“بسم الله الرحمان الرحيم.

يبدو أنني أصبحت مثل كاساندرا*، التي لا تراعي أي اعتبار وتجرؤ على القول بأن الأنظمة التي لا تتطور لا يمكنها إلا أن تنهار.

ويبدو أنني انكشفت عند القول بأن الديمقراطية تبدو الأقرب إلى النظام الذي أسسه النبي صلى الله عليه وسلم.

ويبدو أنني ارتكبت جريمة المس بحرمة الملك حين اعتقدت أن حرية التعبير أصبحت مكسبا في المغرب.

ويبدو أنني أغير الألوان في القمة، وأنني أحول الأحمر إلى الأخضر.

ويبدو أنني استقبلت بحفاوة بالغة في بركلي.

لا أستطيع مغالبة الضحك: لا تتقن نخبة معينة سوى اللغو وتفريخ العرائض.

جهل مركب أن نعتبر أن جامعة بركلي هي وزارة الخارجية الأمريكية، والمثقفون يعلمون أنها معقل المعارضة لسياسة المحافظين الجدد. ويا للدهشة، أقوال أكررها منذ عقود أثارت “تسونامي” في وسائل الإعلام الوطنية. إنها مهزلة لا سابقة لها أن نرى أن الغزارة الحزبية وتعدد المنابر ليست سوى خديعة ومجموعة من الوسائل ضد الملل في انتظار القافلة التي ستسمح بإعادة الإجماع الرسمي والذي لم يفقد أصلا. لا يمكن مقارنة هذا التحامل الإعلامي الفظيع إلا بالهلع الذي تشعر به فرقة مسرحية أمام دخيل يقتحم عليها الخشبة ليرفع صوته بأغنية لا توافق نص المسرحية.

ما أجمل أن نرى قيمة حرية التعبير عند ديمقراطيينا الفريدين. لست متأكدة من كوني كاسندرا، ولكنني متأكدة من كوني مثل “بكماليون”، ذلك أن الصحافة الوطنية، الباهتة غالبا، المملة أحيانا، أصبحت فجأة براقة شكلا ومضمونا (مع كل احتراماتي للصحفيين الذين يحترمون أنفسهم ومهنتهم، وهم موجودون، وإلى المنبر الذي ينشر هذه الرسالة احتراما لحرية التعبير).

انطلقت الأساليب التعبيرية، وكثرت التحليلات المعضدة بالاستشهادات التاريخية، والمرجعيات الأكاديمية. وبقدرة قادر اكتست بعض أشباه الجرائد مظهر “لوموند دبلوماتيك”، شيء لم يسبق له مثيل. إنها خدمة عمومية أديتها للأوساط “المفكّرة” إن وجدت، والتي كرست نفسها لخدمة الأوساط الممولة مجانا … وقد لا يكون الأمر كذلك.

كم من المواهب الضامرة رأت النور بحمد الله. فهناك من اكتشف موهبته كخطيب مقتنع بمصداقية .. سخافاته، ومن اكتشف تحمسه لما كان ينكره بالأمس. ومن اتضح له أنه ذكوري بعدما كان يظن نفسه “تقدميا” و”نسائيا”، إذ يفضل أن أتفرغ لتحضير الكسكس (وهو أمر غالبا ما أقوم به، وأنا أتبنى ذلك مثل ما أتبنى نص الحوار الصحفي). وهناك من المواهب الضامرة من كشف عن حنينه إلى تازمامارت، واكتشف نفسه جلادا.. ومنهم من وصل به الأمر إلى ذكر والدي بقليل من الخير لا لشيء إلا ليعزلني أكثر ويجلدني بشكل أشد قسوة، وذلك ليس حبا في والدي الذي أشاعوا أنه يحتضر، ولكن بالتأكيد لأن ديننا يحثنا على أن نكون أكثر صفحا تجاه الموتى.

صحيح أنهم ليسوا كلهم مواكبين لعالم الأنترنيت ليميزوا الأحياء من الأموات… ولكنهم أصبحوا جميعا متعلقين بالمرجعية الدينية أكثر من الإسلاميين الذين يلامون على ذلك. أصبحوا أكثر ملكية من الملك، أكثر تطرفا من التطرف.

إنه هذيان خبزي! هذيان تجاوز الحدود حتى وصلت إلى صحافي “لوفيغارو” “وتييري اوبرلي” (وما دخلك؟) مع أن المغرب لم يعد محسوبا على اليمين الفرنسي حسب اعتقادي .. هل أنا مخطئة؟

وباختصار، إنها عملية تنفيس حررت كثيرا من الناس من انفصام للشخصية غير معلن. وأنا التي كنت أظن أنني أجريت حوارا صحفيا عاديا وروتينيا! فإذا بالأمر يتحول إلى خدمة وطنية التأهيل (بالتأكيد على مستوى متدن ولكنه تأهيل على كل حال)، إلا إذا تعلق الأمر بعملية تمويه المخزن فيها بطل الأبطال، بل البطل المطلق. ارموني في السجن! التمويه لم يعد ممكنا، آن وقت جرد الحصيلة.

يبدو جليا أن هناك نخبة مغربية ليس لها ورقة رابحة سوى قدرتها على أن تفاجئك حيث لا تتوقعها أبدا أن تكون، تماما مثل بودا الصغير المازح (انظر برنامج culure pub, :6).

كان الأولى أن يمنحوني وساما، فإذا بهم يحاكمونني. ألم ينكشفوا أمام التاريخ متحدين ليقولوا نعم للأوتوقراطية وللسوط وللقمع، ولا لحرية التعبير. إنهم يهاجمونني، يشهرون بي، يكرهونني، إنهم يتهمونني بكل الشرور، وبكل العيوب، لا لشيء إلا لأنهم اكتشفوا أن أولئك الذين يعتبرهم خطابهم الجاهز أعداء للديمقراطية هم في الحقيقة مستودعها ومحضنها، وأنهم لا يكتفون بتمجيد حرية التعبير خدمة لحاجيات “العهد الجديد” لأنهم يعيشونها حتى الثمالة ويعتقدون أنها جزء لا يتجزأ من نظام الحكم الحكم الإسلامي. هذا النظام الذي محاه الأمويون من ذاكرتنا، فإذا النتيجة بعد أربعة عشر قرنا من الزمن شعوب عديمة الإرادة والجدوى.

معشر الديمقراطيين، إن الديمقراطية مهما اعتقدتم، أولا وقبل كل شيء مسألة شجاعة.

هل النظام المغربي والوحدة الوطنية على هذه الدرجة من الهشاشة، في نظركم كديمقراطيين مشبوهين ومتشككين، حتى تختاروا مداخلتي في جريدة فتية لمغازلة الحس الوطني وجلد النفس على ما يمكن اتهامكم بالتفكير فيه..

وبدل أن تقوموا بالدور الذي تدعون القيام به كأعضاء في المجتمع المدني وكحزبيين فاعلين، تكتفون بمهاجمة كل ما يتحرك فعلا (والله إلى آخر الزمان هذا!). إنني أفضل السجن لأتميز عن هذه الضحالة الفكرية.

أدت هذه الزوبعة في الفنجان التي أثارها رأيي إلى اكتشاف رائع. فإذا كنت قد انكشفت كما قال ديموقراطيونا الذين نعلم أنهم استئصاليون، فإنهم قد سقط عنهم القناع تماما. تعادل سلبي …

هكذا يمكن أن نفهم لماذا اخترت أن أكون “إسلامية”، لأنه زيادة على معرفة المعنى الحقيقي لهذه الحياة الدنيا  التي اكتفيتم فيها بأدوار باهتة- كان هذا أيضا الوسيلة الوحيدة لمعانقة الديموقراطية في بلد تشكو فيه هذه الأخيرة من اليتم بعد أن تخلى عنها الديمقراطيون المشغولون بتكميم الأفواه وقتل الحريات. نعلم الآن أن ديموقراطيينا ليسوا كذلك إلا في نياتهم (إن شاء الله). إنهم علمانيون حيث يتطلب الأمر، أوتوقراطيون دائما، وعنيفون بطبعهم. يا للوهم! ولكن أليس المغرب بلد التناقضات والغموض؟. ولأن المغرب في مستوى هذا الأمر فهو  من فضلكم- الذي أنجب مفهوما جديدا في عالم الأفكار السياسية، ولنا حق الإنتاج: المغرب هو أب الديموتوقراطية. سجلوا هذا جيدا! ولنقم بإعداد عريضة مواطنة!!!

أيها الديموقراطيون المغاربة العلمانيون الأوتوقراطيون وأعداء الحرية، لنتحد جميعا ضد سرقة حقيقتنا الوحيدة، ولنسجل ماركتنا السياسية قبل أن تسرق منا، إنها أعجوبة حقيقية في ميدان “الاجتهاد” السياسي. ولكن لا تقلقوا، فلا أحد البتة يمكنه الإبداع أفضل منا. فمخلوقتنا فريدة جدا.

بربكم، ألا يستحق هذا ألف محاكمة بل وحتى المشنقة؟ فلا يتحول في سائر الأيام مجرد رأي سياسي بسيط إلى عملية غريبة لتوليد الأفكار.

ألا يستحق هذا ألف محاكمة؟ أن يفضح المرء مهزلة القرن ثم يموت … على إثر المحاكمة…

ولا يفوتني أن أعبر عن عدم احترامي للسادة الديموتوقراطيين الذين أزعجتهم أثناء استعراضهم البهلواني الجبان.

إلى …

إلى أن ..”.

* كاساندرا: حبيبة الإله الإغريقي أبولو التي وهبها مَلكة التنبئ بالمستقبل.