واحدة تزعم أنها تستمد من النفحات القدسية والأنوار الملكوتية، وواحدة معتزة بثقافتها الإسلامية واطلاعها الواسع، والأخرى حديثة عهد بستر شعرها وارتداء جلباب فضفاض ولُبس جوارب سميكة.

وفي الأخلاق تيبس، وجفاء، وتكبر، وجَدْبٌ ومسغبة في الآداب الإنسانية البسيطة. منفرات معسرات لا مبشرات ميسرات. كأن الإيمان يحملن طابعه، من لم يدْمغنَها بمَيْسَمِهِنّ فهي شاة جرباء، فاسقة مارقة. وكأن الانصياعَ لهن والانضواء تحت لواء رئاستهن معيار تُعرف به الناجية من الهالكة.

لو كانت دعوى تلك صلاحا وهداية، وكان علم الأخرى نافعا، وكان احتجاب الثالثة من آثار التقوى، لخفضن الجناح للمسلمات، ولَما رأين لأنفسهن مزية على أخواتهن في الجنس والدين، ولقدَّرن ظروف المسكينة التي يتناقض ظاهر ملبسها مع ما يعلم الله من صفاء قلبها. في قلبها وَلاء لله ولشرعه، ومِن حولها أسرة لا تسعف، وضغط اجتماعي لما تَقْوَ على تحديه، وحكم ظالم يضطهد المحجبات.

لو كان الصلاح والعلم والتقوى حقائق إيمانية عند أولاتِ الحجاب والمظهر المحتشم لوجّهْنَ اللوم العنيف لأنفسهن يجاهدنها لتتطهر، ولكان حزنهن على قلة إيمانهن شاغلا عن سوء الظن بالمسلمات، وعن سَلْق غيرهن بألسنة حِدادٍ.

تلك هي التربية القرآنية التي نقرأها في سورة الحجرات في قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهن).(سورة الحجرات، الآية: 11) من أدراني أنا الملتفة في ملبس الجسم أن تلك السافرة مقهورة تائبة في قلبها، وأنها عند الله خير مني؟ من أدراني أن ملبس تلك المتبرجة بلاء عابر يرفعه الله عنها يوما ويلبسها أردية الإيمان ويتوجها بتاج الإحسان؟ من أدراني؟ من أدراني؟ ولعلي أكون السبب في هداية فلانة وفلانة فأنال عند الله المكانة.

إن الشخصية المعتزة بذاتها، المُعجبة بأطرافها، المتشنجة سيئة الظن بغيرها لَهي النموذج الكامل للإسلام الأعرابي. أخبر الله سبحانه وتعالى عن حال الأعراب في سورة الحجرات هذه المليحة الزاخرة بالآداب الإيمانية قال: (قالت الاعراب آمنا قل لم تومنوا، ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم).(سورة الحجرات، الآية: 14) كان أعراب عصر التنزيل بُداةً يسكنون الخيام ويرعون الإبِلَ. جفاةٌ لم تهذبهم هجرة إلى الله ورسوله، غُفْلٌ مِن حِلْيَة الأدب الإيماني الذي تعلمه المهاجرون والأنصار في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي الدروس الاستكمالية بمجالس: “تعال نؤمن ساعة”.

الأعرابية في الإسلام تبقى صفة بعد انقراض حضارة البدو رِعاء الإبل، وعلَما على غِلظة في الحِس لم يرققها الإيمان، وكثافة في الطبع لم تلطفها مجالسة أهل الإيمان، وجفوة في الحس والمعاملة والشعور والكلام واللهجة لم تستأِنسها ولم تمِّدْنها آداب الإيمان. هذا إلى سطحية في الفكر وسوء ظن بالعالمين.

قد تكون المسلمة إسلاما أعرابيا من صميم المدنيات المتحضرات. أسلمت ولما يدخل الإيمان في قلبها ففي القلب من قسوة الصخر ودخان الآثام الماضية. لما يدخل الإيمان. (ولما يدخل الإيمـان في قلوبكم).(سورة الحجرات، الآية: 14)

قَلّ مَا نفقه عن الله عز وجل وهو يضرب لنا الأمثال ويُجسم لنا المعاني ليقربها إلى أفهامنا. علامة حزب الله التي قرأناها في آخر آية من سورة المجادلة هي أنهم لا يوادون من حاد الله ورسوله. هي مُقاطعة لأعداء الدين ظاهرة يمكن رصدها وتتبعها. والعلامة الثانية قلبية باطنية، هي الموصوفة في قوله تعالى: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان).(سورة المجادلة، الآية: 12) الكَتْبُ في اللغة معناه ضم طرفيْ جِلد بالخياطة. هل هناك أبلغ من هذا التعبير لتفهيم أن الإيمان نور يقذفه الله في القلوب فتنضم عليه؟

اقرئي يا من تصفحتِ عَجْلى فقرات سابقة تحدثنا فيها عن الكيْف الذي جعله الله سنة لتلاقح القلوب وتقابسها أنوار الإيمان والإحسان.

إذا تنور القلب بأنوار الإيمان انسحبت منه الظلمة، وانفتح السمع ليتلقى آداب الإيمان. نعرف أنكِ على هدى وصلاح وعلم وتقوى بما يظهر منك من تلك الآداب، لا بالدعوى وفصاحة اللسان وسماكة الجورب والعُجْبِ وحب الرئاسة.

خاطب الله عز وجل المومنين والمومنات في سورة الحجرات يعلمهم الآداب العامة بين المومنين والمسلمين. علمهم أولا أن لا يُقدموا بين يدي الله ورسوله، أي أن لا يشترعوا من الدين ما لم يأذنْ به الله ورسوله، وعلمهم أن يتقوا الله، وأن يغضوا أصواتهم عند النبي توقيرا وتعظيما. وأن يُراعوا حُرمته وحرمة بيته، لأن من الأعراب الجفاة الغلاظ من كان يناديه من وراء الحجرات. اخرج إلينا يا محمد!

آداب مع الله ورسوله هي القاعدة والأساس. وعن هذه القاعدة تتفرع الآداب بين المومنين والمسلمين فصلتها السورة تفصيلا، وكملها التعليم النبوي والتربية النبوية.

أمهات هذه الآداب في سورة الحجرات عشْرٌ:

1- أن لا نصدق فاسقاً أو فاسقة جاءتنا بنبإ حتى نتبين صحتَهُ، مخافة أن نؤذِي أحدا عن جهل وسوء ظن.

2- الاعتراف بمنة الله علينا إذْ حبب إلينا الإيمان، وكَرَّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان.

3- أن نصلح بين المومنين والمومنات في القتال والخصام. لا أن نوقد النيران.

4- أن نرعى حق الأخوة الإيمانية. وهذا إزالة يوجبها الإيمان للحواجز التي تمنع المومنات من التواصل والتحاب والتعاون على البر والتقوى عَبْرَ الخصوصيات التنظيمية وغضا للطرف عن الخلافات الجزئية.

5- أن لا يَسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن عند الله.

6- أن لا يَلْمِزَ بعضنا بعضا. اللمز أن يطعن بعض الناس على بعض، وأن يغتابوهم وينقصوا من قدرهم. (ويل لكل همزة لُمزة).(بداية سورة الهمزة) تهديد ووعيد. نعوذ بالله.

7- أن لا نتنابز بالألقاب، فيُسمي بعضنا بعضا بأسماء لا يحبها.

8- أن نتجنب كثيرا من الظن. فالمومنات الكاملات والمومنون يسبقون حسن الظن بالله وبعباده. مع الحذر. “لستُ بالخَب ولا الخَبّ يخدعني” كلمة لأمير المومنين عمر. وقال عمر رضي الله عنه. “لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المومن إلا خيرا وأنت تجد لها في الخير مَحْمَلا”.

9- أن لا نتجسس. بل نستر المسلمين ونكتُم أسرارهم ما لم يكن ضرر ذلك فادحا على الغير.

10- أن لا يغتاب بعضنا بعضا.

هذه هي أمهات الآداب التي جعلها الله سبحانه مقدمة في سورة الحجرات ليخاطب بعدها الإنسان، من حيث هو إنسان، يدعوهُ لرفق الإسلام وظل الإسلام الذي يُؤوِي في تلطفه وتبشيره وتيسيره وآدابه النَّادّين عن الله الجاهلين برحمة الله. قال تعالى: (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عن الله أتقاكم. إن الله عليم خبير).(سورة الحجرات، الآية: 13)

ترتيب آيِ القرآن حكمة يكتشفها من يتفكر ويتدبر. جاءت آية الدعوة لِتعارُف الناس وتفاضُلهم وتكارمهم بالتقوى بعد آيات الآداب العامة، وقبل الإخبار عن حال الأعراب الذين قالوا آمنا، وهم إنما أسلموا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم. كأن ترتيب الآيات يشيرُ إلينا مِنْ طَرْفٍ لطيف لنستعِدّ بأجمل ما فينا من آداب نستقبل بها الوافد علينا من بني الإنسان. وكأن الترتيب يقول للوافد: لا تحكم على خير أمة أخرجت للناس بتصرف الجفاة من المسلمين إسلاما أعرابيا، بل تخلق بالآداب الإسلامية الرفيعة مع المومنين كاملي الإيمان.

كمّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الآداب العامة فعلّم أن “حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس”. متفق عليه من حديث أبي هريرة. وفي حديث متفق عليه من طريق البراء بن عازب أن حق المسلم على المسلم سبعٌ: عيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبْرار القَسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام.

وعلّم صلى الله عليه وسلم احترام المسلمين وصَوْن كرامتهم. بل جعل حُرمتَهم من حُرمة الله، وإجلالهم من إجلاله. قال عليه الصلاة والسلام: “إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبة المقسط، وحامِل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي فيه، وإكرامَ ذِي السلطان المقسط”. رواه الترمذي عن أبي موسى الأشعري بسند حسن. يعني الحديث توقير المسلمين وتعظيمهم لسابقتهم في الإسلام شابوا فيه، ولعلمهم، ولعدلهم.

وشدد صلى الله عليه وسلم النكير على من يُخل بكرامة المسلمين ويتخلى عن واجبه في إكرامهم وبِرّهم، فقال: “ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمرْ بالمعروف وينه عن المنكر”. رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه بسند حسن.

وأمر صلى الله عليه وسلم أن لا نحُط مِن مكانة مسلم ومسلمة قولا أو فعلا، وأن نَفْسَحَ في المجلس للقادم، وأن نبتسم في وجه الناس، وأن نقول الكلمة الطيبة، وأن لا نحقِر من المعروف شيئا من خِدمة صغيرة نقدمها، أو شفاعة، أو قضاء حاجة.

كان هو صلى الله عليه وسلم يسلم على الصبيان والنساء كما يسلم على الرجال. ويسمي الناس بأحب أسمائهم إليهم، وهي الكُنية (أبو فلان أو أم فلان). مر يوما على صبي كان يلعب بطير يُسمى نَغْراً، ثم مر عليه فلم يجد معه النغر فسأله: يا أبا عمير، ما فعل النغَيْر؟

ملاطفة أين منها الحرب التي أعلنتها فلانة على الخالة والعمة يوم وضعت على شعرها رُقاقة من ثوب! قاطعت الأقارب ونفَرت، كأن المسلمين نجس لا يطهُر، وكأن العاصيات لربهن بكشف ما أمر بستره حقهن عليها في الإرشاد والتنبيه اللطيف والوعظ والتعهد الصابر المثابر غيّبَهُ وألغاه فهمُها الجافي العنيف لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. آداب هي وجه الإسلام. فانظري يا أخت كيف تحببين جماله وكماله للناس.

اللهم ارزقنا الفهم عنك والتأدب معك ومع خلقك.