سؤال: أجلت المحكمة الابتدائية بالرباط محاكمة الأستاذة ندية ياسين ومدير جريدة الأسبوعية الجديدة إلى أجل غير مسمى. ما هو تقييمكم لهذه المحاكمة؟

جواب: بسم الله الرحمن الرحيم. أعتقد أن محاكمة الأستاذة ندية ياسين لم يكن لها أي مسوغ البتة، إلا أن يكون الغرض هو التأكيد على أن المرأة في ظل مدونة الأسرة الجديدة ينبغي أن تنال نصيبها كاملا من المتابعة والملاحقة والمتابعة والاعتقال كأخيها الرجل. إن هذه المحاكمة تعتبر ورطة حقيقية بكل المقاييس، ساقتها القدرة الإلهية لتفضح كل الشعارات البراقة المرفوعة في ما يسمى بالعهد الجديد، وتبين، إن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من البيان، زيف الادعاءات والمكتسبات الرائدة التي يروج لها حماة المخزن بكل أطيافهم، سواء منهم الذين يسمون بالحرس القديم أم من التحق بهم من “المناضلين الجدد”.

لقد رأينا جميعا، ورأى كل من حضر الجلسة الأولى، يوم الثلاثاء 28 يونيو، من محامين وصحافيين مغاربة وأجانب ورؤساء وممثلي الجمعيات الحقوقية وغيرهم كيف مرت تلك الجلسة في جو يثير ضحكا أشبه بالبكاء. لقد شاهد الجميع صورة حية كيف يشتغل القضاء عندنا، الذي زعموا أنه يتمتع بكامل الاستقلالية. لقد كانت مهزلة من البداية إلى النهاية كما شهد وتحدث بذلك كل من حضر. فلأول مرة، حسب ما تذكر هيئة الدفاع، أن المحكمة توصد في وجوه المحامين ولم يتمكنوا من الدخول إلا بعد احتجاجات شديدة، ثم يتقرر تأجيل المحاكمة دون طلب من الدفاع ودون أن يحدد موعد الجلسة القابلة ليزيد كل ذلك من كثافة الشكوك حول إمكانية المحاكمة العادلة. بل إن الذي راج بقوة داخل قاعة المحكمة أن الحكم في هذه النازلة، كما كان الشأن دائما في المحاكمات السياسية، سيتقرر في مكان آخر، وربما في آخر لحظة، ليتأكد مرة أخرى أن يد المخزن، على ما بها من علل، ما زالت جريئة تستخف بالعقول وتعبث بمصالح البلاد والعباد.

سؤال: من خلال تأجيل المحاكمة إلى أجل غير مسمى، ما هي الإشارات التي أراد النظام إرسالها إلى جماعة العدل والإحسان؟

جواب: علم ذلك عند الله جل وعلا ثم عند المسؤولين، هذا إن كانت هناك أصلا إشارات يودون إرسالها، وإن كنت في الواقع لا أدري ما الداعي للإشارات عوض العبارات الصريحة. أعرف أن هناك من لديه ولوع شديد بالتخمينات والتكلف في التفسير إلى حد التعسف في التأويل على اعتبار أن كل شيء لا بد وراءه رسالة مشفرة ينبغي فك رموزها لفهم مضامينها. وإلا إن كان هذا صحيحا في حالات فإنه ليس مضطردا في كل الحالات. ثم إني أستبعد كثيرا أن يكون هناك من أصحاب القرار من جلس وفكر وقدر ثم قرر أن يرسل من خلال تأجيل المحاكمة إشارة ما أو إشارات إلى العدل والإحسان، فإذا حصل هذا بالفعل فمعناه أنه لا زالت هناك بقية من حياة في جهاز مخزننا العتيد. لكن الواقع يؤكد خلاف ذلك. فالأزمات الخانقة، والأخطاء المتوالية، والسياسات الفاشلة، والمشاكل المتراكمة كالجبال، والعجز عن فهم احتياجات العصر، والسير ضد تيار الإصلاح والتغيير بكل عناد وإصرار… كل ذلك ينم عن عطب عميق في جهاز التفكير والتدبير. وهل كنا في حاجة إلا هذه المحاكمة الفضيحة لو كان هناك شيء يسير من الكياسة والنباهة؟

سؤال: سبق موعد المحاكمة قيام جماعة العدل والإحسان بتعبئة مناضليها. ما هي الرسالة التي أرادت الجماعة إرسالها إلى المسؤولين من خلال عملية تجييش أتباعها؟

جواب: دعني أصحح بعض العبارات. كلمة أتباع غير مناسبة، وإنما المناسب واللائق أن نقول أعضاء. وأعتقد أنه يكفينا ما نلاقيه من حكامنا من ظلم وملاحقات واتهامات، فلا تضيفوا -معشر الإعلاميين- ضغثا على إبالة. أما ما ذكرت من “تجييش” فالأمر ليس كما تقول. ولو أردنا التجييش لضاقت شوارع الرباط عن استيعاب أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها. إنما الذين جاؤوا أو تمكنوا من المجيء والاقتراب من المحكمة هم بعض أعضاء جماعة العدل والإحسان من الرباط وسلا وتمارة. وقدومهم للتعبير عن مؤازرتهم لواحدة من الأعضاء البارزة في الجماعة كان شيئا طبيعيا. ولا أفشي سرا إن قلت بأننا بذلنا جهدا كبيرا لضبط العواطف. فوقع الظلم على النفس كبير، والنفس الكريمة لا شك تعطف على المظلوم، أيا كان، فإذا كان هذا المظلوم يحظى بتقدير خاص وبمحبة سابغة، فلا شك أن الوقع يكوم أبلغ. ولا أبالغ إن قلت إن الجميع مستعد ليفتدي الأستاذة ندية بنفسه. من هنا تعلم الجهد المبذول من أجل ضبط النفس.

سؤال: كيف تنظرون بعين راصدة إلى تعامل الإعلام الحزبي والمستقل مع قضية متابعة ندية ياسين حول مضامين الحوار الذي أجرته معها جريدة الأسبوعية الجديدة؟

جواب: الإعلام الحزبي عموما تعامل مع القضية من منظور حزبي ضيق، للأسف الشديد، وتحرك في نفس الاتجاه الذي ذهب إليه المخزن. ولا شك أنك قد اطلعت على البيانات والمقالات والتصريحات التي تجاوزت الاعتراض والنقد إلى السب والشتم بل إلى استعداء المخزن وتحريضه على عدم التساهل مع الأستاذة ندية لتكون عبرة لغيرها. ومن عجائب الزمان أن القائلين ليس فقط حماة المخزن التقليديين، وإنما دخل على الخط مجموعة من “الحداثيين” المتشبثين  حسبما يقال والله أعلم- بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الصحافة والتعبير. أما الإعلام المستقل “ففيه وفيه”، فمنهم من كان موضوعيا وعرض وجهات النظر المؤيدة والمخالفة، ومنهم من حاول أن يكون موضوعيا إلى حد معين، ومنهم من تخندق، لسبب أو آخر، مع المخازنية. وكل ينفق مما عنده. وعلى كل حال فالاستقلالية شيء نسبي، ولا سيما في بلد كبلدنا الذي يقمع الحريات ويكمم الأفواه ويقيم الدنيا ويقعدها من أجل كلمة فما بالك إذا تحدث الناس بالصراحة المطلوبة.

سؤال: في تصريح له لقناة الجزيرة القطرية ذكر الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان بأن هناك جهات لم يذكرها بالاسم تؤيد الاصطياد في الماء العكر. من هي هذه الجهات التي يقصدها الأستاذ أرسلان في تصريحه؟

جواب: يقال تفسير الواضحات من الفاضحات. وليس المهم اليوم ذكر الأسماء، وإنما المهم أن هناك بالفعل جهات نافذة لا يعجبها خط جماعة العدل والإحسان وترى فيها خطرا داهما على مصالحها ومكاسبها ومغانمها وامتيازاتها وغير ذلك مما استأثرت به من دون الناس، ليس عن جدارة واستحقاق، وإنما ظلما وعدوانا. فهل تتصور أن هذه الجهات ستكون مرتاحة أو محايدة تجاه الجماعة وفرحة بتوسعها المضطرد. لا شك أنها تبذل قصارى جهدها وتستغل كل الفرص من أجل النيل من العدل والإحسان وتحجيم نفوذها على الأقل، بعد أن يئست من محاولة القضاء عليها. لكن سنة الله الماضية إلى يوم القيامة أنه لا يصلح عمل المفسدين، وأن الحق يعلو ولو بعد حين وأن العاقبة أبدا ودائما للمتقين.