رأيت السيدة

ندية ياسين يوم محاكمتهاـ بسبب رأي علمي سياسي صرحت به ـ وقد وضعت رمزا على فمها

يفهم منه المنع من حرية التعبير، فأطلقت العنان للتأمل ـ كما لا يحلو للبعض أن

نتأمل إلا بما فيه يفكرون ـ في ذلك اللسان الممنوع من البيان، وتصورت حوارا بينه

وبين حاملته السيدة ندية ياسين.

سبحان من أعطاني لساني، وسَوّىَ بناني.

جلَّ الله… أنزل إلي قرآني، فكان هو بياني. جلَّ الله…

قلت يوما للساني: ” السلام عليك أيها اللسان…” فأمسك عن الكلام

قلت: “الرحمن خلق الإنسان، علمه البيان …” فأمسك عن البيان

قلت:” أيها اللسان، بك الله زينني، وعن سائر المخلوقات ميَّزني، فلِم توسطت فمي، وأخذت نصيبا من دمي؟ أسعِفْني بجملة، فلقد علموني أنك أداة الكلام، ونور يبدد الظلام، أسعفني بكلمة…”

ذرفت منه دمعةٌ حارة، وأصابته رعشةٌ مُصرة، فقال:حسبي الله…

قلت:” حسبنا الله و نعم الوكيل، ما الذي أصابك؟ هل قال لك الناس إن الناس قد جمعوا لكم؟؟.”

قال:” إذن فاخشوهم، فخافوهم… فاسكتوا. لا تتكلموا، إن الكلام محرَّمُ.

قلت:” فزادهم إيمانا، وأعطاهم من الصدق برهانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل”

قال: “ناموا ولا تستيقظوا، ما فاز إلا النُوَّم، لكن بدون رؤيا تعَظَّم، أو مبشرة منها يُفهم أن اللسان يتكلم، وأن الجهر بالحق ـ رغم مرارته ـ بلسمُ.”

قلت: “فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله، والله ذو الفضل العظيم”

قال:” رضوانُ الله، وفضلُ الله… اللهُ أكبر”

قلت:” الله أكبر، أيها اللسان، هل لي أن أركب؟، فقد قالوا: لسانك حصانك”

قال: “هيا اركبي، وإنما أسعفك بكلمة، فأنا حصانك، وأنتِ الفارسُ..لك كلمة”

قلت: هل لي بعدل وشورى وإحسان؟؟

فجثم اللسان الحصان، ولم يسعِفْني بغير هذه الكلمة. لكن الحمد لله كلمت خرجت، ونمت وترعرعت…

لكن الحصان بالصمت تحصن، وبالصبر تزين… وبقيت مني العينان، للكون تنظران، والكلمة تكبر وتكبر ، حتى صار لها جناحان، تتطير بهما عاليا في آفاق الزمان، ولساني حصاني في رباط مكين.

ـ ـ ـ ـ ـ

رأى الناس الكلمة تطير في الآفاق، فتطاولت الأعناق، واشرأب الأعداء والأصدقاء,

فمن قائل”: كلمة تطيرُ، وطيرٌ لا كالطيور، ألا تروا أنه بالألفاظ يسير، وبنور الله يستنير” فالحمد لله فاطر الأرض والسماوات، جاعل الطيور صافات، وكلمات الحق مصفوفات.

ـ ـ ـ ـ

ونادى صيَّاد الكلام الأقلام المأجورة، والذمم المحجورة: أيتها الأقلام اسطروا بنات اللسان، وأخرجوا الحقد الدفين، قولوا قولا شديدا، ولا تقولوا قولا سديدا، ولكم مني عطاء مديدا قالوا: إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين؟؟ قال: نعم و إنكم ستصيرون من المقربين..

فانطلق المهرجان،وصفت الأقلام، وحشرت الأوراق في كل زقاق، بكل لون وبأي مذاق

والكلمة تكبر وتطير في الآفاق، والأعناق تتطاول باشتياق، وكل يرمي الطير لعله يصيده، فيبعه لصياد الكلام فلقد أُعلن المزاد. وسهام الرمي تزداد.

” فمن قناص يصوب رميه، يريد قنص الطير الكبير.

” ومن قائل نمسكه من غير رمي، ليباع في السوق، فإن له لثمنا، والربح فيه وفير…

” ومن مستهزئ بالرؤى والمبشرات، مالها تُتَّخذ للسياسة ذريعة؟ السياسة واقع، والرؤى غيب، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.ناسيا أن الرؤيا حق من الشريعة، ومنار لذوي الألباب الرفيعة، فانظر قصة يوسف الصديق، واقرأ “كتاب التعبير” في دواوين الحديث لعلك تُفيق.

” ومن معيّرٍ بالعُذرية، وأن جهنم لا تتحول إلى جنان، نعم … جهنم هي جهنم لكن لها زفير وشهيق، وصور وألوان، وإن قول الحق في وجه السلطان الجائر لشرعة رفيعة ومنقبة عالية…

” ومن متوعد بأن من أهان سلطان الله في أرضه أهانه الله… صدق والله. حقا من أهان سلطان الله في أرضه أذله الله. ومن سلطان الله؟ أ ليس المومنون الصادقون، والأولياء المتقون؟.

فمن عادى وليا تعرَّض لحرب الله، ومن ابتغى الهدى في غير الصدق أضله الله، ومن غشيت منه البصيرة فلا حول ولا قوة إلا بالله.

ـ ـ ـ ـ

فيا أقلام ابلعي مدادك، ويا أوراق أقلعي… وغيض الحقد واستوت عند الندى، وهبت ريح الصبح القريب، فكانت لقطرة الندى قطرات و أخوات… مبشرين ومبشرات، وميسرين وميسرات، يعذرون كل معذور، ويقبلون من كان على نفسه بصيرا. وألقى بصدق معاذيره…

فيا أقلام الأجر ابلعي المداد، ولا تكتبي إلا بقصد السداد، فإن قول الحق دونه الشوامخ الشِّداد، ومن يرُم صعود العوالي ، يعتصم بذي الأمر الرشيد، المبدئ المعيد. الفعال لما يريد.

فلكِ الله يا نديًّة ياسين، ولكُنَّ الله يا قطرات ندى العدل والإحسان، مبشرات أنتن ومسيرات، معلمات كيف تكمل المسلمات…

لك الله يا ندية ياسين، ولكُنَّ الله يا قطرات الندى. علِّمن الخير للعفيفات، وانتشلن من ظلم الجهل والخرافة والأمية النساء المستضعفات…

وطار الطير الكبير، تاركا الأمر لصاحب التدبير، ينصر من يشاء وهو العزيز الحكيم

وصل اللهم وسلم على النبي الرؤوف بالمومنين و المومنات، وعلى آل بيته الطاهرين، وأزواجه أمهات المومنين، وصحابته الأكرمين، ما طار طير بجناحي التيسير، وما لاح في الأفق نداء التحرير

و الحمد لله العلي الكبير.