من التوافق السياسي والانتقال الديموقراطي إلى التحول التاريخي

ذ.مبارك الموساوي.

1-لمن أراد أن يذكر&

أصبحت نهاية مسلسل الانتقال الديموقراطي الذي دشنه النظام/الدولة مع بعض قوى اليسار وغيره أواسط تسعينات القرن الماضي حقيقة معيشة حتى وإن جعله الموقع الذي تحتله الدولة ضمن حركة المجتمع المغربي، مع احتكارها للإعلام وسلطة التوجيه المطلقة، موضوع الخطاب السياسي النضالي والصحفي والأكاديمي مدة من الزمن. وها قد بان عوار المبادرة حيث تكرست حقيقة الاستبداد بما هو سيد الميدان وبوصلة العملية والتفكير السياسيين في المغرب، كما تأكد أن صفحة الماضي لم تطو، وأن العقلية السائدة منذ عقود، بل قرون- الدائرة بين منطقين متكاملين؛ منطق القمع والتهميش، ومنطق الترويض المفضي إلى الاحتواء الجزئي ثم الكلي- لم تتغير، بل تملك من الوسائل الذاتية ما يمكنها من التكيف مع المعطى الجديد، لكن لا تملك مطلقا، بحكم طبيعتها، أن تجد موقعا ضمن أصول وجود الشعب المغربي، وهو ما يفسر اعتمادها الأسلوب المعروف المبني على المنطقين السالف ذكرهما، إذ هو البديل عن العجز عن التحول إلى أصل مجتمعي “يفعل” في صناعة الأحداث الكبرى ولا يكون جزء من الحركة الاستعمارية المكرسة لواقع التبعية والتخلف والهامشية.

ومع ما سمي بالعهد الجديد، هناك من اعتبر إشارات خطب لحظة تولي كرسي العرش يومها الفرصة التاريخية لتجاوز مصائب الماضي وبناء مستقبل الحرية والكرامة، لكن خاب الأمل حتى كان هؤلاء أنفسهم من ضحايا سياسات العهد الجديد.

وبعد أن انتظر الجميع موقف جماعة العدل والإحسان من العهد الجديد خرجت بخطاب رصين رحيم وواضح ومسؤول، يدرك تمام الإدراك المرحلة التاريخية التي تمر بها الأمة بالقدر الذي يدرك حجم مطالب تلك المرحلة في كل أبعدها التربوية والاجتماعية والسياسية والفكرية وغيرها.

ارتكز اقتراح المذكرة على ثلاثة مطالب:

الأول: رد مظالم الشعب المغربي، كل مظالمه السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وغيرها، وفق مشروع مجتمعي أصيل.

الثاني: إصلاح الإدارة إصلاحا كاملا وتطهيرها تطهيرا شاملا من الفساد والمفسدين. وهو الشيء الذي لم يحصل.

ويشكل هذان المطلبان لدى الدولة/النظام سلاحا أخلاقيا يدل على المصداقية والصدقية فيما تدعو إليه وتبشر به.

الثالث: الدخول، بناء على نتائج المطلبين السالفين، إلى ممارسة ديموقراطية حقيقية يختار من خلالها الشعب المغربي من يحكمه وكيف يحكمه وبماذا يحكمه.

ثم أشارت المذكرة إلى قاعدة التدرج في إنجاز تلك المهام التي إن حصلت ستكون مدخلا إلى تحول تاريخي حقيقي في مسار حركة المجتمع المغربي وفي وجهتها. أما ولم تتحقق تلك المطالب، ولم يظهر أي مؤشر على الاتجاه نحوها، فماذا بعد؟

2-من التقوقع السياسي إلى التحول التاريخي.

إذا كان من الواضح أن الدولة/النظام لم تنجز من تلك المطالب شيئا، بل تمادت في تكريس عناصر الفساد السياسي والاجتماعي وأصوله في المغرب، وهو ما حافظ على واقع التقوقع سواء في اتجاه العلاقات الدولية أو في اتجاه بناء الجسم السياسي والمجتمعي داخليا، كما كرس الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، فهل يظن ظان أن جماعة العدل والإحسان ستقف مكتوفة الأيدي تنتظر أن يأتي من السماء أو من وراء البحر من ينجز مطالب الشعب المغربي.

إن مذكرة إلى من يهمه الأمر جزء من مضمون الميثاق الإسلامي الذي تدعو إليه الجماعة وتسعى لصناعة حركته في الواقع اليومي المغربي ضمن حركة مشروعها المجتمعي، بما هو الخيار الحل لمعضلة المغرب. ولذلك لا يمكن النظر إلى الأفق السياسي الذي تريده العدل والإحسان للمغرب إلا من خلال العلم بمنطلقاتها التصورية المصيرية المرتكزة على ضرورة بناء الشروط النفسية والمادية والاجتماعية لصناعة فضاء الحرية الذي من مقتضياته أن يختار الإنسان ممارسة حق العبودية لله دون تحريف أو تزوير لإرادته، ودون فرض نمط من الحكم والقيم على الأجيال القادمة وحرمانها من حق الاختيار، لأن الحكمة العقلية المشتركة بين بني البشر تقتضي من كل جيل جيل أن يعمل على توفير شروط العيش الحر والكريم تكون فيه إرادة الناس وقدرتهم على الاختيار هي أداة العيش وسلوك فترة العمر، وهذا ما يشكل جزءا مهما من مضمون المرحلة الانتقالية لا على قاعدة التآمر الكواليسي، بل على قاعدة الوضوح بين يدي الشعب يراقب ويتابع ويشارك ويحاسب ويعطي حضوره الواعي معنا للحركة في رمتها.

وقد علمنا التاريخ ما يؤيده الواقع المعيش أنه إذا ما توفرت هذه الشروط في بلاد المسلمين فلا يختار الناس إلا أن يكونوا عبيدا لله الذي فطرهم على الدين، ولذلك، فمن عاكس حركة التاريخ يكون حطاما إن عاجلا أو آجلا. فهل من مستفيد؟ وإنه الإسلام أو الطوفان.

لكن السؤال كيف يحصل ذلك التحول؟

الجواب هو موضوع الحركة التاريخية التي قادها الأنبياء وعلمها وورثها الصالحون في كل زمان، بل وقد شم منها الحكماء رائحة الصواب في كثير من الحركات الإنسانية التي كان له وقع ومعنى في حياة البشر. فتلك الحركة النبوية الصالحة هي القاعدة الصلبة لكل تحول تاريخي في الاتجاه الصحيح.

3-من الغفلة إلى القومة.

القومة هو المفهوم الذي ينقل المعنى الدعوي الوجودي إلى الحقل السياسي ليعطي البعد الأخروي للفعل السياسي والحركي، فتكون حركة المجتمع مشدودة إلى القيم الأصيلة المختارة عن قناعة وحرية، وفي نفس الوقت يٌنقل الخطاب من حالة الركود إلى الفعل، ومن حالة الغفلة إلى حالة المعنى والجدوى، ومن واقع السير على اليدين دون وعي إلى واقع الاستقامة الكاملة والإدراك الشامل. ولذلك كله ثمن& .

واقع الغفلة هو المهيمن على روح الخطاب السياسي في البلاد؛ غفلة عن كيفيات جريان القدر الإلهي وسنن الله في سير بني البشر، وغفلة عما يحيط بهذا الوطن من مكائد ومكر، سواء في الداخل أو الخارج، وغفلة عن التهديدات الحقيقية التي تهدد كيان المجتمع ومستقبله. فكيف يحصل النهوض، ومن هم رجاله؟

في ملف السيدة ندية، يمكن الانتباه إلى مايلي:

أولا: الحدث، وكما أكدت ذلك قيادة الجماعة، لم يكن مخططا له. بمعنى أنه لم يطلب من السيدة ندية أن يكون ذلك مضمون تصريحها، لتجعل الجماعة ردة فعل الدولة المتوقعة موضوعا سياسيا تتم تغطيته بطريقة معينة لأجل أهداف سياسية معينة. هذا كله لم يكن.

ثانيا: أن مضمون المتابعة، الذي يشكل جزء من تصريح السيدة ندية، ليس جديدا، بل قد سبق وأن أثاره الكثير من الباحثين والسياسيين، وأصبح من ملفات صفحة الماضي التي تدعي الدولة/النظام العمل على طيها. ومن ثم فليست القضية هي ذلك المضمون، بل إن صاحب المضمون هو المستهدف.

والذي حدث هو:

أن من حرك ملف المحاكمة جعل له أهدافا سياسية، فحاول أن يلعب ضمن حلبة لم يدرك حقيقتها وحقيقة الطرف الذي جعله خصما فيها.

فقد أبانت قيادة الجماعة على كفاءة سياسية عالية، بحيث استطاعت أن لا تترك مجالا ليمارس أولئك الذين حركوا ملف المحاكمة لعبتهم التي أدركت الجماعة مقاصدها تماما، وحافظت على مصالحها ومصالح الأمة التي هي واحدة غير متميزة ولا منفصلة.

والذي تبين هو أن أولئك الذي حركوا ملف المحاكمة لايعرفون قوة الجماعة لا في الداخل ولا في الخارج وهو ما ظهر من خلال حملة التضامن مع السيدة ندية، ولا يعرفون حجم امتدادها الجماهيري لا في الداخل ولا في الخارج، ولا يعرفون أن لها وزنا إعلاميا وسياسيا في الداخل والخارج، سواء عند الدول أو عند الفعاليات المجتمعية والفكرية والسياسية. هذا رغم الحصار والقمع والإقصاء والتهميش. فخرجت الجماعة منتصرة بحول الله تعالى وعنايته وقوته محققة من الثمرات ما لم يكن في الحسبان.

فهل كل هذا مجرد حدث عابر، وقد شاءت قدرة الله تعالى أن يشغل العالم مدة من الزمن ويجر موجة من التضامن مع السيدة ندية كريمة السيد المرشد عبد السلام ياسين؟

ليس في كون الله عبث كما الأمر يتعلق بحركة دعوة تعلقت كليا بالخالق وجعلت موضوع وجودها الدعوة إليه والنصح له والاتباع الكامل لرسوله، فالناظر في الحدث وتوابعه، بإنصاف وموضوعية، لا يمكن إلا أن يدرك أن ذلك مؤشر على مرحلة من مراحل التحول التاريخي في حركة المجتمع المغربي في أبعادها الدولية والمحلية. أي أن الفعل السياسي والحركي لا يمكن أن يكون مؤثرا في مجريات ومسار حركة المجتمع إلا إذا كان صادرا عن كيان عرف حقيقة التحول الذي يمس كيان من عرف معنى الحديث القدسي: “ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم حراما فلا تظالموا”، ومن عرف معنى “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”، ومن عرف معنى “الأمر بالعروف والنهي عن المنكر”، ومن أولئك إلا أهل الله العارفون بالله رجال القومة والقيام بذلك على مر الأزمنة والعصور.

وخلاصة القول: أما آن للخطاب السياسي في المغرب أن يستقيم ويحدد مطالب الشعب المغربي الحقيقية والملحة، ويؤسس لسلوك سياسي ومجتمعي يحققها على هدوء ووضوح ومسؤولية؟ ذلك ما سيجيب عنه التحقيق بعد التعليق. “وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.