أثار الحوار الصحفي الذي أجرته جريدة الأسبوعية الجديدة في عددها 33 مع الأستاذة ندية ياسين المسؤولة في القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان، ردود فعل متفاوتة تراوحت بين نمطين متعارضين، نمط تقليدي يعيش دائما في حالة تأهب للدفاع بكل الطرق الديماغوجية عن التقليد والمألوف والرأي الواحد، ونمط تجديدي يتنفس هواء نقيا خاليا من التبعية والانبطاح والمدح السخي من جهة، وبعيدا عن التنطع والتحجر من جهة أخرى.

النمط الأول اعتبر أن تصريحات ندية ياسين مجرد مزايدة سياسية لأنها تبحث عن موقع لها تحت الشمس، وهي لا تخدم المصالح العليا للوطن، بقدر ما تستغل فضاء الحريات ” المبالغ فيه ” داخل المغرب لفك العزلة عن جماعتها المحاصرة، أو لربما لتنفيذ رغبة أمريكية.

أما النمط الثاني فلا يرى في ذلك مسا بأية مقدسات، ولا اتهاما لأي شخص في ذاته، ولا مزايدة، ولا مغامرة، ولا خروجا عن العقل، ولا استجابة لأمريكا أو أوربا، وإنما هي دعوة منظمة ومنتشرة على أوسع نطاق ومنذ زمن ليس بقصير (1974)، ترى أن الذي يسيء إلى مقدس الوطن هو الذي ينهب خيراته ويسرق ضيعاته ويعطل طاقاته، ويقيد حرياته، ويقصي أكثر فئاته، ويستحوذ على كل مجالاته…

فبينما يرى النمط التقليدي بكل ألوانه السياسية والثقافية أن المغرب بلد الحق والقانون تقتدي به الأمم في الديمقراطية، تعطى لكافة أفراده وهيئاته كل الحقوق، مثلما يطبق القانون على الجميع من غير استثناء، يرى النمط التجديدي (جماعات، علماء، مثقفون، حقوقيون، صحفيون، أفراد…) أن المغرب- كباقي الدول العربية- وعلى لسان كل الجمعيات ومراكز البحث والدراسة الحقوقية الوطنية والدولية، ما زالت تنتهك فيه حقوق الإنسان بأبشع صور الانتهاك، وتداس فيه القوانين صباح مساء، بفعل روح البيروقراطية و”التعليمانية” و”الظلمقراطية” التي تنخر في أحشاء الإدارة المغربية في مختلف الأصعدة.

وعندما يدعي التقليديون أن النظام السياسي في المغرب- حاليا- نظام مقدس وديمقراطي في نفس الوقت! عريق وحداثي! وحيد ووحداني! ينبغي حفظه والتشبث به والدفاع عنه ضد كل من سولت له نفسه أن ينتقده أو يكشف بعض عيوبه، لأنه من معاني المقدس أنه كامل ومغلق وفوقي، وليس كمثله نظام.

يتعجب العقلاء من هذه السَّبَهْللة، معتبرين أنه ليس من الضروري منطقيا أن يكون كل الناس ملكيين ليكونوا مغاربة، وأن المغرب بلد غير ديمقراطي وليس هناك فعل أو منصب سياسي أو ديني مقدس، وإن كان قديما فليس كل قديم محمود، وليس كل جديد مذموم، ومتى كانت جودة الشيء في قدمه؟ وهل كان عمر رضي الله عنه مقدسا؟ ومن يعتبر عكس ذلك فهو يدعو الشرع والعقل إلى استقالة تامة ليعودا بعد ذلك فيتسلما مهمتهما التبريرية. والذي يستحق أن ندافع عنه هو هذا الشعب المهضومة حقوقه، المنتهكة أعراضه، المجهل أطفاله، المعطلة أطره. أما كلام في صحيفة، فلا يتعدى أن يكون مجرد رأي يعالج بالحوار، لا بالقمع. وسنرى هل فعلا برحنا مكاننا المظلم حقوقيا أم ما زلنا نوهم أنفسنا بشعارات: الديمقراطية والحداثة ودولة الحق والقانون والتنمية البشرية المستدامة، لتزكية قاعدة: ” ليس في الإمكان أبدع مما كان”، على الرغم من أن كل المؤشرات تجعل خيبات المغرب لا يحسده عليها أحد، لذلك في الإمكان أحسن مما هو كائن.

ولما يصيح التقليديون (الذين يجمدون على الأنماط سواء أكانت مأصولة أو منقولة): إن المغرب لا يمكن أن يتقدم- وهو في المؤخرة دائما- إلا في ظل نظام فرداني يرفع عصا العلمانيين على الإسلاميين وعصا الإسلاميين على العلمانيين، مشكلا في نفس الوقت الدرع الحامي لكل منهما من الآخر، وفي غيابه يحتمل أن تظهر الفوضى أو التطرف أو الموت! وهذا ما نتقي شره، بحيث يستفيد الجميع من مناخ لا هو بالحقيقي ولا هو بالزائف.

يعتبر دعاة التجديد أنه لا يمكن أن نتقدم وتكون لنا عزة ومكانة بين الأمم بنظام يحتكر السلطة، استعلائي، إقصائي، غير ديمقراطي، دستوره ممنوح، منزل من فوق على تحت، من مقدس على مدنس. وإلا فما علاقة الدستور بالشعب، بالبرلمان، بالحكومة…؟ ثم إن هذا النظام لا يحمي أحدا من أحد، وإنما يحمي نفسه ويقويها بالإسلاميين والعلمانيين معا، والعجب العجاب أن دعاة الحداثة التقليدية- وهي ثورة على المقدس- تحولوا إلى يمين متطرف/متمخزن، وقد استطاع المخزن أن يوظفهم ” شر توظيف “، حتى أن البعض اعتبر أن وجود حزبه رهين بالدفاع عن الملكية ضد الإسلاميين وضد العلمانيين.

وندية ياسين في حوارها دعت إلى التعاون بين جميع الصادقين لبناء هذا الوطن دون احتكار أو إقصاء، وإنقاذ شعبنا الذي يعيش تحت الوصاية المغلفة منذ زمن.

يتراجع دعاة التقليد خطوة، ” ولكن إذا كان من حق ندية ياسين أن تبدي رأيها وهي مثقفة أكاديمية، فإن الوضع الحالي الذي تعيشه البلاد لا يسمح بذلك، فلتتريث حتى تهدأ الأوضاع “، قضية الصحراء وقضية الحسيمة والريف وقضية الأمية وقضية الفقر… هي القضايا التي تملأ الوضع الحالي، لذلك فلننتظر حتى نبت فيها، آنذاك يجوز إبداء الرأي، أما الآن فينبغي ” الإسهام الفعلي في أوراش التنمية والإصلاح” لتجاوز الوضع الخطر! وهنا تنفضح المغالطة، لأن الواقع السياسي والاجتماعي والتعليمي والاقتصادي والثقافي الذي نعيشه لا يرتفع ، حيث بلغ درجة من التردي لا يقبل معها التعطيل أو الترقيع أو التسويف، بل تستوجب قياما جماعيا جديا تشارك فيه كل الفئات والهيئات والفعاليات الغيورة على بلدها، والتي تحفظ عزتها من لوثة المخزن، قياما يعمر ما خربه المخربون، ويصلح ما أفسده المفسدون، ويعدل فيما استبد فيه المستبدون، لبناء دعائم دولة الحرية والعدل والكرامة. وهذا التحدي لا يمكن أن ترفعه الخطابات المنمقة والشعارات المستوردة والمنفصلة جذريا عن تاريخنا وقيمنا وإرادتنا، وإن كانت تفضل- لضعفها- أن تكون بوقا للدعاية الرسمية، حتى وكأنها صنعت خصيصا لمحاربة الرأي الآخر وقطع الطريق على التيار المخالف الذي يتبنى مشروعا مجتمعيا مستقبليا بعيدا عن المزايدة والمزايدة المضادة.

وتبعا لما سبق يرى التقليديون دائما أن زمن الإصلاح لا يوجد، إذ بالأمس قيل إن رسالة “الإسلام أو الطوفان” لم تأت في وقتها، وبعدها بسنين، والانتهاكات على أشدها والضربات والنكسات تتوالى علينا ولم يقل أحد أن زمن الرسالة قد حان بل استمر التصفيق والتطبيل يملأ الأوراق والأبواق، وبعد ذلك جاءت مذكرة ” إلى من يهمه الأمر ” لتنذر وتقترح، وتحذر وتبشر، لكنها قوبلت بنفس الجواب ” ليس هذا وقتها “، وها هو وضعنا يزداد كارثية وتمزقا وتخلفا، فهل حان وقتها؟

فبحسب الباراديغم التقليدي لا يسمح لأي كان (جماعة، حزب، عالم، مثقف، صحفي& ) أن يتطاول وينتقد ” الإجماع ” التبليدي الذي صنع في مطبخ مظلم. وفي هذا السياق يأتي موقف الأخت نادية ياسين الشجاع وهو في نظر الكثير يستحق التقدير والاحترام والحوار وليس القمع أو السجن& وقد يكون السجن أحب.

ومن يضطلع على أحوالنا في التعليم والصحة والاقتصاد يصاب بالذهول ولربما بالسيكوباتية أو الصرع لاسيما عندما يرى أن علماء الكلام الرسمي لا يفترون عن التهويل والتصفيق وراء الشعارات والخطب والمبادرات الميتة وينتظرون حتى توقظهم من غفلتهم وخزات التقارير الدولية:” المغرب في المؤخرة “، فينتفضوا انتفاضة رجل واحد لإلقاء خطبة أو رفع شعار أو إحداث لجنة أو إضافة مؤسسة – جعجعة بلا طحين – وبعد أيام تعود حليمة إلى عادتها القديمة، فهل يرضى من له بصيص عقل أن تبقى دار لقمان هذه على حالها تستغفل عقولنا ؟

ألا يستحي التقليديون من ترديد العبارة التالية: ” نريد الانضمام إلى الاتحاد الأوربي ” وهم يعلمون أكثر من غيرهم معطياتنا وظروفنا ومستوانا وسياستنا ، أم تراهم يستهزؤون ببلدنا الحبيب الذي يقبع في الرتبة 125 بعد الجزائر (الرتبة 102) وتونس (98)، أكثرنا أمي، لا يلتحق بمؤسساتنا التعليمية على حالها المظلم إلا 57 % ممن يستحقون التمدرس وهي نسبة هزيلة جدا بالنظر إلى حجم الشعارات والدعايات الرسمية، أما في التعليم العالي فلا تتجاوز نسبة طلبة الرياضيات والهندسة 29 % وهي نسبة تجعل المغرب في آخر دول العالم. (أخذت هذه الأرقام من تقرير الأمم المتحدة حول التنمية الإنسانية 2004).

فمن المسؤول عن هذا الوضع، هل الحاكمون الذين يستحوذون على المؤسسات والأموال أم المحكومون بالسيف؟ من يحاسب من على ما وصلنا إليه؟… إن في غياب مؤسسات حقيقية ذات مصداقية لا يمكن أن تعالج أمراضنا ولا يمكن أن تفرج أزمتنا ولا يمكن أن يهيأ مستقبلنا. وإن الغيرة على الوطن لا تتمثل دائما في الغيرة على الأشخاص وإنما في الغيرة على المبادئ والقيم، وإن ارتباط السياسة والممارسة السياسية بالأشخاص لا بالمبادئ هو الذي يسرع سقوط الدول وتردي المجتمعات، ما دام يوضع الشعب كاملا في مقابل الشخص البطل بحيث إذا رضي الشعب وركع فبه ونعم التخلف، وإن لم يرض فعليه السيف والسخط، وكم كان الطغاة عندما يواجهون بالاحتجاج يتمنون لو غيروا الشعب بشعب آخر. لكنني واثق من أنهم لن يجدوا في العالم أفضل من المغاربة في الصبر والتحمل، حتى إذا بلغ التحمل مداه جاء الفرج الذي يعمل من أجله العاملون، وهو آت إن شاء الله تعالى.

لا ينظر التقليديون إلا بعين واحدة ولا يقبلون اختلاف وجهات النظر ولا اختلاف النظر من وجهة واحدة، ولا وقت لديهم ولا استعداد في نفوسهم للحوار مع الآخر خصوصا الإسلامي، القاعدة الذهبية عندهم ” أنا متمخزن إذن أنا موجود “، وهذا ما ترفضه نادية ياسين كما الكثير من أبناء هذا الوطن، إذ لا يعقل أن ننادي بالتعددية السياسية ونقمع الاختلاف السياسي، وننادي بالديمقراطية ونمنع الشعب، ونرفع شعار الحرية ونحاصر المخالف…

كل المغاربة يعلمون أن جماعة العدل والإحسان تتبنى خيارا سلميا ينبذ العنف نبذا تاما ويرفض العمل في سراديب الظلام ولا يقبل التبعية للغير كما يأبى أن يمارس السياسة بالخبزة أو بالخمس، مثلما يرفض أن يقرر أحد محل الشعب، لذلك نرى أنه ليس من الضروري أن يكون كل الناس ملكيين ليمارسوا السياسة، ومن غير الواجب أن يكون الجميع على رأي واحد ليكونوا وطنيين. كلنا مغاربة وكما أن الدين للجميع فالوطن للجميع والسياسة للجميع.

بعض الناس يرون أن صوت ندية ياسين يشكل نشازا سياسيا في مغرب ” التوافقات ” ويتناسون عنوة أن أكبر المظاهرات التي نظمت في الرباط والتي عد أفرادها بالملايين وتحدث الناس عن دقة تنظيمها غير ملكية، وهب أن ندية ياسين كانت تحلم وتتحدث عن المستحيل وتخرق الإجماع التوافقي المتراضى حوله بين الفرقاء السياسيين- وهذه مهزلة- فألا يحق لها أن تحلم وهل هناك مانع قانوني لهذا النوع من الحلم وهل يدخل في إطار حلم ” كل ما من شأنه “، وهل وصل الأمر إلى ملاحقة الناس في أحلامهم، وهل سيضطر المسؤولون عن الأحلام إلى تقنين مجال الحلم وتحديد المفاهيم المسموح استعمالها في الحلم، والتحذير من أنواع الحلم المزعج الذي يقود إلى السجن؟

شعراء القبيلة يتنطعون ويتفيقهون ويتحولون إلى رجال قانون وإلى وطنيين غيورين على مقدساتهم فيرحبون من أجل الوطن بنانسي عجرم وعادل إمام…. ويقمعون من أجل الوطن نادية ياسين، بالرغم من أن أوضاعنا تحتاج إلى إمام عادل وليس إلى عادل إمام، يطلقون مبادرة ” فينكم ” لالتقاط تعاطف طاقاتنا في الخارج ويطلقون كلاب البوليس تنهش أجساد طاقاتنا أمام البرلمان.

إن الغيرة الحقيقية تبدأ من نزع صفتي الربوبية والألوهية عن الإنسان في ممارسة السياسة واعتباره بشرا يخطئ ويحاسب ويثاب ويعاقب، ” لا فضل لأبيض على أحمر ولا لأحمر على أبيض إلا بالتقوى “.

وأن الله تعالى لم يخلقنا ويدعنا عبيدا في يد أحد، وإنما استخلفنا لنعمر أرضه بالصلاح- صلاح النفس بتزكيتها وصلاح المجتمع بالعدل- ويسر لنا سبحانه أسبابا في الكون، نفلح إن توفقنا في استثمارها ونجحنا في تدبير أمورنا وفقها، ونخسر- كما نحن اليوم- إن تواكلنا وتقاعسنا ونسينا أن الأسباب لا تحابي مؤمنا لإيمانه ولا تبخس جهد كافر على كفره.

يحتاج العقلاء في بلدنا إلى وقفة متأنية واطلاع كامل ودقيق على خطاب الآخر تم محاورته والتعاون معه، والقبول به كمختلف يتقاسم مع جميع إخوته في الوطن الجغرافية والتاريخ، الدين والدنيا، الحاضر والمستقبل، ويحتاج مستقبلنا أن يكف أنصاف المثقفين عن التهجم المجاني الذي لا ينطلق إلا من بواعث إيديولوجية مغرضة نفصل الخطاب عن معناه وتزرع المعنى في غير مقصده، في سياقات مغايرة لبتره والتمويه عليه.

أيها الناس أنصتوا إلى عقولكم جيدا وراعوا للزمن- خاصة المستقبل- حقه علينا وتجنبوا اللمز والهمز والتملق. إن المستقبل يهدد الضعفاء المتفرقين بمزيد الفرقة والضعف، وإن نهضتنا لا تحتاج فقط إلى هذه الجماعة أو تلك وإنما تقتضي بالضرورة اجتماع كل الصادقين من كل الهيئات والفئات عبر حوار رصين وعميق وواضح، يؤسس لعهد وطني لا تبخس فيه الحقوق ولا تداس فيه القوانين ولا تنتهك فيه الحرم. إن المغرب ينادي كل أبنائه من غير استثناء من أجل إحداث قطيعة مع كل أنواع البهلوانية السياسية، ومن لا غيرة له على بلده وفضل أن يتكسب بلسانه وقلمه على حساب ضميره فلا كلام معه وبيننا وبينه الزمن الذي تغيره صناعة الأحداث وليس التعليق عليها.

وأخيرا نسأل الله تعالى أن يحفظ أمتنا من كل شر أو فتنة أو فساد. آمين.