من يدلنا على الله؟ هل مثل هذا السؤال يطرح وبين أيدينا كتاب الله وسنة رسوله؟

تقول إحداهن: “يا أختي! كنت في غفلة وجهل وإعراض عن الدين حتى لقيت من دللنني على الإسلام بحماسهن. قلن إن الإسلام هُوَيتنا وأصالتنا. وقرأت في كتابات بعض رواد الصحوة الإسلامية أن الإسلام “قومية فكرية”. وألتقي بأخريات محجبات يقرأن القرآن ويصلين، وهن منخرطات في حركة إسلامية تدعو إلى الله، لا يطرحن هذا السؤال، ولا خبر عندهن بإسلام يؤسس عليه إيمان، فإحسان يتوج الإيمان، ويرتفع بنا إلى ذُرى الكمال.

فما هذا الفقه الغريب؟ أبدعة وخرافةٌ وافتراء!”

إن الفقه المكتوب المقرَّر المقروء يبقى عرْضا باردا، وتراثا منسيا، و”أصالة” تجاوزها الركب، وغُربَةً وسط غربة. الجادون في دينهم بين العابثين غرباء، والصاحون بين النائمين غرباء، والسائلون والسائلات عن الإحسان وفقهه غرباء بين المنكرين لأصل وجود شيء يسمى إحسانا، والقلوب الريّا بحب الله، المريدة لوجه الله بيئة غريبة بين غرباء الغرباء.

“اللهم ارزقني محبتك ومحبة من تنفعني محبته عندك”. على هذا الحديث وأمثاله نتفقه. وعلى حض حبيب الله صلى الله عليه وسلم المومنين والمومنات على البحث عن بيئة حية ورفقة مُنهِضة. قال: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالِلُ”. رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه. أوصى حبيب الله أحدَنا وَإِحدانا بالبحث والنظر عن خُلة في الله، وبيئة تربوية مُنهِضة إلى الله. ما أوصى بأن يزيد أحدنا كتبا إلى مكتبته، لأن القلوب إنما تقتبس من القلوب. اقرئي ما شئتِ، واسمعي ما شئتِ من محاضرات تنير العقل وتشرح وتصف. لكن من أين لنا بلَمْسَةٍ عُلْوِيّةٍ تسري إلى مجامع القلب؟

أوصى الرب العليم الحكيم حبيبه صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم، لا ليكتسب هو من رفقتهم وخُلتهم إيمانا. كيف وهُو نجيُّ الرحمان، ومصدر أنوار الوحي، وجليس الملائكة! لكن أوصاه لتسمع فلانة وتتفقه وتطمئن إلى أن صحبة جماعة حية بحياة الحب في الله شرط من شرائط السير إلى الله، والقرب من الله.

من كان رأس مالها سوء الظن بالله وبعباد الله فحَبَّتها ما انفتقت لأن الأرضَ قاحلة، قاسية قسوة الصخر. قلب قفر، قلب قبر.

وتذبُل غرسة التائبة، وتموت يقظتها، وتنطفئ جذوتها إن لم تَصِلْ قناة قلبها ببيئة رَوِيّة.

غريبات من يطلبن الآخرة وسط بنات الدنيا، غريبات من يطلبن درجات الآخرة بين من لا خبر عندهن بدرجات الآخرة، غريبات بين كل أولئك من يطلبن وجه الله، ويُرِدْنَ وجه الله، ويدعونه بالغداة والعشي لينصقِل القلب فيلقين ربهن بقلب سليم.

من لم تَلسعها لواسع الشوق إلى الله وهي في مقتبل العمر فهي قفص بلا طائر. من لم يغُمَّها الندم على شطر عمر انقضى لم تسع فيه للتحقق من أن الله عز وجل قريب مجيب يُحَبّ ويُحِب فهي أرض مَوَات. من أشرفت على القبر دون أن تعلَم وتتعلم أن الآخرة درجات، وأن من إماء الله من اكتملن، وأن العقلاء لا يلعبون بدينهم حين كتبوا “إحياء علوم الدين”، وحين دعوا إلى مأدُبة الله وباب القرب من الله، فهي ورقة يابسة سقطت من شجرة الحياة.

أشِرْكٌ هو أن ندعُو الله كما دعاه حبيبه ورسوله المصطفى أن يرزقنا محبته ومحبة من تنفعنا محبته عنده؟ أهو شِرك رَجاء أنَس بن مالك أن يلحقه الله بأبي بكر وعمر ببركة محبته للنبي وأبي بكر وعمر؟ آه! آه! ما فعل الفقه النفطي، وما فعلت النضالية الحركية، وما أطَّرا وما داسا بالأقدام من جوهر الدين ولبه وثمرته!

كان الصوفية رحمهم الله، ولا يزالون، يدعون الناس للدخول من أبواب التوبة إلى الله، فالزهد في الدنيا، فالتوكل، فالرضى، فالشوق، فالمحبة، فالأنس. إلى آخر مقامات السلوك. كل ذلك بعيدا عن حمل عبء الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا في الأرض.

ودّعنا ذلك الانزواء. وجمع الفاحصون في الأوراق مثال متصوفة مخرفين، وآخرين سُكارَى، فهم يدعون لنبذ “الشرك الصوفي”. يا ليتهم قرأوا فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية من الجزء الأول إلى دفة الجزء الخامس والثلاثين ليقرأوا من عجائب الاعتقاد في الحلول الجزئي السائغ! وليقرأوا الفارس الصادق يؤنب إخوانه مِن داخل سجن موته على خصاصتهم في “الوجد”. ما هو الوجد يا أخت الإسلام؟

تبحث المومنة عن جماعة المومنات يجمعهن حب الله وحب رسول الله، تجمعهن رابطة القلب كما تجمعهن رابطة الفكر. تجمعهن رابطة العمل الجهادي كما تجمعهن رابطة العِلم الجهادي.

ولا تنس المومنات في هذه الجماعة أو تلك أن من شرائط الإيمان وَلاية أهل الإيمان مهما اختلفت الآراء، ومهما تفاوت الفهم، ومهما تخصَّص التنظيم. حب الله ورسوله لا يُضيق الأفق بل يوسعه، حتى نحب في الله كل من نطق بلا إله إلا الله. فأحْرى مَن تجند لنشر عقيدة لا إله إلا الله، فأحرى من عرضن أنفسهن للبلاء فداء لعقيدة لا إله إلا الله.

بعد هذا فالمجالسة في الله اصطفاء واختيار. ولتنظر المومنة في قلبها لترى في أي مجلس يتنور. فإن من المجالس والتجمعات ما يلهب الحَماس كما تُلهب نار الحريق، والنتيجة حُراقٌ وسَوَاد في القلوب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير. فحامل المسك إما أن يُحْذِيَكَ (يُعطيك من مسكه)، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيبة. ونافخ الكير إما أن يُحرق ثيابك، وإما أن تجد منه رائحة خبيثة”. رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. الكيرُ منفاخ الحداد. وفي عصرنا يُضرَبُ المثل لبعض التجمعات السياسية النضالية بما تنفثُه المداخن الملوِّثة.

إن حزب الله واحد، عرّفه القرآن الكريم في آخر آية من سورة المحادلة بأنهم:

1- لا يوادُّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.

2- كَتَبَ الله في قلوبهم الإيمان. فهم أهل قلوب خاشعة لله، أهل مسجد وصلاة وقرآن.

3- أيدهم الله برُوحٍ منه. وهو سبحانه لا يؤيد المنافقين في الدين.

4- يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ويرضى عنهم ويرضون عنه.

إنها صفات لربانيين وربانيات لهم بالله عز وجل صلات قلبية، ولهم إليه طاعات، ومنه إليهم رُوحٌ وتأييد ونور. أولى سماتهم أنهم لا يوادون من حادّ الله ورسوله. وإنكِ يا أخت الإيمان تجدين في الساحة النضالية مُتخمين ومتخمات بالفكر النفاقي النضالي المتمسلم. إن كان لكِ قلب، وكان لكِ مع الله ساعات مناجاة، وكان لكِ بالصادقات صلات، فستلمحين على وجوه المنافقات والمنافقين سُخَام نافخي الكير. فإن لم تَلْمَحي فتعجّبي من الحلف الشيطاني بين أعداء الإسلام الأقحاح الوِقاح الجريئين وبين المنافقين المتلبسين. عبرةٌ لنا بما فعل “مجاهدو خلق” المنافقون بإيران.

إن للحب في الله حدودا. جليسات المسك الذاكرات الله كثيرا حزب واحد مع المومنات المسلمات الصادقات المصليات. والمُبعَداتُ والمُبعدون يُعرفون بسيماهم، ويعرفون بمواقفهم وأحلافهم.

دعِي وَعِلَ النفطِ ينطَح في صخرة الغزالي، واحذري من نافخات الكير مِدْخناتِ إبليس وتعالين نسمع لبعض الوعظ القادري عسى أن يوقظ فينا حُشاشة حب الله.

قال رحمه الله: “ويحكَ قد خرست! استغثْ بالله! ارجع إليه بأقدام الندم والاعتذار حتى يخلِّصَك من أيدي أعدائك ويُنجيك من لجة بحر هلاكك!(…). أنت مستظل بشجرة الغفلة! اخرج من ظلها وقد رأيت الشمس وعرفت الطريق. شجرة الغفلة تُربَّى بماء الجهل، وشجرة اليقظة والمعرفة تُربى بماء الفِكر، وشجرة التوبة تربَّى بماء الندامة، وشجرة المحبة تربَّى بماء الموافقة.(…). قد كان لك عذر وأنت صبي وشاب إلى الآن. قد قاربت الأربعين أو قد جاوزتها وأنت تلعب بما يلعب الصغار”.

وقال رحمه الله: “من أراد الفلاح فليصبر نفسه عن المحرمات والشبهات والشهوات. ويصبر على أداءِ أمر الله عز وجل والانتهاء عن نهيه، وعلى الموافقة لِقَدَره. القومُ صبروا مع الله عز وجل ولم يصبروا عنه. صبروا له وفيه. صبروا ليكونوا معه. طلبوا ليحصُل لهم القرب منه. خرجوا من بيوت نفوسهم وأهويتهم وطباعهم، واستصحبوا الشرع معهم، وساروا إلى ربهم عز وجل، فاستقبلتهم الآفات والأهوال والمصائب والغُموم والهموم والجوع والعطش والعُرْي والذل والمهانة فلم يبالوا بها، ولم يرجعوا عن سيرهم. لا يزالون كذلك حتى يَتحقق لهم بقاء القلب والقالب”.

قلت: هكذا صبر الصوفية في صوامعهم وزواياهم. ساروا إلى الله وبحثوا عن صِقال لقلوبهم في رفقة مغلقة، وعَبْر امتحانات فردية. وتلك طريق.

والجادة النبوية جهاد، وصبر على بلاء مخالطة الناس، ومجالدة الأعداء من الوَقِحين والمنافقين، ومساهمة في بناء كيان الأمة مساهمة تخدم بإخلاصها وسمو مرماها، وتوجهها الدائم بالنية والدعاء والذكر، قضية مصيري الأخروي، وقضية عروجي القلبي، وقضية صفائي الروحي. يامن تريدين تغيير المجتمع وقضية إيمانكِ منسيَّة، وقلبُكِ لا تدرين صفا وسلِمَ أم أظلم وعتِم.

قال عبد القادر قدس الله سره: “الصبر سبب للرفعة والنصرة والمعزة. اللهم إنا نسألك الصبر، ونسألك التقوى والكفاية والفراغ من الكل والاشتغال بك ورفع الحجب بيننا وبيْنك.(…) تَعْملُ ويكون قصدُك رضى المستعمِل وقربه. فالأجرة تكون رضاه عنك وقربك منه دنيا وآخرة. في الدنيا لقلبك، وفي الآخرة لقالبك.(…). ويحك! خلْق وخالق لا يجتمعان، دنيا وآخرة في القلب لا يجتمِعان، لا يُتصور، لا يصح، لا يجيء منه شيء! إما الخلق وإما الخالق! إما الدنيا وإما الآخرة”.

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.