إخواني! أعجبُ العجائب أنَّ النقادَ يخافون دخولَ البَهْرَجِ في أموالهم، والمُبهرِجُ آمن.

هذا الصدِّيق رضي الله عنه يمسِكُ لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.

وهذا عمر رضي الله عنه يقول: يا حذيفةُ! هل أنا منهم؟

والمُخلِّطُ على بساط الأمن.

النــاسكونَ يحـــاذرو *** نَ ومــا بِسيِّئَـــةٍ ألمّوا

كــانوا إذا رامُوا كـلاماً *** مُطلَقاً خَطمُـوا وزَمُّــوا

إِنْ قيـلتِ الفحـــش أو *** ظَهَرَتْ عَمُوا عنها وصَمُّوا

فمَضَوْا وجــاءَ معـاشِرٌ *** بالمُنكراتِ طَمُـواْ وَ طُمُّـوا

ففــمٌ لطُعْـمٍ فاغـــرٌ *** ويدٌ عـلى مــالٍ تُضَــمُّ

عدلوا عن الحَسَنِ الجَمِيلِ *** وللخََنَــا عَمَــدُوا وأمُّـوا

وإذا هـــمُ أَعْيَتْهـــمُ *** أعمــالُهُم كذبـوا وأمُّـوا

فالصدرُ يغلي بـــالهوا *** جـسِ مثـلَ ما يَغْلي المُحَمُّلله دارُ أقوامٍ شغلهم حُبُّ مولاهم عن لذّاتِ دنياهم، اسمعْ حديثَهم إن كنتَ ما تراهم، وخوفُهم قد أزعجَ وأقْلَق، وحِذْرهم قد أتلفَ وأحرقَ، وحادي جِدِّهمْ مُجِدٌّ لا يَتَرَفَّق، كلَّما رأى طول الطريق نصَّ وأعنق ، وكيف يحسن الفتور أوقاتُ السلامةِ تُسْرَق؟ دموعُهم في أنهار الخدودِ تجري وتَتَدَّفَقْ، يشتاقون إلى الحبيب، والحبيبُ إليهم أَشْوَقُ، يا حُسْنَهم في الدُّجى ونورُهم قد أشرق، والحياءُ فائضٌ والرأسُ قد أطرقَ، والأسيرُ يَتَلَظَّى ويترجَّى أن يُعتق.

إذا جُنَّ اللَّيلُ تَغَالَبَ النومُ والسهرُ، والخوفُ والشوقُ في مُقَدَّم عسكرِ اليقظةِ، والكسلُ والتَّواني في كتيبة الغفلة، فإذا حَمَلَ العزمُ حَمَلَ على القيام فانهزمتْ جنودُ الفُتُورِ، فما يطلعُ الفجرُ إلا وقد قُسِمَت السُّهمان، سفرُ الليلِ لا يطيقُه إلا مُضَمَّرُ المجاعة، النجائبُ في الأوَّلِ، وحاملاتُ الزادِ في الأخير.

قام المتهجِّدون على أقدامِ الجِدِّ تحت سترِ الدجى يبكون على زمانٍ ضاع في غيرِ الوصال.

سَقَـوا بميــاهِ أعينِهــم *** هنـاكَ الضَّـالَّ والرَّنْـدا

بأنفـــاسٍ كبــرقٍ في *** أنيــنٍ يُشْبِـهُ الرَّعْــداإن ناموا توسَّدُوا أذرعَ الهِمَمِ، وإن قاموا فَعَلَى أقدامِ القلق، لما امتلأت أسماعهم بمعاتبة “كذب من ادّعى محبّتي، فإذا جنَّهُ الليلُ نام عنّي” حلفَتْ أجفانُهم على جَفَاءِ النوم.

إِنْ كَانَ رِضاكُمُ في سَهَري *** فسـلامُ اللهِ عـلى وَسَني

ما زالت مطايا السَّهرِتَذْرَعُ بِيْدَ الدُّجى، وعيونُ آمالها لا ترى إلا المنزل، وحادي العزم يقول في إنشاده: يا رجالَ الليلِ جُدُّوا، إلى أن نمَّ النسيمُ بالفجرِ، فقام الصارخُ يَنْعى الظلامَ، فلمَّا همَّ الليلُ بالرحيلِ، تشَبثوا بذيلِ السحر.

فاستوقف العيسَ لي فإِنَّ على *** خِلْبِ فــؤادي تَشُـدُّ أَرْحُلَـها

إن دُثِرَتُ دارُها فما دُثِــرَتْ *** منــازلُ في القـلوبِ تنزلُهاقال علي بن بكّار: منذ أربعين سنةً ما أحزنني إلا طلوعُ الفجر.

لو قمتَ في السَّحَرِ لرأيتَ طريق العُبَّادِ قد غُصَّ بالزحام، لو وردتَ ماءَ مدين، وجدتَ عليه أمّةً من الناسِ يسقون.

بـانوا وخُلِّفَتُ أبكي في ديارهمُ *** قلْ للدِّيَارِ: سقاكِ الرائحُ الغادي

وقُلْ لأظعانِهم: حُيِّيْتِ من ظَعَنٍ *** وقُــلْ لواديهمُ: حُيِّيْتَ من وادِيا بعيداً عنهم! يا مَنْ ليسَ منهم! ألك نيةٌ في لحاقهم؟ أَسْرِج كُمَيْتَكَ، واجرُرْ زِمَامَك، يقف بكَ على المرعى.

يا مَنْ يستَهْوِلُ أحوالَ القومِ! تَنَقَّلْ في المراقي تَعْلُ.

قال أبو يزيد: ما زلتُ أسوقُ نفسي إلى الله، وهي تبكي حتى سُقتُها وهي تضحك.

(للمتنبي):ما زلتُ أُضْحِكُ إِبْلي كُلَّمَا نظَرَتْ *** إلى من اختضبتْ أخفافُها بدمِ

مَنْ اقتضى بِسِوَى الهنديِّ حاجتَه *** أجـابَ كلَّ سؤالٍ عَنْ هلٍ بِلَمِقال أبو يزيد: كنْتُ اثنتي عشرة سنة حدّاد نفسي، وخمسين سنة مرآةَ قلبي، ولقد أحببتُ اللهَ حتى أبغضْتُ نَفْسي.

(للخفاجي):ثَوِّرْها نـاشطةً عقــالَهـا *** قَدْ مــلأتْ مِنْ بَدْنِها جِلالَها

فلم تزلْ أشواقُهـا تسوقُهـا *** حتى رَمَتْ من الوَجَى رحالَها

ماذا على الناقةِ من غـرامهِ *** لوْ أَنَّه أنصَــفَ أو رثى لها

أراد أن تشربَ ماءَ حـاجِرٍ *** أريَّها تطلـبُ أم كـــلالَها؟

إنَّ لها على القلــوب ذِمَّةً *** لأنَّهــا قد عَرَفَتْ بَلْبَــالها

كانت لهـا على الصَّبَا تحية *** أَعْجَلَهــا السائقُ أن تنالَـها

وامتدَّتِ الفلاةُ دونَ خَطوها *** كــأنَّها قد كَرهَتْ زوالَــها

فعلِّلُــوها بحديثِ حـاجرٍ *** ولْتَصْنَـعِ الفلاةُ ما بـدا لـها