لقد أصبح مقدرا علينا نحن المغاربة في هذا الزمان، كلما أردنا أن نعبر عن آمالنا وآلامنا إما تصريحا أو تظاهرا أو تعليقا بما لا يروق حراس المعبد  خدام المخزن-، إعداد المحاضر وفتح المحاكمات.

لقد حاول البعض أن يَعيش ويُعيش الجميع في كذبة هي من نسج خياله، وارتضى لنفسه سياجا وضع نفسه فيه وسقفا لا يتجاوزه. كما حدد منظارا ينظر به إلى الأمور يعتبر هو المعيار وما سواه لا يستحق الوجود. لقد أصبحت قلوب وعقول “مناضلينا” من سياسيين وإعلاميين ومثقفين تضيق عن سماع صوت يخالف صوتها أو الاستماع إلى رأي يخالف رأيها. فتحول بذلك من كان يدعو بالأمس إلى الديمقراطية وحرية التعبير و”يناضل” من أجل المقهورين إلى منتظر في طابور المخزن يجد ويكد من أجل إظهار ولائه وتقديم خدماته عسى أن يستفيد مع المستفيدين من فتات موائده وعطاياه. بل أصبح هناك من يتحرج من ماضيه “النضالي” الذي لم يجلب عليه إلا الويلات، فاختار بذلك الارتماء في أحضان المخزن يوالي من والاه ويعادي من عاداه. فتحول بذلك ديمقراطيو الأمس إلى جلادي اليوم، ومنظرين للمخزن يأتمرون بأوامره وينتهون بنواهيه تحت مسميات ونداءات مختلفة مرة دفاعا عن التسامح  المسموح به من طرف السلطة- وأخرى عن المقدسات  بعضها- التي لا تحتاج إلى من يدافع عنها. بينما الإنسان المستضعف الذي يصارع من أجل لقمة عيشه لا مكان له تحت هذه المظلة لأن ليس له ما يعطي كما أنه لا يملك سلطة.

ففي كل فترة تاريخية يجد المخزن من يوفر له الغطاء الإديولوجي من سدنة المعبد لقمع وحصار من استعصى عن الترويض والتدجين. فالفتاوي جاهزة والاجتهادات متوفرة، كما أن المبررات التي تبرر القمع وتعطيه صبغة قانونية ومقبولة لا حد لها. إضافة إلى الاتهام بالخيانة، والعمالة سلاح العاجزين الذين يختارون الهروب إلى الأمام عوض مواجهة الأفكار بالأفكار، أضحى هو العملة الرائجة.

إننا نحتاج إلى وطن يحتضن الجميع باختلافاتهم ويحترم حق الجميع في التعبير، وليس إلى وطن يساق بعقلية بوليسية يخشى فيه الإنسان على نفسه خوفا من أن يتهم بسبب رأيه أنه ضد الوطن أو أنه يريد بث الفتنة. إننا نحتاج إلى وطن نتنفس فيه عبق الحرية، وليس إلى وطن تحكمه القوانين الجائرة.

غريب أن القضايا الكبرى والمصيرية يتصدى لها ذوو العقول الصغيرة ومفكرو آخر الزمن وأصحاب الأنفس المريضة. فكل من هب ودب يصبح بين عشية وضحاها منظرا ومحللا سياسيا والباقي لا يفهمون وتافهون، لأنه يتوفر على واجهة يتحدث من خلالها بينما الباقي لا، ظنا أنه يقدم خدمة للوطن بينما يجني عليه ويرده للوراء. هذا الوطن الذي يتعرض صباح مساء للاستنزاف والسرقة بمعرفة الجميع من طرف أقلية بينما الأكثرية تعاني الفقر والإحباط.

إن “الإجماع” لا يعني أن نجعل من المغاربة مجموعة من “نعاج” يفعل بها ولا تفعل في ظل جو من الرعب والذعر من خلال منع الجرائد والتضييق على الجمعيات وقمع التظاهرات والاعتصامات وحصار الرأي المخالف. وما التعامل الانتهازي لحراس الديمقراطية مع مذكرة “لمن يهمه الأمر” للأستاذ عبد السلام ياسين والتي حملت إجابة على كثير من القضايا التي يواجهها المغرب الآن والتي لم يفطن إلى بعضها إلا بعد فوات الأوان إلا دليلا على ذلك.

كذلك الضجة المفتعلة حول وجهة نظر الأستاذة ندية ياسين والتي صورتها بعض الأقلام أنها محور الشر في الوقت الذي يعرف فيه الجميع مصدر هذا الشر وآلياته. ربما سيأتي زمان تصبح فيه ندية ياسين سبب أي انتكاسة يعرفها الوطن، والشماعة التي تعلق عليها الأخطاء، خاصة ونحن على أبواب انتخابات 2007 فهذه فرصة كي تخفي أحزابنا ويخفي مسؤولونا فشلهم وإفلاسهم.

إن المغاربة طيبون، إلا أنهم ليسوا من السذاجة حتى لا يعرفوا سبب ويلاتهم وبؤسهم ومسببوها من السياسيين والانتهازيين المتملقين.

إننا نحتاج إلى إجماع حقيقي لا يرتهن لأي كان قوامه ميثاق يجمع بين الغيورين من هذا الوطن وذوي المروءة المستعدين لبذل الغالي والنفيس دون انتظار المقابل، لا مكان فيه للمتملقين والانتهازيين. قال تعالى: “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين” صدق الله العظيم.