفة التي تعزز موقفه الأكاديمي, وإنما غالبا ما تكون عبارة عن عرض مركز للآراء والاقتناعات التي قد تكون مبنية على بحوث أكاديمية معمقة في مظانها.

2- دعوى عدم أفضلية النظام الجمهوري على النظام الملكي, والتي يتذرع أصحابها بكون العبرة بمضمون النظام الحاكم لا بشكله, مقارنين  من أجل بيان ذلك- بين أنظمة ملكية عريقة في الديموقراطية, كبعض الملكيات الأوربية, وبين جمهوريات ديكتاتورية متعفنة تعاني منها أغلب الدول العربية.

والحق أن هذه كلمة حق, تخلق الكثير من التشويش المنهجي على القارئ الذي ينشد الحقيقة, وهذا ما يريده أصحاب هذا الزعم, رغم أنهم يعلمون أنهم يقعون بذلك في أخطاء علمية قاتلة, وذلك من جانبين:

فمن جانب أول, فإن الذي يحكم به العقل والمنطق والواقع هو أن الأستاذة ندية لم تكن لتستبدل ملكا فرديا مطلقا, بحكم “جمهوري” أشد منه فردية وديكتاتورية, وإلا كانت كالمستجير من الرمضاء بالنار.

ومن جانب ثاني فإن أصحابنا لجؤوا إلى قراءة التصريحات المذكورة وتحليلها بعيدا عن سياقها الأكاديمي, الذي يستلزم أن الخلاصات التي توصلت إليها الأستاذة نادية كانت مبنية على أبحاث نظرية وميدانية متعلقة بنظام محدد، يمتح من تصور معيّن، ويمتلك طرقا محددة لتدبير الشأن العام, فلم الخلط إذن؟

أما إشارة البعض إلى كون الإسلام لم يحدد نظام حكم معين, ولم يناد بشيء اسمه “الجمهورية”, وإنما اكتفى بتحديد جملة من المبادئ والكليات كالعدل والشورى والمساواة… وغيرها. وبالتالي فلا امتياز لنظام على آخر إلا بما يتحقق فيه من هذه القيم الربانية السمحة. فهذا كلام ظاهر في كونه حجة عليهم, قبل أن يكون حجة لهم, بحيث إذا كانت العبرة بالمضمون, فلم التمسك بنظام بعينه إذا؟ إضافة إلى كونه قد ثبت قطعا, بالحجج التاريخية والواقعية, خلوه من تلك المبادئ.

ثم إن مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر إلا عن شخص قليل الدراية بالتراث النبوي, أو مغالط كبير يخلط الحقائق ويبرر الواقع لحاجة في نفسه. إذ لا يجهل أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستخلف بعده أحدا, بل ترك الأمر شورى بين المسلمين, مع أن الأنظمة الوراثية كانت سائدة معروفة في زمانه. كما أن الخلفاء الراشدين ساروا على هديه, وحتى الذي استخلف منهم لم يورث أمر المسلمين أحدا من أبنائه أو حفدته. وأول من أحدث البيعة لابنه هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه, الذي حمل الناس على البيعة لابنه يزيد, و قد لاقى معارضة شديدة من طرف كبار الصحابة الذين لم يبايعوا إلا تحت تهديد السيف. وإياك أن تدعي بأن رفضهم المبايعة ليزيد إنما كان بسبب ما شاع عنه من الفسق ومعاقرة الخمور، بل الواضح من كلامهم – كما هو ثابت في المصادر التاريخية  أنهم عابوا على معاوية كونه أحال أمر المسلمين كسروية وقيصرية.

ومما سبق يتبين لنا أن اﻹسلام وضع أسسا واضحة لمنهج الحكم اﻹسلامي الذي يجب أن يتأسس على الشورى وليس على الوراثة. والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.

3- أما دعوى الخوف من التشويش على المكتسبات والتغطية على دعوات اﻹصلاح السياسي والدستوري في ظل النظام القائم، والخوف من ردود فعل المخزن التي قد تزج بالمغرب في سنوات “رصاص” جديدة، فإنها قفز على الواقع بكل ما يحمله من اضطرابات واحتجاجات، وكيل للتهم المجانية لكل من صدح صوته بالحقيقة.

إذ معلوم أن دعوات اﻹصلاح التي يتعلل بها هؤلاء، قد خفتت أصوات أصحابها، ولم يعد أحد يقوى على الجهر بها، بل حتى من فسر كلامه على أنه دعوة إلى تلك اﻹصلاحات تنصل منها، وتحمل تبعاتها السياسية رغما عنه. وهذا دليل واضح على أن خنق الحريات في وطننا حقيقة لا يتناطح فيها عنزان.

ثم عن أي مكتسبات يتحدث القوم، ويخافون من التشويش عليها؟ أم تراهم يدفنون رؤوسهم في الرمال حتى لا تبدو لهم الأوضاع على حقيقتها.

4- دعوى الثغرات المنهجية الكبيرة التي يشكو منها فكر جماعة العدل والإحسان والتي كانت سببا في إنتاج مثل هذه التصريحات -حسب رأي صاحب الدعوى- ويعزو صاحبنا هذه الثغرات إلى الضعف في التحليل التاريخي وعدم إدراك حقيقي لسننه والتي يشكو منها فكر الأستاذ عبد السلام ياسين، الذي يعتبر أن سبب المصائب التي عرفها التاريخ اﻹسلامي هو الانقلاب الأموي على الخلافة الراشدة.

أعتبر أن هذه الخلاصات التي توصل إليها صاحب الدعوى المذكورة، تحتاج إلى توضيح من جوانب عدة منها:

– فيما يخص اعتبار الانقلاب الأموي، أو الانكسار التاريخي بتعبير الأستاذ عبد السلام ياسين، هو سبب كل المصائب التي عرفها التاريخ الإسلامي، فكلام صحيح لا غبار عليه. وإلا فمتى بدأ انفراط عقد الأمة وتسلط السيف وإمارة الصبيان واضطهاد العلماء؟

وحتى المقارنة بين نظام الخلافة الراشدة -رغم علاته الدستورية والمؤسساتية- مع أنظمة متسلطة على الأمة بقوة الحديد والسيف، بذريعة عدم السقوط في النظرة الجامدة للتاريخ, جرءة واضحة على التمييز النبوي بين المراحل التاريخية المختلفة، واستخفاف بيّن، ليس فقط بالسنن التاريخية، ولكن أيضا بالسنن الشرعية.

هذا باﻹضافة إلى إصرار الرجل  كما فعل من قبل في نقده لرسالة “إلى من يهمه الأمر”- على نعت مشروع العدل واﻹحسان بكونه يركز على أهمية التحول الفردي عند الحاكم في اﻹصلاح. وهو حط كبير من قيمة مشروع متكامل كالذي يحمله الأستاذ عبد السلام ياسين، يتكامل فيه دور الدولة مع دور الدعوة. وما فتئ الأستاذ -حفظه الله- يذكر في كتاباته بأن اﻹصلاح السياسي برمته لا يجوز اعتباره أكثر من مجرد مدخل من مداخل اﻹصلاح المتعددة. وأن جهود المسلمين يجب أن تتوجه إلى إعادة صياغة اﻹنسان صياغة إسلامية تربوية حقيقية. وهذا واضح في مشروع العدل واﻹحسان لمن له أدنى اطلاع.

5- دعوى التطاول على “قدسية” النظام الملكي, ومنازعة الأمر أهله وإثارة الفتنة, وهي دعوى غريبة المنبت وخيمة العواقب, ليس فقط لأنها صادرة عن رجل يعتبره البعض من علماء هذا البلد, ولكن أيضا لما تحمله من تضليلات شرعية وفكرية وواقعية خطيرة. تسعى إلى تكريس نظام “تيوقراطي” عفن, كثيرا ما سعى عموم الدعاة والمفكرين المسلمين إلى التنصل منه, أمام اتهامات العلمانيين لهم, بكونهم يدعون إلى دولة دينية تحكم باسم الله, منزهة عن النقد والمساءلة.

وهي أيضا تخريج معاصر لفتوى وجوب طاعة المستولي بالسيف وإن كان ظالما فاسقا. وهي فتوى حكمت عقليتنا الفقهية والسياسية قرونا عديدة, وحالت دون تقدم الفكر الدستوري في تاريخنا. وإذا كان بعض علماء السلف قد أفتى بذلك في ظروف تاريخية محددة, قصد الدفاع عن بيضة اﻹسلام والحفاظ على شوكة الأمة. فأين نحن من ذلك؟.

ثم إن الأستاذة ندية ياسين في تصريحاتها قد عبرت عن رأيها الحر ولم تعبئ أحدا قصد حمل السيف والخروج على “إمام” العصر, وإيقاظ الفتنة التي تهلك الحرث والنسل كما يزعم صاحب الفتوى.

وفي نهاية المطاف لا يسعني إلا أن أتمنى أن تنمو مداركنا, وتتسع حويصلة بعض الناس, ليسعهم قبول آراء المخالفين, كما هو شأن الأمم المتحضرة. أما إثارة الزوابع الكلامية الفارغة, والطعن على الخصوم بمغامز بعيدة عن روح النقاش العلمي الهادئ, فإنه لا يعدو أن يكون كما قال العربي القح “أسمع جعجعة ولا أرى طحينا” ولله الأمر من قبل ومن بعد.