نتفقه في كتاب الله العزيز القائل: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله. ذلك هو الفوز العظيم).(سورة يونس، الآيات: 62-64) ونتفقه على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علمنا أن هؤلاء الأولياء ما هم نَكِرات في السماء والأرض، وإنما هم فلان وفلانة ممن أحبهم الله فقربهم وأمر ملائكته أن يحبوهم.

بيد أننا نحتاج لِمن يشرح لنا فقه السلوك كما نحتاج لمن يضبط لنا فقه الأحكام أصوله وفروعه، وفقه الحلال والحرام، وفقه الفرائض، وفقه اللغة، وفقه أصول الاعتقاد. سُمِّي فقه المحبة والتربية والتقرب من الله تصوفاً، وعاش جنبا إلى جنب مع الفقه الآخر منكمشا معه عن ساحة الحكم. اليومَ كمَّم الحكم العاض أفواه فقهاء الفروع فلا ينطقون إلا بفتوى تكفر الشيعة وتبشر بأن الزُّرْق الكفار أحباب وأنصار. وكَمَّم فقهاء الفروع فقه التصوف وبدعوا تاريخه ورَمَوْه -بزعمهم- على هوامش الدين.

ننصح المومنات باتخاذ الشيخ عبد القادر الحنبلي المذهب الصوفي المشرب، المربي الجليل، رفيقا في الطريق، خصوصا في كتابه الفريد “الفتح الرباني”. لا يطعن النفطيون فيه، وأنى للأقزام أن تطاول الجبال، وقد مجده وقدسه أئمتهم المعتبرون. ولا تجد المومنات مثلَه من يُوبِّخ ويحرك ويستنهض الهمم بأسلوبه المباشر الجرّاح. أسلوب في الوعظ فريد، ومن رجل فريد أجمعت الأمة على محبته وتعظيمه.

لا تكنْ المومنة مثل بعض السطحيين الذين خصصوا لهذا الموضوع الحيوي بضع ساعات قرأوا فيها ما جمعه سطحيون قبلهم من أخطاء بعض الصوفية. إن كان حب إماء الله لربهن دينا، وكان حب الله لإمائه المتقربات المقربات غاية يوصل إليها، فالشقِيّةُ المحرومة من لا تخصص عمرَها، ليلَه ونهارَه، لتتفقه أولا وتتثبت، ثم لتعمَل وتجاهد وتصفِي القلب. دَعي الحيرة والسطحية لغيرك يا أخت الإيمان، وعمقي البحث.

نقرأ في هذه الفقرة شهادات فقهية لأئمة أساتذة. أولهم الغزالي الفقيه الأصولي، والمتكلم المجادل عن الدين، والعَلَم البارز في تاريخ الإسلام.

يقول حجة الإسلام في “الإحياء”: “كتاب المحبة والشوق والأنس والرضى”.

ويقول: “أما بعد، فإن المحبة لله هي الغايةَ القُصوى من المقامات، والذِّروةَ العليا من الدرجات. فما بعد إدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثِمارها، وتابع من توابعها، كالشوق والأنس والرضى وأخواتِها. ولا قَبْل المحبة مقام إلا وهو مقدمة من مقدماتها، كالتوبة، والصبر، والزهد وغيرها. وسائر المقامات إن عز وجودها فلم تَخْلُ القلوب عن الإيمان بإمكانها. وأما محبة الله تعالى فقد عز الإيمان بها حتى أنكر بعض العلماء إمكانها، وقال: “لا معنى لها إلا المواظبة على طاعة الله تعالى. وأما حقيقة المحبة فمُحال إلا مع الجنس والمثال”.

أرأيت يا أخت الإيمان كيف يكذب “بعض العلماء” صريح ما جاء في الحديث القدسي والنبوي! لهذا كتب الغزالي كتاب “إحياء علوم الدين” منذ تسعمائة سنة ليُنهْنِهَ من انحراف فقهاء الفروع، وفقهاء الظاهر، وفقهاء السطح، ما نحاول نهنهته في زمننا مع فقهاء النفط. تحتاج أخت الإيمان إلى وقت وإلى عقل كامل ورغبة مستميتة لكي تقرأ وتستوعب ما كتبه الغزالي، ثم لتقرأ بعمق ما خالفه فيه ابن تيمية. تحتاج لدقة وشوق وصبر لكيلا تبقى مقلدة محرومة في قضية هي أم قضايا الدين.لا أرضى للمومنات أن يتلاعبن بدينهن.

قال حجة الإسلام رحمه الله: “ولا بد من كشف الغطاء عن هذا الأمر. ونحن نذكر في هذا الكتاب شواهد الشرع في المحبة، ثم بيان حقيقتها وأسبابها، ثم بيان أن لا مستحِقَّ للمحبة إلا الله تعالى، ثم بيان أن أعظم اللذات لذة النظر إلى وجه الله تعالى، ثم بيان سبب زيادة لذة النظر في الآخرة على المعرفة في الدنيا، ثم بيان الأسباب المقوية لحب الله تعالى، ثم بيان السبب في تفاوت الناس في الحب، ثم بيان السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى، ثم بيان معنى الشوق، ثم بيان محبة الله تعالى للعبد، ثم القول في علامات محبة العبد لله تعالى، ثم بيان معنى الأنس بالله تعالى، ثم بيان معنى الانبساط في الأنس، ثم القول في معنى الرضى وبيان فضيلته، ثم بيان حقيقته، ثم بيان أن الدعاء وكراهة المعاصي لا تناقضه، وكذا الفرار من المعاصي”.

مصطلحات في فقه القلوب تبقى حروفا باردة إن كان المكانُ غير قابل لحرارة حب الله والشوق إليه. تعالي أخت الإيمان نستمع كلمات مُلهبة من عبد القادر الجيلاني عسى وعسى تنبِضُ فينا نبضة حياة. قال رحمه الله: “ويحك ادعيت محبة الله عز وجل! أما علمت أن لها شرائط؟ من شرائط محبته موافقتُه فيك وفي غيرك. ومن شرائطها أن لا تسكُن إلى غيره، وأن تستأنس به، ولا تستوحِش معه. إذا سكن حب الله قلب عبد أنِس به وأبغض كل ما يشغل عنه. تُبْ من دعواكَ الكاذبة! هذا شيء لا يجيءُ بالتخلي (أي دخول الخلوة والابتعاد عن الناس وإظهار الزهد الكاذب في الدنيا) والتمني والكذب والنفاق والتصنع! تُب واثبت على توبتك، فليس الشأن في توبتك. الشأن في ثبوتك عليها. ليس الشأن في غرسك. الشأن في ثبُوته وتغصينه وثمرته”.

ويحث الشيخ عبد القادر قدس الله سره على صحبة العارفين بالله والأكل من مائدتهم. يقول: “كلوا من بقايا القوم (كلمة قوم اصطلاح معناه الصوفية)، اشربوا ما قد بقي في أوانيهم. يا من يَدَّعي العلم! لا عبرةَ بعلمك من غير عمل! ولا عبرة بعملك من غير إخلاص! لأنه جسد بلا روح. علامة إخلاصك أنك لا تلتفت إلى حَمد الخلق ولا إلى ذمهم، ولا تطمعُ فيما في أيديهم. بل تعطي الربوبية حقها. تعمل للمنعم لا للنعمة، للمالك لا للمِلك، للحق لا للباطل.(…)

قال: “تَنَعّم المحبّون لله عز وجل الذين هم خواصه من خلقه لابتلاء أجْسادهم. الشهداء الذين قُتلوا بسيوف الكفار لابتلاء أجسادهم، فكيف الشهداء الذين قتلوا بسيوف المحبة!(…)

قال رحمه الله: “إذا عصَيت يجيئُك الخراب إلى جسدك، ثم إلى جسد دينك. يجيئك العَمَى والزِّمَن والطرَش وذهاب القوة. تجيئك الأمراض المختلفة. يجيئك الفقر فيخرب بيت مالك، ويحوجك إلى أصدقائك وأعدائك. ويلك يا منافق! لا تخادع الحق عز وجل! تعملُ عملا وتُظْهِر أنه له وهو للخلق! تُرائيهم وتنافقُهم وتتملق لهم وتنسى ربك عز وجل! عن قريب تخرج من الدنيا مُفلسا!

قال رحمه الله: “يا مريض القلب! عليك بالدواء! الدواء لا يكون إلا عند الصالحين من عباد الله عز وجل. خذ الدواء منهم واستعمله وقد جاءتك العافية الدائمة والصحة الأبدية لمعناك ولقلبك ولسرك ولخلوتك مع ربك عز وجل. تنفتح عينا قلبك، فتنظر بهما إلى ربك عز وجل. تصير من المُحبين على بابه الذين لا ينظرون إلى ما سواه. قلب فيه بِدعة كيف ينظر إلى الحق عز وجل”.

ونسمع لكلمة الإمام النووي المحدث العارف غيرِ المنكر لما هي مقامات الإحسان وصحبة الصالحين. قال رحمه الله معلقا على حديث جبريل، وعلى تعريفه للإحسان بأنه: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”: “هذا القدر من الحديث أصل عظيم من أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين. وهو عمدة الصدّيقين وبُغية السالكين وكنز العارفين ودأب الصالحين. وهو من جوامع الكَلِمِ التي أوتيها صلى الله عليه وسلم”.

قال رحمه الله: “وقد ندب أهل التحقيق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من التلبس بشيء من النقائص احتراما لهم واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله مطلعا عليه في سره وعلانيته”.

لم يزل علماء الأمة يجولون حول نقطة محبة الله لعبده وتوليه إياه، يحوم بعضهم ويُلغِز، ويصرحُ بعضهم بمواجيده وأنوار قلبه فيفتِن، وينسحب البعض إلى ساحل جاف يابس يرى فيه الأمان من الغرق، فينكر أن الله يُحَب أو يُحِب.

من فقهاء المحبة الناكبين عن مصطلحات الصوفية لكن المتمسكين أشد التمسك بفقه السلوك والحب والوِلاية شيخ الإسلام ابن القيم تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية. قال في كتابه “إغاثة اللهفان”: “لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها. فهو إلهها ومعبودها، ووليها ومولاها، وربها ومدبرها ورازقها، ومُميتها ومحييها. فمحبته نعيم النفوس، وحياة الأرواح، وسرور النفس، وقُوت القلوب، ونور العقول، وقُرة العيون، وعِمارة الباطن. فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة، والعقول الزاكية أحلى، ولا ألذ، ولا أطيب، ولا أسَرّ، ولا أنْعم من محبته والأنس به، والشوق إلى لقائه.

قال رحمه الله: “والحلاوة التي يجدها المومن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنَّعيم الذي يحصل له بذلك أتَم من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة، كما أخبر بعض الواجدين عن حاله بقوله: “إنه ليَمُرُّ بالقلب أوقات أقول فيها. إن كان أهل الجنة في مِثلِ هذا إنهم لفي عيش طيب!” وقال آخر: “إنه ليمُرّ بالقلب أوقات يهتز فيها طربا بأنسه بالله وحبه له”. وقال آخر: “مساكين أهل الغفلة! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها!” وقال آخر: “لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف!”.

ها هو ذا الإمام ابن القيم الحنبلي يستشهد بمقالات الصوفية أصحاب المواجيد متحاشيا تسميتهم، محاولا مع ذلك إحياء ما قضى شيخه عمره في محاربته ومناوشته. تلقّى التلميذ النجيب آخر كتابات ابن تيمية من سجنه الذي مات فيه. كان مما كتبه إلى تلامذته رسالة تشبه التوبيخ الشديد، يلومهم فيها فارس المنقول والمعقول على أنهم ينقصهم الوَجد. الوجد هو ما يجده الذاكرون الله كثيرا والذاكرات، المحبون لله والمحبات، من حلاوة الإيمان وطعمه، ولذة المناجاة في القرب.

ما التحقيق في المسألة العظمى يا فقهاء الإسلام وعلماء الدين؟ إن أمام الفضول الفكري وحب الاطلاع أسفارا وجدالا. لكن مَن يدلنا على الله؟