قال الله تعالى: (والمومنون والمومنات بعـضهم أولياء بعض. يأمرون بالمعروف وينهَوْن عن المنكر، ويُقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله. أولئك سيرحمهم الله. إن الله عزيز حكيم).(سورة التوبة، الآية: 72) وقال عز من قائل: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البُشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. لا تبديل لكلمات الله. ذلك هو الفوز العظيم).(سورة يونس، الآيات: 62-64)

الوَلاية والوِلاية قرب وتناصر وصداقة وصحبة. وشيجتها العظمى حب المومنين والمومنات مولاهم عز وجل حبا غير مفصول عن حب بعضهم بعضا.

ذُكرت وَلاية المومنات في الآية ومشاركتهن الأصيلة الصميمة في الوَلاية العامة للأمة. ولم يُنقل إلينا كيف كانت التابعيات يصحبن أمهات المومنين والعالمات من الصحابيات. نُقلت إلينا مجالس التابعين إلى معاذ وأبي الدرداء وأمثالهم من علماء الصحابة يأخذون العلم والإيمان حيث العلم والإيمان مكانَهما في عقول الرجال وقلوبهم. لم ينقل إلينا جلوس المومنات في البيوت إلى فاطمة وعائشة وفضْليات الصحابة مثلما نقلت المجالس في المساجد. والعلم والإيمان مكانَهما في عقول المومنات وقلوبهن مثلما هما في عقول المومنين وقلوبهم.

من قالت منهن لصاحبتها: اجلسي بنا نومن ساعة، كما قال معاذ لصاحبه؟

هل قرأن سورة “والعصر” إثر كل لقاء ليضربن موعدا بعد موعد تصديقا لما في سورة “والعصر” من الحث على التواصي الدائم بالحق والصبر؟ هل كن يقرأنها كما يقرأها الصحابة في آخر الجلسة؟ أم تُراهُنّ يجلسن للقيل والقال وشقشقة اللسان؟ هل كن يتحابَبْن في الله؟

أقسم لهن ولنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تومنوا! ولا تومنوا حتى تحابّوا! أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أَفْشوا السلام بينكم”. أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وضرب لنا صلى الله عليه وسلم مثلا حِسِّيا ليعلمنا أن المحبة في الله لا تقف عند السلام، بل هي مُؤاخاة وتآزُر وتكافل. قال: “مثَل المومنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطُفهم مثَل الجسد: إذا اشتكى منه عضو تَداعَى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. رواه الشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

ثم لم يقتصر تعليمه صلى الله عليه وسلم على الوصية، بل ترجم وصاياه إلى عمل حين آخَى بين المهاجرين الذين غادروا المال والديار والعشيرة وبين الأنصار الذين آوَوْا ونصروا وأوسعوا لإِخوانهم. ما كان الأنصار الرجال أن تَسع بيوتهم غرَباء عن البلد لو لم تكن الأنصاريات ربات البُيُوت قد تصارعت في قلوبهن دواعي الأنانية والخصوصية مع دواعي الإيثار حتى غلبت المحبة في الله وطردت الخصوصية الشحيحة ففتحن قلوبهن للمهاجرات يقاسمنهن السقف والدِّثار والماعون والحياة.

عن سيدنا عبد الرحمان بن عوف قال: “آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع. فقال لي سعد: إني أكثر الأنصار مالاً، فأقاسِمُك مالي شطرين. ولي امرأتان، فانظر أيّتهما شئت حتى أنزِلَ لك عنها. فإذا حَلّتْ (بعد عِدة طلاقها) تزوجتَها. فقلت لا حاجة لي في ذلك. دُلّوني على السوق. فدَلّوني على سوق بني قَيْنُقاع. فما رُحت حتى استفضلتُ أقِطا (جبنا) وسمنا”. الحديث أخرجه البخاري.

هل من الإيمان أن يحب الرجل أخاه في الله وفي عَقد رسول الله أكثر مما يحب زوجه؟ تلك كانت ظروفا استثنائية. ولكلتا المحبتين مكانها.

ولتتوطد المحبة بين المومن والمومن وبين المومنة وأختها في الله يأتي التعبير اللفظي بعد التعبير العملي الذي يشاطِر مالَه ومأواه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أحبّ الرجل أخاه فليُخبره أنه يحبه”. أخرجه أبو داود والترمذي عن المِقدام بْن مَعْدِيكَرِب رضي الله عنه بسند صحيح.

كلمة “أحبك في الله” كلمة فارغة جوفاء إن لم يَكن عمارتَها البذلُ والعطاءُ والوقوفُ الساهر عند الشدة والحاجة.

لا مفهومَ لقوله: إذا أحب الرجلُ أخاه. لا مفهوم له كما يقول الفقهاء. أي لا مفهومَ مُخالَفة. فكذلك إذا أحبت المومنة أختها فيستحب لها أن تخبرها بعد أن تتأكد أنها محبة في الله خالصة لا مجرد إعجاب طارئ أو عاطفة طائرة.

ولا مفهوم للرجلين المتحابين في الله الذين يُذكران في الحديث النبوي القائل: “سبعة يظلهم الله في ظله يومَ لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعودَ إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلمُ شِمالُه ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه”. أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ليس الإيمان وجوائز الإيمان وكمال الإيمان ومراتب الإحسان حكرا على الرجال. فالشابة التي نشأت في عبادة الله كالشاب تُجزى بما يجزَى به، وكذلك المومنتان إن تحابتا في الله اجتمعتا على ذلك وتفرقتا عليه. وكذلك المرأة إن دعاها رجل إلى الحرام فقالت إني أخاف الله. وكذلك المتصدقة، والذاكرة الباكية.

يذكركِ ربُّك أيتها المومنة الكاملة الإيمان، المحبةُ لأخواتها في الله محبة مشتقة من حب الله ورسوله. محبة أعطيتِ عليْها براهين نصر دين الله حين خذله الناس، وأعطيت عليها شواهد الثبات حين تخاذل الناس، وأعطيت عليها حجج البذل في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله، واحتضان أخَواتكِ في الله في الضراء والسراء.

تُذكرين إن شاء الله وسَمتْ بِكِ همة، وألحقتك بالسابقات سابقتُـك عند الله تعرفينها من يقين في قلبك، وإرادة فاعلة، واستقامة، ومواظبة في طلب كمالِك.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله تعالى يوم القيامة: أيْنَ المتحابون بجَلالي؟ اليومَ أظِلُّهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي”. أخرجه مسلم والإمام مالك في الموطإ عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وعن مُعاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “قال الله عز وجل: المتحابون بجلال الله يكونون يوم القيامة على منابِرَ من نور، يغبطهم أهل الجمع”. أخرجه الترمذي بسند صحيح. وروى أحاديث في هذا المعنى أبو الدرداء، وعبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت، وأبو هريرة، وأبو مالك الأشعري رضي الله عنهم. فالبشرى العظيمة كانت معروفة عند الصحابة مذكورة.

إن لله عز وجل أولياءَ يذكرهم كما يذكرونه، ويتقربون إليه فيتقرب إليهم، ولا يزالون على ذلك حتى يحبَّهم. مما يتقربون به إليه في الدنيا الحب فيه، والبذل فيه، والزيارة فيه، والتجالس فيه. ويحبهم تعالى فتحبهم لحبه ملائكته، ويحبهم لحبه أهل السماء والأرض. روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أحب الله العبدَ نادَى جبريلَ: إن الله يحب فلانا فأحِبّوه. فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القَبول في الأرض”.

وروى مسلم عن سُهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرَفةَ، فمرَّ عمر بن عبد العزيز وهو على الموسم (أي كان أمير الحج تلك السنة). قال: فقام الناس ينظرون إليه. فقلت لأبي: يا أبَتِ! إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز. قال: وما ذاك؟ قلت: لِما له من الحب في قلوب الناس. قال: فأُنَبِّئُكَ؟ إني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريلَ فقال: إني أحب فلانا فأحبَّه. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه. فيحبه أهل السماء، ثم يوضَع له القَبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريلَ عليه السلام، فيقول: إني أبغض فلانا فأبغِضْهُ. قال: فيُبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يُبغض فلانا فأبغضوه. ثم توضع له البغضاء في الأرض”.

فلان ذُكِر بخير وأحِبّ، وفلان ذكر بسوء وأبغض. فما حال فلانة وفلانة؟ أما فلانة الناصية الكاذبة الخاطئة، فعصت ونافقت وأعرضت عن ربها فأبغِضت وغُضِبَ عليها وطُرِحَت حصَباً لجهنم وحطبا، نعوذ بالله.

وأما فلانة فقالت: كلنا أولياء الله مومنون متقون. لم تُصدق قول ربها عز وجل: (يختص برحمته من يشاء).(سورة آل عمران، الآية: 73) قالت هذه الفلانة: أولئك هم الأنبياء، وقد انتهى الأمر.

وأما فلانة فصدقت بكلمات ربها وكتابه وكانت من القانتين كما صَدّقت مريم ابنةُ عمران التي ضربها الله لَها مثلا، وسألت ربها أن يبني لها بيتا في الجنة كما سألته امرأة فرعون، وآزرت الدعوة كما آزرتها خديجة، وصبرت مع الدعوة كما صبرت فاطمة، وحملت العلم كما حملت عائشة، وفدت الإسلام كما فدته أم عِمارة. هذه الفلانة تطلب كمالها من ربها وهو كريم سبحانه.

ما هم أنبياءُ من اختصهم الله بولايته الخاصة. نقل إلينا وصفَهم أمير المومنين عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياءَ ولا شهداء، يغبِطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانتهم من الله”. قالوا: يا رسول الله! تخبرنا مَنْ هم؟ قال: “هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها. فوالله إن وجوهَهم لنور، وإنهم لعلى نور. لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس”. وقرأ هذه الآية: “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون”. أخرجه أبو داود. وفي الباب أحاديث تُقَوّيهِ رواها الإمام أحمد وأبو يَعْلَى والحاكم.

أحسنت الظنَّ بربها عز وجل وبعباده فلانةُ فاستقامت وأطاعت واجتهدت وجاهدت حتى ارتاش فَرْخُ إيمانها وقَوِيَ وطار إلى عالم الملكوت، حيث ذكِر اسمُها مع المحبوبات.

أما فلانة المكذبة فخاطبها لسان الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتابه “الفتح الرباني” قائلا: “أراك قليلة المعرفة بالله عز وجل وبرسوله. قليلة المعرفة بأولياء الله عز وجل وأبدال أنبيائه وخلفائه في خلقه. أنت خالية من المعنى! أنت قفَص بلا طائر! بيت فارغ خَراب! شجرة قد يبِسَتْ وتناثر ورقها! عِمارة قلب العبد بالإسلام، ثم بالتحقيق في حقيقته وهي الاستسلام”.

أنا أنَّثْتُ خطابه رحمه الله. فهو في مسجده كان يخاطب حاضرين، وفي هذا الكتاب نخاطب بالقصد الأول حاضرات.

قال رحمه الله: “يا غلام! ما صحت إرادتك للحق عز وجل ولا أنتَ مريد له… مريدو الدنيا فيهم كثرة، ومريدو الآخرة فيهم قلة، ومريدو الحق عز وجل الصادقون في إرادته أقلُّ من كل قليل (…). ويْحك تدّعي أنك منهم! ما علامتُهم عندك؟ ما علامة قرب الحق عز وجل ولطفِه؟ في أي منزلة أنت عند الحق وفي أي مقام؟ ما اسمك وما لقبُك في الملكوت الأعلى؟”.

وأنتِ يا أخت الإيمان هل تطمحين وتطمعين أن تذكَري في الملإ الأعلى ويكونَ لك ثَمَّ اسم ولقب؟ إنها إرادة واستقامة وعمل صالح. فمن تَسمع ومن تجيب؟