لا يتحدث المغاربة كثيرا عن حكومتهم؛ لأن منهم من لا يعرفها، ومنهم من يرى أنها كَفَتْهُ كلّ شيء حتى الحديث عنها! ومنهم من يقدر أنها لا تستأهل ذلك … وإذا ما تحدث بعضهم، فإن أغلب الحديث يكون استنكارا. ويكون ذلك بلهجة عامية في غاية الوضوح والبيان. يقولون مثلا: أنها حكومة “مَحْكومة” بمعنى أن هذه الحكومة، كغيرها من الحكومات السابقة، لا حول لها ولا قوة؛ فهي لا تبادر، وليس لها برنامج خاص. كل وظيفتها تطبيق مبادرات وبرامج الملك. والذي يقرأ الدستور المغربي، ويتتبع الشأن السياسي بالمغرب يدرك دقة هذا الوصف.

ويقولون أنها حكومة “مَخْدومة”، والمتتبع لطريقة تشكيل الحكومة، ولكيفية تعديلها يلحظ، بما لا يدع مجالا للشك، كيف “تُخْدَمُ” هذه الحكومة لتشكل على المقاس. ففي التعديل الحكومي الأخير مثلا، رأينا كيف تدخل الوزير الأول لفرض وزراء “تكنوقراط” على بعض الأحزاب، خاصة حزب الاستقلال، وكيف تم طرد آخرين من الحكومة دون اعتبار لرأي الأحزاب التي يمثلونها. وعادة ما يكون التعديل تقنيا لا يأتي بجديد سوى الشعارات. بل إن التعديل الحكومي يشكل آلية من آليات إذعان الحكومة، وجعلها باستمرار على المقاس. يقول واتربوري في كتابه “الملكية والنخبة السياسية في المغرب”: “ليس من الغريب أن تصبح مناصب المسؤولية المادة الأساسية لمناورات النخبة، لا يمر أسبوع واحد دون أن تروج الشائعات حول قرب تعديل وزاري، وغالبا ما يكون مصدر تلك الشائعات هو القصر أو الشخصيات التي تنتظر تعيينها في منصب وزاري ما. ولا يعير السياسيون المغاربة اهتماما كبيرا لتلك الشائعات، ولكنهم لا يهملونها تمام الإهمال. وبهذه الطريقة يترك الملك النخبة في وضع حرج، فالوزراء العاملون قلقون لاحتمال إقالتهم، والمرشحون للوزارات يحيكون الدسائس للحصول على المنصب. وأصبح الشغل الشاغل لتلك الأوساط هو مراقبة ردود فعل القصر والبحث عن معانيها الخفية، فالملاحظة التافهة تبعث على ألف افتراض”!!

ويقولون أيضا، والعهدة على القائلين، أن هذه الحكومة “مشؤومة”. فمنذ أن تشكلت حكومة السيد إدريس جطو، في 7 يونيو 2002، والكوارث تتوالى على المغرب. إليكم مثلا ما حدث بجزيرة ليلى، وأحداث 16 ماي، وزلزال الحسيمة، وخسارة المغرب في قرعة كأس العالم، والجفاف، وغلاء المعيشة، والتراجع الملحوظ في ملف الصحراء، وتفاقم ظواهر البطالة والتسول والفساد… وغير ذلك كثير. أجارنا الله وإياكم.

يقولون هذا وغير هذا عن الحكومة “الموقرة”؛ حكومة الملك. أما أنا، وإن كنت لا أضع كل الوزراء في سلة واحدة، إلا أنني أستند إلى مبدإ “التضامن الحكومي” لأضيف وبأدب جم: إنها حكومة لا تحترم نفسها.

في الأسبوع الماضي، وبالتحديد يوم الخميس 7 يوليوز 2005، أوردت إحدى الجرائد المغربية خبرا خطيرا. هذا بعض ما ورد فيه “أفادت مصادر مطلعة أن المغرب طلب من الولايات المتحدة الأمريكية عبر القنوات الديبلوماسية، قبل بدء محاكمة ندية ياسين … اعتبار الجماعة (جماعة العدل والإحسان) منظمة إرهابية…”.

قد يكون الخبر كاذبا، لكننا بالرغم من خطورته وغرابته لم نسمع أي تكذيب من حكومتنا الموقرة، التي يتحدث بعض وزرائها، بمناسبة أو غير مناسبة، في كل شيء… وهل تملك حكومتنا “المحكومة” “المخدومة” غير الكلام والتصفيق!؟

يبدو، والله أعلم، أن الحكومة فقدت صوابها منذ الحوار الشهير مع الأستاذة ندية، الذي يكفي صاحبته فخرا، كشفها لهذا الهزال السياسي. كشفها وفضحها لهذا القلق والتوجس والحيرة والاضطراب والحشد والتحريض … وكأن الدولة ولجت حربا لا قبل لها بها، أو أصيبت بكارثة غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية. نسأل الله الحفظ واللطف.

بعد نشر الحوار توجه ثلاثة وزراء إلى السفارة الأمريكية، يصيحون في صمت! ويحتجون في تزلف! طبعا لأن المخاطب، هو السفارة الأمريكية. سبب الاحتجاج حسب زعمهم؛ بث حوار للأستاذة ندية بإذاعة سوا. كان رد السفارة مخجلا. حيث تأكد أن الإذاعة المذكورة لم تبث أي حوار مع الأستاذة ندية، وإنما التي نشرت الحوار هي “الأسبوعية الجديدة”. موقف مخجل حقا لحكومة تعتمد بالأساس على وزارتي الداخلية والإعلام. كيف تسربت هذه المعلومة الخاطئة؟ ومن سربها؟ وبأي أهداف؟ وكيف تبنتها الحكومة؟ وكيف ذهبت للاحتجاج لدا السفارة الأمريكية دون تأكد سابق؟ … على أي حال يكفي هذا التصرف الطائش لينصفق المغاربة عن الحكومة ويهملوها؛ لأنها ببساطة توجد في “دار غفلون”.

وزاد من طيش الحكومة وتهورها انقلاب السحر على الساحر، حيث انبرى بعض الفضلاء للدفاع عن حق ندية في التعبير، غير مكترثين بحملة “قولوا العام زين”، “قولوا النظام زين”، “قولوا القانون زين” … التي شنها المخزن وأعوان المخزن. وتعاظم الطيش، وتفاقم التهور، حيث نشرت بعض وسائل الإعلام تنديد دوائر رسمية أمريكية بمحاكمة الأستاذة ندية. بل أصبحت هي الطيش نفسه، والتهور بعينه حين سلكت ذلك الأسلوب الخسيس، ودعت إلى اعتبار جماعة العدل والإحسان منظمة إرهابية.

الجميع يعلم، الشعب والنخب، السياسيون وغير السياسيين، الإسلاميون وغير الإسلاميين، في المغرب وخارجه، إلا الحكومة “المحكومة” “المخدومة”طبعا ، أن جماعة العدل والإحسان ترفض العنف رفضا قاطعا. ولعل هذا ما أكدته تتمة الخبر السالف الذكر “.. وأضافت نفس المصادر أن رد الولايات المتحدة الأمريكية، الذي تم عبر اجتماع السفير الأمريكي توماس رايلي مع مسؤول رفيع المستوى كان عنيفا؛ إذ طلب السفير من المغرب تقديم الأدلة الواضحة، التي تثبت تورط العدل والإحسان في أعمال إرهابية مثل الدعوة إلى حمل السلاح، أو القيام بأعمال تخريبية …”. بل إن الجماعة تعرضت من قبل السلطة لأبشع صور العنف، يكفي مثال واحد على ذلك، تلك الهجمة الشرسة التي تعرض لها طلبة العدل والإحسان سنتي سبع وتسعين وتسعمائة وألف وثمان وتسعين وتسعمائة وألف، ومع ذلك لم ترد بفعل عنيف وظل طلبتها بعيدين كل البعد عن الأعمال التخريبية، ليس خوفا أو هوانا، ولكن حقنا للدماء، وحرصا على أمن المغاربة وسلامتهم، وصبرا واحتسابا عند الله عز وجل.

ليست هذه المرة الأولى التي تحاول فيها الحكومة تلفيق التهم لجماعة العدل والإحسان، فبعد أحداث 16 ماي المؤلمة صرح السيد بوزوبع وزير العدل باعتقال العشرات من أبناء الجماعة، ليوهم الرأي العام بتورطها في الأحداث. لكن سرعان ما انكشفت الكذبة، واتضحت الحيلة، وانفضح الأمر. “وكفى بالله وكيلا”.

أخيرا، إذا صح وكانت الحكومة، قد دعت فعلا إلى اعتبار جماعة العدل والإحسان جماعة إرهابية فإن أقل ما يقال عنها أنها لا تحترم نفسها. وإذا كان الخبر كاذبا ولم تكذبه فإنها حقا لا تحترم نفسها. أما إذا كانت هناك أجهزة، ديبلوماسية أو غير ديبلوماسية، تابعة للحكومة، وتتحرك فوقها بغير أوامرها، فحق لنا أن نقول عنها أنها لا تحترم نفسها ولا أحزابها ولا الشعب المغربي، لذلك عليها أن لا تنزعج إذا لم نحترمها.