هذه مقالة قديمة/جديدة بمناسبة هذه القيامة المخزنية الجديدة على إثر بعض الآراء التي عبرت عنها السيدة نديّة ياسين، في أحد الاستجوابات الصحفية، في شأن النظام الملكي المغربي.

وهل النظام الملكي المغربي إلا اختيار سياسي تاريخي يجوز عليه من النقد والمراجعة ما يجوز على أمثاله من الاختيارات السياسية والاجتهادات البشرية؟

لماذا هذا الإصرار الجبري المَرَضِيّ على تقديس ما هو، بطبيعته البشرية النسبية، لا ينفك عن النقص والضعف والحاجة الدائمة إلى الإصلاح والتقويم؟ باختصار، لماذا هذا الدفاع المستميتُ والتشبثُ القوي بواحدة من معالم “عهد تازمامرت”، ومنكرٍ من منكراته، وهو تقديسُ البشر، وأفكارِ البشر، وسياسات البشر، وأوهام البشر، وعثرات البشر، وانحرافات البشر؟

وهل نظامنا الملكي إلا نظامٌ سياسي، على رأسه ملك -مع كل احترامي لشخص الملك ومكانته المعنوية- يجمع في يده، بنص الدستور المكتوب وغير المكتوب، مطلقُ السلطات، وهو، مع هذا، فوق النقد والمحاسبة والمراقبة؟ فإذا لم يتوجهْ نقدُ الناقدين واعتراضُ المعترضين إلى سياسات الملك وقراراته وتوجيهاته وتعليماته، فلمن سيتوجه؟ وكأننا لا نعلم علمَ المجرِّبين المُوقنين أن الحكومة والبرلمان والوزراء وسائر المؤسسات والهيئات الرسمية لا تملك من السلطة وحق القرار إلا ما يفوض لها في ظل الملك وتوجيهاته وتعليماته.

وقبل كل هذا، ما هي حقيقة هذه “المقدسات” التي ما تزال تقطع الرؤوس منذ “عهد تازمامرت”؟

هل هي شيء آخر غير اختيارات سياسية واجتهادات بشرية أُضْفِيَت على مضامينها، بقوة الحديد والنار، صفةُ القداسة، فإذا المفسرون والمعلقون والمحشون يقفون عند هذه الاختيارات، راغبين أو راهبين، على أنها الأصل الأم الذي منه تنبثق الأصول، والنص المقدس الأول الذي يتكلم بالحقيقة النهائية والمطلقة؟

ومما يؤسف له كثيرا أن بعض الإسلاميين، ومنهم من وصل إلى البرلمان، قد اختاروا، في توجههم السياسي، أن ينضموا إلى جوقة المفسرين المقدِّسين (بصيغة الفاعل) الرسميين، فلم يألوا جهدا في التأييد والتسويغ، بل وجدناهم، في مناسبات عديدة، ومنها مناسبة تصريحات السيدة ندية ياسين الأخيرة، يتجندون، بلا ضوابط ولا حصّارات، سياسية أو أخلاقية، للدفاع عن هذه المقدّسات، حتى لو كلفهم ذلك الدّوسَ على حقائق التاريخ ومبادئ الحكمة والعقل ومصالح السياسة ومنطق التدافع السياسي.

وإني مضطر، في هذا السياق، أن أذكّر بعبارات وردت في رسالة كان بعث بها، في أكتوبر من سنة 1987، السيد عبد الإله بنكيران، بصفته، يومئذ، رئيسا لجمعية “الجماعة الإسلامية”، إلى الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله ولجميع المسلمين، في شأن وضعية الجمعية. ولا ننسى أن السيد محمد يتيم، وهو اليوم من الإسلاميين الذين يتزعمون صفوف المدافعين عن المقدسات المخزنية، كان في وقت كتابة هذه الرسالة من أعضاء القيادة الشابة المؤسسة لجمعية الجماعة الإسلامية بعد إعلان التبرؤ والانفصال عن حركة الشبيبة الإسلامية.

في هذه الرسالة استعطافٌ للأعتاب الشريفة بمختلف العبارات، واسترضاءٌ للسدّة العالية بالله بكل الأساليب، لعل شباب الجمعية، التائبين من الغي إلى الرشد، يحظون بالتفاتة مولوية كريمة تجعل لهم مخرجا من الضيق الذي كانوا يعانونه !!! وأي ضيق، وأية معاناة؟ نسأل الله تعالى أن يرحم ضعفنا وأن يجعلنا من الشاكرين.

والشاهد باختصار من ذكر هذه الرسالة أن من مبادئ الجمعية التي أراد السيد بنكيران ومن معه من “الشباب المغربي المتدين”، كما جاء في الرسالة، أن يؤكدوها للملك الراحل أن جمعيتهم جمعية: “تتمسك بمقومات البلاد ومقدساتها كما حددتموها -والخطاب هنا للملك-، وهي: الإسلام، وحدة المذهب، الملكية الدستورية، الوحدة الترابية، اللغة العربية” انتهى النص المنقول بلفظه كما في أصل الرسالة.

وإني أتساءل، أولا، إن كان السيد عبد الإله بنكيران وأصحابه ما يزالون يتبنون مضمون هذه الرسالة التاريخية؟ وهناك، ثانيا، تعليقي على هذه العبارة التي اقتطفتها من الرسالة؛ فالسيد بنكيران، ومعه أصحابه طبعا، يؤكدون، في هذه الرسالة، أنهم يتشبثون بالمقدسات كما حددها الملك، برأيه وفهمه وذوقه ورغبته، لا كما حددها الدين، مثلا، أو الدستور أو القانون أو برلمان منتخب. فلفظ الرسالة يصرح بأن إخواننا يتشبثون بمقدسات ترجع في تحديدها إلى إنسان قد يصيب وقد يخطئ. ولا حاجة بي أن أبين هذا التناقض الصارخ في مثل هذه المواقف والاختيارات: مقدساتٌ لا يجوز نقدها أو مراجعتها أو تقويمها، بلْهَ رفضَها، ومحددُ هذه المقدسات، أي صانعُها، بشر كسائر البشر، لم نعلم عنه أنه ادعى لنفسه العصمة من الخطأ والسلامة من العيوب والنقائص. وستكون لي عودة إلى هذا الموضوع في مناسبة قادمة إن شاء الله.

موضوع حيوي للأمة في الوقت الحالي يسكت الناس عن مضامين إشكالاته الحقيقية، ويكثرون من اللغط والضوضاء حول العبارت والأشكال والأزياء الظاهرة؛ يسكت الناس-أقصد بصفة خاصة المدافعين عن النظام المخزني في صورته الحالية من المنتفعين وأصحاب المصالح في بقاء الوضع على ما هو عليه- عن الكلام الجاد والمسؤول على أسس الحكم الديمقرطي الذي نريد، وجوهر النظام السياسي الذي نقصد، ومبادئ البناء الاجتماعي الذي نسعى إليه، ويشغلون الناس بقضايا شكلية تكمن وراءها نيةُ القمع والمنع وتقييد الحريات وتأبيد أصل الداء.

ملكية تنفيذية، أو ملكية دستورية، أو ملكية برلمانية، أو جمهورية رئاسية، أو جمهورية برلمانية، أو خلافة إسلامية، أم إمارات متحدة، أو غير ذلك من الأسماء والتعبيرات؟؟ أشكال وألوان ومظاهر، لكن عن أي مضمون نتحدث؟ ما هو المخبر؟ ما هو اللب؟

إني أقول، في تعبير واضح ومفهوم: اِئْـتِني بدستور مَصُوغٍ على أعين الناس، صادر عن إرادتهم ورضاهم، معبّر عن حقيقة هويتهم واختيارهم الحر، دستور يضمن الحقوق والحريات، وعلى رأسها حرية الرأي والتعبير، ويصون كرامة الإنسان وحرماته، ويثبت موازين العدل والتعاون والتضامن بين جميع الناس، ويؤكد حق الأمة في الإبرام والنقض، في انتخابات حرة سليمة من أدواء العبث والرشوة والتلاعب بإرادة الناس، دستور يجعل ممارسة السلطة، أيا كان مستواها، مقرونا بالمراقبة والمحاسبة، ويفصل فصلا حقيقيا بين السلط، ويحمي استقلال القضاء أن تمتد إليه يد الحكام-

ائتني بدستور بهذه المضامين والصفات، وسمِّ نظامك، بعد ذلك، بما شئت من الأسامي والعبارات، وأضْفِ عليه من الأوصاف والألقاب ما تريد.

هذا من أعراض دائنا العضال، نسكت عن اللباب، ونقيم القيامة على الحواشي والقشور. وفي رأيي أن الحداثيين المخزنيين، والإسلاميين “المعتدلين”- وأركز على هذين التوجهين من بين آخرين- باتوا يشكلون اليوم عرقلة حقيقية في طريق التطور والبناء في حياتنا السياسية، وإلا فكيف تتجرع حلاقيمهم أن يقوم بناء على أساس ما هو بأساس.

أسأل في جملة، قبل أن أترك القارئ الكريم مع المقالة القديمة/الجديدة: هل من حق الناس أن يتكلموا، الكلام فقط، في أمر همْ مادته الأساس، أمر يهمهم في دنياهم وآخرتهم، أمر متصل بهم بما هم شعب من شعوب هذه الأرض… هل من حقهم أن يتكلموا، أم أن سلاح المخزن باق على وفائه لذخيرة المقدسات.

أتمنى لكم قراءة مفيدة.

مقدسات أم رصاصات قامعات؟

القمع والمنع هما صفتان متلازمتان من صفات حكومات الجبر والتعليمات في كل مكان وزمان.

المنع قمعٌ، وفي الاثنين كارثةٌ ** على الحقوق، فَهَلاّ قام نَعْسَانُ

إن الأصل الذي عليه دنيا العقلاء والفضلاء، والذي عليه تقوم مبادئ الحرية والشورى الحقيقية، أنه لا مقدّسات في السياسة، أي أن كل من يتخذ قرارا يهم الناس في شأن من شؤونهم -مهما كانت رتبته- لا بد أن يكون مسؤولا، ولا بد لقراراته وأساليب معالجاته السياسية، في دولة العدل والحق والقانون، لا دولة التعليمات، أن تُـنتقد وتُـراجع وتُـقوّم.

وما دامت آراء الناس واجتهاداتهم السياسية -والناس خطّاؤون بطبعهم وبشرّيتهم ومعرفتهم النسبية- تُنزّلُ منزلة المقدس، فإن القمع والمنع وغيرهما من مظاهر الظلم ستظل عملة رائجة في سوق سياسية لمّا تتطهرْ من رذائل الاحتكار والإقصاء والاستبداد.

في دولة الجبر والتعليمات تُضفى صفة القداسة على الفعل البشري الاجتهادي النسبي، فإذا بهذا الفعل يتحول إلى عصا تُـرفع، في أي وقت، لقمع كل مخالف أو منتقد أو معترض.

مثلا، الرؤية السياسية التي يُعالج بها ملف قضية الصحراء هي رأي اجتهادي بشري، ومع ذلك فإن الإعلام المخزني الرسمي يتعامل معها على أنها رؤية مقدسة لا تقبل المناقشة والمراجعة، ولا يمكن أن ينالها نقد أو تقويم أو تعديل. وبسبب هذا التقديس للرأي البشري كان قمعٌ ومنع، وكانت متابعات ومحاكمات، وكان التعذيب والسجن، والتهمة دائما هي المس بالمقدسات.

يا قومِ، أين هي هذه المقدسات؟ ليس هناك إلا آراء بشرية، واختيارات سياسية، ومعالجات مشروطة ومظروفة بظروف، وتقديرات وترجيحات. ليس في الأمر حكم مطلق، أو رأي نهائي، أو معالجة أو تقدير فوق النقد. إنما الأمر بَشَرِيَّاتٌ في بَشريَّات.

ففي يوم السبت 15/04/2000، مثلا، وبأمر من الوزير الأول، منعت السلطات المخزنية دخول جريدتي “الصحيفة” و”لوجورنال”- كانتا في هذا الوقت تُطبعان بالخارج- إلى المغرب بدعوى التصدي -حسب بلاغ وزارة الاتصال- “للتجاوزات التي ما فتئت تسير عليهما الخطة التحريرية للصحيفتين في معالجتهما لقضية وحدتنا الترابية.” وقد ظهر، فيما بعد، أن الجريدتين إنما منعتا بسبب أنهما يريان أن قضية الصحراء هي قضية جميع المغاربة، وأن طريقة معالجتها هي من السياسة العامة للبلاد التي من حق الأمة أن تكون على علم بها، وبالتالي لا ينبغي احتكارها أو تقديس رأي فيها وقمع الآراء الأخرى وتجريمُها وتصنيف أصحابها في خانة المغضوب عليهم، وأن الإجماع “على وحدتنا الترابية -حسب عبارة رئيس تحرير “الصحيفة” في افتتاحية عدد(81)-& لا يمكن أن يشمل كذلك طريقة تدبير هذا الملف”.

وكذلك “المذكرة” التي كتبها الأستاذ عبد السلام ياسين “إلى من يهمه الأمر”، مُنعت من التداول وتعرض كاتبها لأشرس الحملات الإعلامية التجريحية الإقصائية، والجريمة دائما هي المس بالمقدسات.

كيف؟ لأن كاتب المذكرة ذكر الملك في سياقات تُظهره بشرا كسائر البشر يمكن أن يخطئ في سياساته وتقديراته ومعالجاته واختياراته، وتخاطبه على أنه مسؤول يحتاج، في كل وقت، إلى بطانة الخير، وإلى من ينصح له ويعينه على تحمل أعباء مسؤوليته.

وابحث عن السبب الحقيقي وراء منع بعض المسلمين من السفر لأداء فريضة الحج (موسم 1420)- والمنع جريمة بنص الدستور والقانون- تجدْه، في نية الآمرين بالمنع، هو تهمة المسّ بالمقدسات.

وابحث، كذلك، في أسباب كثير من قرارات المنع والقمع، تجدْها دائما أسبابا سياسية تدور حول تهمة المس بالمقدسات.

كيف يريد بعض المطبّلين للعهد الجديد، عهد التغيير والتنوير والحداثة والديمقراطية -على حدّ شعاراتهم وأحلامهم- أن نرتقي بدولتنا إلى أن تصبح دولة الحق والقانون والحريات، وهم يصرون على أن يكون من أساسات البناء تقديسُ الناس، وآراء الناس، وسياسات الناس، وقرارات البشر، واجتهادات البشر، وأوهام البشر؟

أية حداثة وأية حرية يريد هؤلاء في ظل دولة يقمع فيها الرأي برصاص “المقدّسات”؟

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.