المغرب أكبر قاعة انتظار في العالم!!

خمسون عاما من العبث أثمرت وطنا أشبه ما يكون بقاعة انتظار كبيرة. الكل في هذه القاعة في حالة انتظار، كأنهم ينتظرون غودو.

الفوارق الاجتماعية والمجالية المتفاحشة تنتظر تقليصا؛ والفقر الذي سحق الطبقة الشعبية وأتبعها الطبقة المتوسطة ينتظر من يقضي عليه؛ والمال العام المنهوب ينتظر حماية؛ والرشوة المنتشرة انتشار الوباء مع شقيقاتها العلاقات الزيونية واستغلال النفوذ تنتظر تطهيرا؛ والدعارة العفوية والمنظمة عبر شبكات وطنية ودولية تنتظر من يمسح العار عن المغاربة؛ والمخدرات المنتشرة بين الشباب وخاصة في المؤسسات التعليمية تنتظر تربية وتشريعات صارمة لردع الفساد والمفسدين؛ والمعطلون من حملة الشواهد العليا، ينتظرون كل يوم أمام البرلمان حوارا جادا وتفهما لمطالبهم المشروعة واستجابة لحقهم في الاندماج الاجتماعي؛ والعاملون، بأجورهم التي سحقتها مؤشرات المعيشة المرتفعة والضرائب المتعددة، ينتظرون زيادة في الأجور؛ والأوضاع الصحية المتدهورة المتروكة بيد الله تنتظر إصلاحا لمنظومة عبث بها الفساد والمفسدون؛ وضحايا النجاة ينتظرون تعويضا؛ والمكفوفون ينتظرون إنصافا؛ وأطفال الشوارع ينتظرون حنانا؛ والجائعون ينتظرون خبزا؛ والمرضى ينتظرون تطبيبا؛ والأميون ينتظرون تعليما؛ والمتقاضون ينتظرون عدلا؛ والمحكومون لهم بالعدل ينتظرون تنفيذا للأحكام القضائية؛ والمرأة تنتظر مدونة منصفة؛ والشبيبة تنتظر فرصة العمر التي قد يأتي بها قارب من قوارب الموت لـ “تحرك” للضفة الأخرى؛ والطفولة تنتظر فضاءات للعب؛ والتعليم ينتظر إصلاحا؛ والإدارة تنتظر تطهيرا؛ والمقاولة تنتظر تأهيلا؛ والبيئة تنتظر حماية؛ والحكومة تنتظر تعليمات؛ والمعارضة الخفيفة تنتظر إشارات؛ والمعارضة الثقيلة تنتظر، في شماتة، انهيار الأوضاع لتتقدم بالحل الوحيد.

الكل ينتظر؛ على إيقاع الانتظار القاتل لشخصيات مسرحية صامويل بيكيت. ورغم رتابة زمن الانتظار وقسوته وعبثيته، فلا أحد في هذه القاعة، فيما يبدو، مل الانتظار!!!

ولنا أن نختار للخروج من مأزق هذا الانتظار القاتل بين البناء الجماعي لمستقبل نتراضى بالحوار الوطني حول شكله ومضمونه، أو الاجترار الجماعي لانتظاراتنا. ولعل اليوم الذي يحل فيه، لا قدر الله، طوفان الاضطراب الاجتماعي والسياسي كفيل بأن يعلمنا أنه دائما “الحوار أو الطوفان”!

وإذا كان الحوار الوطني من حيث المبدأ استراتيجية ذكية وحضارية للانتقال، فإن الطوفان بدوره لا يقل ذكاء وإن يكن أقل تحضرا.

الطوفان مدرسة جيدة للتأهيل القيصري لطبقتنا السياسية التي يبدو أنها تستعصي على التأهيل الطبيعي. فهو معلم قاس. لأنه المعلم الوحيد الذي يمتحننا ثم يعطينا الدرس بعد ذلك!! وفيم يفيد درس وقد فات الامتحان!؟ فيم يفيد حوار وطني، وميثاق وطني، ومصالحة وطنية، وسياسات عفو وقد ارتكبت من الفظاعات ما لا يقبل الاعتذار، وضيعت من الفرص والمواعيد ما سيجعلنا نستنزف أجيالا أخرى للحاق بركب التاريخ!؟

إن تجارب الانتقال الديمقراطي التي تعطينا انطباعا أوليا بوجود تحولات كبرى هادئة ما هي، عند التدقيق، إلا تجارب أمم ألجأتها قساوة دروس السياسة المتوحشة والحروب الأهلية، بشكل متأخر وبعد ارتكاب الفظاعات التي لا تقبل الاعتذار، إلى الحوار الوطني! لبنان وإسبانيا وجنوب إفريقيا ودول أمريكا اللاتينية أمامنا. ولذلك، لا ينبغي أن يغيب عنا أن مفاهيم الحوار الوطني، والميثاق الوطني، والمصالحة الوطنية، وسياسات العفو… ليست تعبيرا عن سمو أخلاقي وعمق فكري ونضج سياسي طبيعي عند الطبقة السياسية. إن هذه المفاهيم غالبا ما تعبر عن تأخر فظيع في نمو حاسة الشعور بالآخر، والوعي بضرورة المنافسة السياسية النظيفة، والبناء الجماعي للوطن.

وإذن من المؤكد أن التاريخ أقسى معلم وأن الطوفان مدرسة جادة من شأنها أن تؤهل طبقتنا السياسية للمستقبل بشكل جيد!

إن هذا المعلم القاسي جدا، يفزعنا بقسوته وبدروسه المرعبة. ولا يبعث الأمل في نفوسنا بإمكانية التحول دون طوفان؛ أي دون اضطراب اجتماعي وسياسي وحروب أهلية، سوى الأمل في أن تستطيع طبقتنا السياسية استباق الزمن، فتتعلم الحوار بإعمال العقل وبعد النظر، قبل أن يتكفل، مشكورا، الطوفان بتلقينها ما عجزت عن إدراكه في وقته وبالنظر العقلي السليم.

أعتقد جازما بأن الكل سيقتنع عاجلا أو آجلا، من ألجأه التفكير السليم ومن ألجأته الضرورة، من اختار الحوار مبدأ لتدبير الاختلاف واللاعنف أسلوبا للتغيير ومن اختار الإقصاء منهجية والعنف وسيلة لتحقيقه، بأن ميثاقا وطنيا على أرضية نتراضى حولها هو المدخل الصحيح والمخرج الوحيد للمأزق التاريخي الذي ارتهننا فيه العدوان الخارجي (الاستعمار) والعدوان الداخلي (الاستبداد السياسي). فبالطوفان أو بدونه الحوار قدرنا.