الأمل المشرق والرماد المحرق

ظهرت الحركة الإسلامية في الجامعة كنتيجة تلقائية لنشأتها في المجتمع، وانتشرت بقوة وسط الطلاب بالموازاة مع امتدادها في مختلف الميادين والمنتديات. وقد انبرى لحمل مشروعها في الجامعة شباب يقظ متوقد لاقى في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى بين الطلبة أذى كثيرا ألحقه به من كان يرى في الدعوة تهديد لسلطانه، أو من كان يعتبرها الخطر المحدق بمروقه وإلحاده. فكان الصبر واجبا لتبليغ الرسالة، وكان الأذى هينا تلقاء ما يطلب : أن تزرع بذرة الإيمان في أرض قحطاء كانت لا تثمر إلا حنظلا.

فإلى حين ظهور الحركة الطلابية الإسلامية، لا تكاد تسمع في ساحة الجامعة إلا لغة الإلحاد المفلسف الذي كان تلاميذه يعادون الدين، ويدنسون القرآن، ويمنعون الصلاة، وينزعون عن المومنات الحجاب، وينشرون الرذيلة. وبعد فترة الاستبداد الفكري والهيمنة الميدانية المفروضة، تداعت الماركسية المارقة، وتهاوت أركانها، تاركة في الساحة رمادا تمثل غفلة في قلوب حجبها العناد عن الإيمان وضلالا في عقول منعتها المادية الجدلية من النظر بنور الله في الآفاق والأنفس، ومورثة أشكالا وطقوسا وأعرافا وهدير شعارات كانت وسائل سحرية لاصطياد الضحايا واستقطاب الأبرياء إلى مستنقع اللانيكيين والتائهين.

الإرث الاشتراكي والماركسي، والمادي عموما رماد محرق، وحركة الإسلام المنبعثة المجددة أمل مشرق. المادية والإلحاد والمروق عن الدين يحرق القلوب والعقول وينخر الإرادات. ومعاني الإيمان والإحسان والرحمة والرفق تبعث الحياة وتنشر الأمل وتجلب التأييد والتمكين في الأرض. قال تعالى سبحانه: « فأما الزبد فيذهب جفاء. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».

مصدر النفع وسبب المكوث في الأرض ومركز الإشراق قلوب الطلاب الموصولين بالله، الذين يصحبون أهل الله، فتنتج الصحبة تحركا وازنا بصدق وعزم وحزم في ميدان لا يفلح فيه ولا يثبت عليه إلا المومنون الصادقون العازمون الحازمون.

ضاع كثير من شباب الصحوة، بل ضاعت أجيال ركبت موجة الحماس الأول بالانتماء للحركة الإسلامية، ولم تحمل معها الزاد الضروري للمسير، وظن المتحمسون أن كلمة الله تعلى وأن صرح الدعوة يبنى بمجرد حشد الجماهير، وكثرة القراءة وإتقان الخطابة لدحض فلسفات الإلحاد. فتاهت عقولهم بين كتابات لم يستطعوا التمييز بين غثها وسمينها، وغفلت قلوب عن ذكر رب العالمين. لا يكفي الشعار الإسلامي والزي الإسلامي للنجاح في معركة الاستمرارية والثبات على المبادئ والأصول. ولا يجدي الانتساب للإسلام إذا لم تكن الانطلاقة إسلامية والوسيلة شرعية والغاية ربانية. كم حركة طلابية إسلامية غرها حجمها، وجهلها بحقيقة نفسها، سرعان ما ذهبت أدراج الرياح. وكم من كيان انحرف عن القصد، فأصبح ما ينتجه خطرا وإن بدا جميلا كالعسل المسموم.

تفريط الطلاب المسلمين باللب وإهمالهم لغذاء الروح يجهز على أشواق البدايات ويأتي على الأحلام، فلا تلبث الساحة تثمر خرابا آخر لا يتميز عن الرماد الأول إلا باللافتة الإسلامية.

إن من مهامنا في الجامعة أن نبذر في ساحاتها معاني الإيمان، هذه الفسيلة المباركة تكون اليوم وغدا بإذن الله شجرة طيبة تقتات الأجيال القادمة من ثمارها الوافرة. نفعل ذلك الآن في انتظار غد يستوطن فيه الإيمان مخابر العلوم وأجهزة التكنولوجيا إن شاء الله.