“وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا” قرآن كريمبين الوحي والتاريخثار بين الفقهاء في تاريخ المسلمين الجدال حول إلزامية الشورى أو عدمها، وانكفؤوا في جدل فقهي ما كان ليغني شيئا ولو أجمعوا على إلزاميتها، وهم المبعدون عن ساحة الحكم ميدان تطبيقها. اليوم يثار النقاش حول دولة الشورى: ماهيتها ونسقها ومنظومتها وإنسانها. يتعبد إسلاميون بالنص القرآني وبالحديث النبوي الشريف ويستشهدون بوقائع الخلافة المنهاجية الأولى، وكلها تجمع أن ولاية الأمة على نفسها أمر ظاهر من خلال استقراء كل ذلك، ويتبع إسلاميون سنن السابقين من العلماء المسلمين الذين تصالحوا مع واقعهم، وأصبح أمر الشورى عندهم نافلة، بينما الفرض الحفاظ على وحدة المسلمين من خلال الحفاظ على وحدة السلطة المركزية وما يستتبعه ذلك من إعطاء الطاعة للحاكم بيعة غير مشروطة.

هما مدرستان ولدتا في تاريخ المسلمين نجد استمرارهما اليوم، وحيث يكون مقصد إحداهما السعي لبناء خلافة ثانية موعودة، يكون مطمح الأخرى أن تسود الشريعة أو بعضها في نموذج مكرر للدولة السلطانية كما عرفها تاريخ المسلمين.

أسال استجواب ذ. ندية ياسين الكثير من المداد، دون أن يفتح باب الحوار بين شتى الطروحات. من خلال هذا المقال نفتح الباب مواربا للتذكير بأصول قرآنية عليها كان مبنى الحركة الإسلامية ومنطلقها، لكن تقادم العهد حتى تنوسيت من بعض المكونات، فأصبح التعبد بالتاريخ سابقا على التعبد بالوحي. تتحدث مع إسلاميين عن قال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم يحدثونك عن التاريخ وما أثل التاريخ. إن التحول من أخذ الكتاب بقوة إلى التنكب عن سبيله والتعبد بما رسمه الآباء لا يحصل طفرة، فهو يحصل بخطوات متدرجة، حيث يلجأ إليه الأوائل قهرا واضطرارا، ثم يصبح عند اللاحقين عقيدة واختيارا، وهو أمر شهدناه في ردود أفعال أبناء الصف الإسلامي على تصريحات كريمة مرشد جماعة العدل والإحسان.

فتحنا الباب مواربا دون أن نشير ببيان أوضح، عكس وضوح من يرى غير رأينا، ولا عجب في ذلك، فهو يحاججنا وناصره الدستور والقوانين والمؤسسات… بينما نكتب نحن وعيننا لا تنام على ما تخطه أناملنا قبل أن تفتح أبواب المحاكم مشرعة أمامنا. فقضية ندية ياسين أنبأتنا عن حدود حرية التعبير في بلادنا، ولسنا من عشاق السجون من أجلها، إلا أن نكون خدما لقضية نرجو من ورائها نصر كلمة الله، نتوسل عندها رضاه، وإنما الأمر أمر الله، و”ما تشاؤون إلا أن يشاء الله”.

في هذه المقالة نعرض في عجالة لإحدى اللوازم الرباعية للشورى القرآنية، على أن نستتم الحديث عن الثلاث الباقيات في مقالات أخر، و نعود للتفصيل في مقتضيات كل لازمة في قابل الأيام بإذن الله الرحمن الرحيم.المبايعة الشرعية أو سؤال مشروعية الحكمإن الخطاب القرآني لم يختص خليفة المسلمين بالأوامر والنواهي دونهم، بل أحال وظائف السلطة إلى مجموع المومنين، وخطاب “يا أيها الذين آمنوا” أكثر من أن يحصى في القرآن الكريم. فالمومنون هم المستخلفون جماعة في الأرض “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا. يعبدونني لا يشركون بي شيئا. ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون” [النور:55]، “الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور” [الحج:41 فالتمكين لا يقصد به أهل الأمر ولكن يعنى به مجموع جماعة المسلمين المستخلفة في الأرض، “قال الصباح بن سوادة الكندي سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: “الذين إن مكناهم في الأرض” ثم قال: ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه. ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم وبما للوالي عليكم منه، إن لكم على الوالي من ذلكم أن يأخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة، ولا المستكره بها، ولا المخالف سرها وعلانيتها” (ابن كثير: “تفسير القرآن العظيم” دار الفكر، بيروت، 1401. ج:3 ص:227)، وهم المأمورون بأن يكونوا حزب الله المقاتلين في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، وهم المأمورون بإقامة حدود الله وحفظها “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى. الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى” [البقرة:178]، “التائبون العابدون الحامدون السائحون الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله” [التوبة:112]، وهم المأمورون بأن يكونوا الأمة الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، وهم المأمورون بالانتهاء عن معاملات الربا وإلا عدوا محاربين الله ورسوله، وهم المأمورون بتوثيق معاملاتهم المالية كتابة مهما صغرت… فشرع الله موكول تنزيله إلى كل المومنين في كل الميادين: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقتالية… فإن وُكل أمر إلى سلطة ما، فإنما هي حكمة تنظيمية حث عليها الإسلام حتى جعل أيما جماعة جاوزت ثلاث أناس إلا وأن تختار أميرا لها من بينها، إذ يستحيل أن ينهض الجميع لجمع الزكوات، أو يقيم كل فرد الحدود على من تعداها، أو يقوم كل أحد يمنع المرابين من معاملاتهم المالية… وإلا كانوا مفتئتين على السلطة، وغدا أمر المسلمين فوضى. فإن نقض السلطان عهده، ونكث غزله، فجعل حكمه علوا على الناس، وبدل شرائع الدين وضعا من عنده، انسحبت أحكام الإسلام بتثاقل من واقع المسلمين، لكن التكليف الشرعي لا يسقط عن المؤمنين بضرورة المجاهدة لإقامة كل الدين. فلا يذهبن الظن بأحد أن التذرع بأن الأمر فوق طاقته حجة تسقط عنه المسؤولية، وهو يعد نفسه متضمنا في خطاب “يا أيها الذين آمنوا” القرآني!

إن أمر جماعة المسلمين لا يستقيم إلا إذا أقام المؤمنون كل ما أمروا به شرعا، والمدخل الشرطي لكل ذلك أن يكون السلطان منهم لا عليهم، فوجب الانتباه إلى “منكم” في قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الاخر. ذلك خير وأحسن تاويلا” [النساء:59]، إن ولاية الأمة على نفسها، واختيارها لأولي الأمر منها هي اللازمة الأولى للشورى القرآنية المجيبة عن السؤال التأسيسي للحكم أو إن شئت فقل: سؤال مشروعية الحكم.