يا هذا! هَوِّنْ بأمرِ الدُّنْيَا تَهُنْ، وقدِّرْ أنها قطُّ لم تَكُنْ، واحفظْ دينَكَ مِنْ مَكْرها وَصُنْ، فمتى وَفَّتْ؟ ومتى لم تَخُنْ؟

(للمتنبي):لا تلقَ دَهْرَكَ إِلاَّ غيرَ مكتَـــرِثٍ *** مـا دامَ يَصْحَبُ فيـهِ روحَـكَ البدنُ

فما يدومُ سرورٌ ما سُرِرْتَ بِـــهِ *** ولا يَرُدُّ عليـكَ الفـــائتَ الحَـزَنُ

ممـا أضرَّ بأهلِ العِشْقِ أَنَّهُـــمُ *** هَوَوْا، وَما عَرَفُوا الدُّنيـا ولا فَطِنُـوا

تَفْنى عيونُهم دمعـاً وأنفسُهُـــم *** في إِثْرِ كــلِّ قبيحٍ وجهُـهُ حَسَــنُ

تَحَمَّلُــوا حَمَلَتْكـُم كُــلُّ نَاِجيةٍ *** فَكــلُّ بَيْنٍ عَليَّ اليـومَ مُؤْتَمَـنُ(1)

ما في هَوَادِجِكُم مِنْ مُهْجَتِي عِوَضٌ *** إِنْ مِتُّ شَوْقاُ ولا فيها لها ثمــنُ(2)

سَهِــرْتُ بعد رحيلي وحشةً لكُمُ *** ثم استمرَّ مَرِيري، وارعوى الوَسَنُ(3)(ناجية: الناقة المسرعة // بين: فراق // هوادجكم: ج. هودج وهو مركب النساء // مريري: ج. مريرة وهي القوة من الحبل // استمر: استقام // ارعوى: انزجر // الوسن: النعاس).

إْنَّما الدنيا حلمُ نائمٍ، وقَائِلَةُ (قيلولة) رَاقِدٍ، وَمَعْبَرُ مُعْتبِر، وضِحْكَةُ مُسْتعبِر (باك)، تَاللهِ ما أُعْجِبَ بمالها من نَظَرَ في مآلِها، ولا بنى قصورها من عرف غرورها، ولا مدَّ باعَ الأملِ فباعَ وشَرَى بِها مَنْ تذَكَّرَ مُرَّ شرابِها، إِنَّها إذا طَغَت على الطِّغَامِ تُطْغي، وإذا بُغِيَ نكاحُها على العفافِ تَبْغي (تظلم)، وكأَنَّهَا تَقْصُدُ هَلاَكَ مُحِبّْهَا وتبغي (تقصد)، وكم عذلتُ في فتكِها بالفتى الفتي وتُلغي.

أما دَرَّ (كثر) دَرُّها (لبنها) فَغَرَّت (خدعت)؟ فلمَّا فَرَغتْ (انتهت) فَغَرَتْ (فتحت) فَاهاً فرغت (من رغا يرغو: صوت وضج) للظَّعنِ، أما سَحَبت قرونَ قارونَ مع أقرانِه إلى القرار في قَرَن (الحبل يقرن به البعيران)، أما كَفْكَفَتْ (منعت) بكفِّها كَفَّ مكفوفِ حُبِّها (الأعمى في حبها) فأرتكَ فَنَّ ما يكونُ في كفن، تَاللهِ لقد لَقِي الغبيُّ غِبَّ (عاقبة) غباوته، فلمَّا انجلى غَيْهَبُ عَيْبَتِهِ (وعاء من خُوص ينقل فيه الزرع إلى الجرين، أو من آدم توضع في الثياب) رأى الغَبْنَ (في البيع: النقص) والغَبَن ( في الرأي: الضعف).

يا أرباب اللِّمَمِ (ج. لِمَّة: شعر الرأس المجاوز شحمة الأذن) الشِّمَاطِ (ج. شَمَط: اختلاك بياض الشعر بسواده) الموتُ بكم قد أحاط، هذا العدوّ مُنَازِلٌ (مقاتل) فالزموا الرباط، ما هذَا الفُتورُ! ومهرُ الحورِ الجِدُّ والنشاط، إياكم والزَّلَلَ فكم من دَمٍ أشاط (أهدر).

أما سمعتم مناديَ “وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ” (الكهف، 59)؟ أما يُنذُركم أعلامُ “وَكَذَلِكَ أَخْذُ رُبِّكَ” (هود، 102)؟ أما يَفْصِمُ عُرَى عزائِمكُم “وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ” (الأنبياء، 11)؟ أما يقصُرُ من قُصوركم (تقصيركم) “وَبْئِرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ” (الحج، 45)؟ أما سمعتم هاتفَ العِبَر ينادي “فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ” (العنكبوت، 40)؟ إذا رأيتم المبارزين بالخطأ قد اتّسعَ لهم مجالُ الإمهالِ فلا تستعجل لهم “إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ” (آل عمران، 178)، بينَا القَوْمُ على غرور سرورهم “أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً” (الأنعام، 44)، يا سالكي سبيلهم انحرفوا عن هذه الجادة.

يا هذا! ظُلْمُكَ لنفسِكَ غايةٌ في القبح، إلاَّ أَنَّ ظُلْمَكَ لغيرِكَ أَقبحُ.

ويحك! إن لم تَنْفَعْ أَخاكَ فلا تؤذِه، وإنْ لم تُعْطِه فلا تأخذْ منه، لا تُشَابِهَنَّ الحيةَ، فَإْنَّهَا تأتي إلى الحَفْرِ الذي قد حَفَرَهُ غَيْرُها فَتَسْكُنه، ولا تتمثَّلَنَّ بالعُقاب، فإِنَّهُ يتكَاسَلُ عن طلب الرزق، وَيَصْعَد على مَرْقَبٍ عالٍ، فأَيُّ طيرٍ صاد صيداً اتّبعَه، فلا تكونُ له همّةٌ إلا إلقاء صَيْدِه والنجاةُ بنفسه.

في الحيواناتِ أخيارٌ وأشرارٌ كبني آدم، فالتقطْ خيرَ الخِلال وخَلِّ خسيسَها، ولا تكنِ العصافيرُ أحسنَ منك مروءةً، إذا أوذي أحدُها صاحَ، فاجتَمَعْنَ لِنُصْرَتِهِ، وإذا وقع فَرْخُها طِرْنَ حوله يعلِّمْنَه الطيران.

يا هذا! تخلَّقْ في إعانةِ الإخوانِ بخُلُقِ النَّملةِ، فإِنَّها قدْ تَجدُ جرادةً لا تطيقُ حملها، فتعودُ مستغيثةً بأخواتها، فترى خَلْفَها كالخيطِ الأسودِ قد جئنَ لإغاثتها، فإذا وصَلْنَ بالمحمولِ إلى بيتِها، رفهنه عليها (تركنه طعاما لها).

هيهات إِنَّ الطبعَ الرديّ لا يليق بِه الخيّر، هذه الخنفساء إذا دُفنت في الورد، لم تتحرك، فإذا أعيدت إلى الروث رَتَعَتْ. وما يكفي الحيَّةَ أن تشربَ اللبنَ حتى تمجَّ سمَّها فيه، وكلٌّ إلى طبعه عائد، إلا أَنَّ الرِّياضَة قد تُزيلُ الشرَّ جملةً، وقد تخفف، كما أَنَّ غَسْلَ الأَثَرِ إن لم يُزِلْهُ خَفَّفَ، إنْ دمتَ على سلوكِ الجادة رجونا لك الوصول، وإن طال السُّرى (سير الليل).

يا هذا! الفِيلُ والجملُ يَسْبَحَان، ولكنّ الفيلَ مَليحُ السباحة، والجملَ يسبحُ على جنب فَيُفْتَضَحُ عند سباحة الفيل، ثم كلاهما يَعْبُرُه.

إذا لم تُطِقْ منازلةَ الحرب، فكن من حُرَّاسِ الخيم.

إذا رأيتَ البابَ مسدوداً في وجهك، فَارْضَ بالوقوف خارجَ الدار مع السؤال.

إذا لم تُظْفِرْكَ الحروب فَسَالِم، أَتَرَى يصلحُ هذا القلبُ بعد الفساد؟ أترى يتبدَّلُ بالبياض هذا السواد؟ كم أَقُولُ: عسى أَصْلُحُ ولعلَّ! وكلَّما استوى قدمي زَلَّ، كم تتغيَّرُ الأحوال وما أتغيّر! كم تتضح ليَ الطريقُ وأتحيَّر:للهِ أَمْرٌ منَ الأيَّــامِ أطلبُهُ *** هيهَاتَ أطلبُ شيئاً غَيْرَ مَطْلوبِ

وحاجةٌ أتقاضَاها وتَمْطُلُني *** كأَنَّها حــاجةٌ في نفسِ يعقوبِإلى كم تقولُ سأَتوبُ؟! متى يخجَلُ اللسانُ الكذوبُ؟!كلَّمــا أمّلتُ يوماً صالحاً *** عـرضَ المقدورُ لي في أَمَلي

أقطــعُ الدهرَ بظنٍّ حسنٍ *** وأُجَلِّي غمــرةً مــا تَنْجلي

وأرى الأيـامَ لا تُدني الذي *** أَرْتـجي منــك وتُدنِي أجليإذا كانت كرةُ القلبِ بِحُكْمِ صولجان التقليب بطَلَتِ الحِيَل. لما قُرِّبَ جبريلُ وميكائيل اهتزَّت الملائكةُ فخراً بقرب جِنْسِها من جناب العزّة، فقُطِع من بين أغصانها شجرةُ هاروتَ، وكُسِرَ فَنَن (الغصن) مَاروت (ليس في قصة هاروت وماروت حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، انظر تفسير “المحرر الوجيز” لابن عطية: 1/420)، وأُخِذَ من لُبِّهَا كُرة “وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي” (ص، 78)، فتزوّدت الملائكةُ في سفر العبودية بزاد الحذر، وقادت في سُبُلِ معروفها نُجُبَ (ج. نجيب، وهو الفاضل من كل حيوان) التطوع للمنقطعين “وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ” (الشورى، 5)، نودي مِنْ نادي الأفضال: “مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا” (الأنعام، 160)، فسارت نجائبُ الأعمالِ إلى باب الجزاء فَصِيحَ بالدليل “وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ” (الإسراء، 74) فقال: “ما منكم مَنْ يُنْجِيْهِ عَمَلُه” (روى البخاري ومسلم بلفظ: “ما منكم من أحد ينجيه عمله” قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: “ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته”.

فيا لسانَ القَلَقِ تكلَّم بعبارة الدَّمع، لعلَّهُ يقعُ في سَمْعِ القبول، فمُرادُ المُمْرِضِ أَنِينُ المبتلى. النظرُ في هذه الأمورِ أقلَقَ قلوبَ العارفين، فكانوا يبكون الدماء.

اجتمعت أحزانُ القوم على القلوب فأَوْقَدَتْ حولها نَارَ الحذر، وكان الدمعُ صاحبَ الخير فَنَمَّ.

أَقْلَقَهُم الخوفُ والفَرَقُ، أطافَتْ بقلوبهم الحُرَقُ، لباسُهم ملفقاتُ الخِرَق، طعامُهم ما حضرَ واتَّفَق. يا نورَهم إذا جَنَّ الغَسَق، يا حُسْن دَمْعِهِم محدقاً بالحدَق، انقطَعَ السِّلْكُ فَسَالَتْ على نَسَق، فكتبتْ عُذْرَها في الخَدِّ لا في الوَرَق، ذابتْ أجسامُهم فلم يَبْقَ إِلاَّ رَمَقٌ، فلاحظَهُم العفوُّ لطفاً بهم ورَفَق، لو رَأَيْتَهم يتشبّثُونَ بذيْلِ الظَّلاَمِ، ويأنسونَ بِنَوْحِ الحِمام، ويهربُون إلى الفلوات، وغاية لذّاتهم الخلوات.

نُواح الحمامِ مُسَخَّرٌ للمشتاق، لا يريدُ منه أُجرةً، بينهما أنسٌ ممزوجٌ بمنافرة:إِنْ كنتَ تنوحُ يا حَمَامَ البَانِ *** للبَيْنِ فأَيْنَ شـاهدُ الأحزانِ

أجفـانُكَ للدُّموعِ أم أَجْفَاني *** لا يُقْبَلُ مُدَّعٍ بـلا بُرْهَـانِ