أن تتخلقي بالأخلاق الطيبة مع قريباتك وصديقاتك في دَعَة وهناءة عيش، هذا تمرين هين، تجدين الباعث عليه والمساعد فيه في العُرف والمألوف والسلوك المقبول اجتماعيا.

أما أن تخرجي عن المألوف وتتعاملي مع الناس كافة بالهدوء واللين والتحمل الجميل دون أن يفتنوك ويستفزوك، فهنا تتأكد أخلاقيتك بأدلة الامتحان، أو تظهر زائفة قشرية على مِحَك التجربة.

إن حمل أمانة عظيمة مثل أمانة الدعوة وتبليغ كلمة الله عن رسول الله مهمة جليلة يلزمها من الحلم مثل ما يلزمها من العلم. حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيدا فريدا معه تأييد الله وتوفيقه. من تأييده له سبحانه وتهييئه له أن جعله على خلق عظيم أشاد بعظمته في كتابه العزيز، وشهدت بعظمته أمنا عائشة حيث قالت: “كان خُلُقَه القرآنُ”، وعاش المسلمون والناس أجمعون في كنَف هذا الكمال الخلقي.

من نقصت أخلاقا وسعةَ صدر وحِلما كانت في الدعوة كالجندي المبتور الأعضاء في ساحة القتال. مهما كان علمها فضيق خلُقها يحُطها عن درجة الأهلية. متدينة متبتلة عابدة قانتة صالحة في نفسها ضيقة بالناس، هذه لاتنتظري منها أن تتجند معك لتطبيب أمراض المجتمع، ونشر بشارة الإسلام، والصبر على مخالطة الناس وأذاهم.

رأس الخُلق الكامل امتلاك النفس، وقمعها تحت طائلة التقوى. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغضبُ إلا إذا انتهكت حُرُمات الله.

امتلاك النفس وحملها على الحق منزجرةً أبدا محكومةً. هذا يعني القدرة على سياسة القوة الشهوانية، وكبح جماع القوة الغضبية بالشرع لتكوني أنت المتصرفة لا الهوى والنزوات ومِزاج الساعة.

تنْتقي المومنات لتعزيز صفهن أجود العناصر كما ينتقي رائد الجيش. لحمل السلاح ينبغي عضلات، ولياقة بدنية، ومهارات فكرية، وخضوع لتدريب. للدعوة ينبغي مومنات بالله ورسوله، مريدات لله وللدار الآخرة، عاملات على ذلك محتسبات. تكون مومنة مريدة لله وللدار الآخرة، لكن أهليتها للعمل تقصُر عن مجال الدعوة لثغرة في الخُلُق.

ترد على المومنات بَدَنيات تسوقهن الشهوة، وسَبُعيّات يغلبهن الغضب، ورخَوِيات مريضات، ومِزاجيات حادات تقفز بهن نزوة الساعة. أصناف من النساء تصلح التوبة منهن ما تصلح، ويُصلح الإسلام، وتصلح العبادة، وتصلح مجالسة الخَيّرات. لكن التحزب لله، وتعزيز صف العاملات في الدعوة، يُريد صلاحا متكاملا. يريد دينا وخلقا، علما وحلما.

في النساء، والرجال أيضا، طبائع، وتَطبّعات. جئن من وسط اجتماعي ما، معهن تصورات ومعايير لما هو الخير والشر، ولما هو الفسق والإيمان، ولما هو الدين، ولما هو الحلال والحرام، إلى آخر ما يصلحه التعليم ويقوِّمُ فهمه الاطلاع والدرس. لكن معايير الذوق، واللياقة، والأدب، والنظافة، والكلمة الجارحة، واللحظة المناسبة، ودقائق السلوك الاجتماعي ورقائقه، هذا لاَ يفيد فيه التعليم والاطلاع والدرس إذا كان أصل الطبع شحيحا. لا يُفيد إلا كما يفيد الزرع في أرض صخرية جافة.

لا نيأس من تخليق الوافدة بالأخلاق الكريمة، بل نحاول ونحاول، إذ ربما كان التكبر والجفاء والقسوة آثاراً قِشرية للتربية أو عدمها، وللبلاء الماضي. ربما يكونُ تحت القشر الجاف لُب كريم. فإذا تبيّنا أن العنصر البشري خشب يابس، رمل عقيم، مسغبة خلقية، مَتْربَةٌ في الآداب والذوق، خشونة في أصل الطبع، كففنا عن تضييع جهودنا وارتَدْنا منبتا صالحا.

بالخلق الكريم أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وأحبابه. قال عالم الصحابة معاذ بن جبل رضي الله عنه: “كان آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت رِجلي في الغرز أنْ قال: “يا معاذ! أحسن خُلُقكَ للناس”. رواه الإمام مالك في الموطإ. وقال صلى الله عليه وسلم: “بُعثت لأتمم حسن الأخلاق”. حديث صحيح في الموطإ عن مالك بن أنس رضي الله عنه. وروت أمنا عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم قال: “إن المومن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم”. رواه أبو داود بسند صحيح. وروى الترمذي عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن من أكمل المومنين إيمانا أحسنُهم خلُقا وألطفُهم بأهله”.

وبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكاملين والكاملات في الأخلاق فقال: “إن من أحَبكم إليَّ وأقرَبكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسِنكم أخلاقا. وإن أبغضكم إلي وأبعدَكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون”. قالوا: يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون. فما المتفيقهون؟ قال: “المتكبرون”. رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه بسند حسن.

هذه هي الوصايا المباركة. وننزل إلى أرض الابتلاء والاختبار ليعلم الله تعالى مدَى صِدْق ما ندّعيه لأنفسنا من جهاد. قال تعالى: (ولنبلوكم حتى نعلمَ المجاهدين منكم والصابرين ونبْلُوَ أخباركم).(سورة محمد، الآية: 32) هو سبحانه يعلم، لكن قدَره يظهر على أيدينا في أرض الواقع. إما أن نصبر ونواظب ونتحمل الناس وأذاهم فيكون جهادنا حقا، وإما أن يخوننا الصبر وتُعوِزَنا الأخلاق والمخالقة فتكون دعوانا اسما على غير مُسمى. من الآية نأخذ أن الصبر والجهاد متلازمان. ومن معنى الصبر نأخذ أنه امتلاك النفس. وامتلاك النفس وحملها على مكاره الشهوة والهوى، ومحاب الله ورسوله، رأس الأخلاق. وكمال الأخلاق كمال في الدين.

سنة الله تعالى أن يمتحن المومنين والمومنات، قال جل وعلا: (لتُبلوُنَّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعُن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيرا. وإن تصبروا وتتقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور).(سورة آل عمران، الآية: 186)

ونقرأ من الآية التاسعة من سورة إبراهيم كيف آذى الأقوام رسلهم، وكيف قالت لهم رسلهم: (ولنصبرَنّ على ما آذيتمونا. وعلى الله فليتوكل المتوكلون).(سورة إبراهيم، الآية: 15)

ونقرأ كيف يربط الله على قلب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بضرب الأمثال وقص تاريخ الرسل عليهم السلام. ويقول له: (ولقد كذبتْ رسل من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا. ولا مبدِّلَ لكلمات الله. ولقد جاءك من نبإ المرسلين).(سورة الأنعام، الآية: 35)

أذى وصبر نقرأهما في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وتَوكّل على الله لا بد منه، ونصر من عنده سبحانه يأتي مع التوكل. والتوكل، ما هو التواكل.

نطرح هنا مسألة جوهرية في الحركة الإسلامية والاستراتيجية الإسلامية. نطرحها باقتضاب، ثم نمضي إلى ما يخص المومنات من صبر على مخالطة الناس ومخالقتهم.

نالَ المومنات في الحركة الإسلامية على يد عبد الناصر، وعلى يد حافظ الأسد، وعلى يد بورقيبة وخليفته بن علي، حظا مما نال المومنين من الأذى. هذا الأذى المسلَّط على المومنين والمومنات هلْ هو من سنة الله وكلمته التي لا تتبدل في الدعاة من رسل ومبلغين؟ هل هو سنة نزلت قَدَرا مقدورا فوق ما يفقهه المومنون والمومنات، أم هي أخطاء من عند أنفسنا نزل عليها القدَر المقدور والسنة الإلهية تمحيصاً وعقابا وتأديباً وتعليما لكيلا تتكرر منا الأخطاء؟ سؤال طويل عريض، ما تكفي الصفحات من كتاب للجواب عنه، ولا هو من البساطة ووحدة الظروف بحيث يجاب عنه جوابا موحدا.

جاء أعرابي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وله ناقة بالباب، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يطلق ناقته ويتوكل، فقال له المعلم الكامل: “اعقلها وتوكل”. عقل الناقة عبارة عن اتخاذ الأسباب، وتدبير المسيرة، وإتقان خدعة الحرب إذْ الحرب خدعة كما قال نبينا.

في كتاب الأدب من صحيح البُخاري كلمة لسيدنا عبد الله بن مسعود تقول: “خالط الناس، ودينَك لا تَكْلِمَنَّهُ”. الدين يصيبه جُرح إن أنتِ خالطت الوافداتِ بالنية الغِرّة الكريمة لا تعلمين أن المومنة مع طيبوبتها يلزمها الحذر لكيلا تُلدغ من جحر مرتين. يلزمها التعلم من التجربة وتصنيف المتقربات من الدعوة الراغبات في المشاركة تصنيفا خاصا غير التصنيف العام للمسلمات والمسلمين الذين يَسَعُهم حسن الظن، والستر، والبر، والخلق الحسن المحسن، والكلمة المُحبة.

ويصيب الدينَ كَلْمٌ وجرح إن فهم المومنون المخططون للحركة الإسلامية التوكل، وسنة البلاء، وفضيلة الصبر، ومبدأ الأذى، فهما منفصلا عن مسؤولية أنفسنا، وأخطاء أنفسنا.

فاتَ الذين هربوا بدينهم بعيدا عن معارك الجهاد خيرية من دخل المعركة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم”. أخرجه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد.

لا تخطئ من هربت بدينها، وشَلَّها الجبن، وأغلق عليها باب سجنها الجهلُ بأفضلية الدخول في المعارك الجهادية.

ومن دفعه حب الدرجات عند الله إلى ارتكاب أخطاء أردته شهيدا فأجره على الله، فإنما الأعْمال بالنيات. ويغفر الله إن شاء ما يصيب الدينَ من كَلْم. فصوابنا وخطأنا وجهان لقدره. سبحانه لا إله إلا هو. نرجع للتوحيد والرضَى.

أما الواجب على المومنين والمومنات فهو الصبر على الشدائد بعد استنفادنا وجوه الاجتهاد، والخُدعة، والسياسة، ومصانعَة الواقع، واحترام سنة التدرج. وبعد استفتاح أبواب رحمة الله، واستمطار نصر الله، ومدد الله.

بعد استنفاد الاجتهاد والملاينة والمخالقة والأدب، تخون المومنة دينها إن نزلت بمجاملة الوافدة على الدعوة إلى التَّرَخُّصِ المبدئي. ويخون دينَه المومن إن لم يصبر على الشدائد تنزل عليه قدرا بعد اجتهاد.

عن خبّاب بن الأرثِّ رضي الله عنه، وكان من الصحابة المستضعَفين بمكة، قال: “شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسِّدٌ بُردةً له في ظل الكعبة. فقلنا: ألاَ تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال: “كان مَنْ قَبْلَكم يوخذُ الرجل، فيُحفَرُ له في الأرض، فيجعل فيها. ثم يُوتَى بالمنشار، فيوضَع على رأسه، فيُجعل نصفين (يُقطع الرجل نصفين). ويُمَشَّطُ بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه. ما يصده ذلك عن دينه. والله ليُتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسيرَ الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه. ولكنكم تستعجلون”. رواه البخاري وأبو داود والنسائي.

ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين.