(وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا. وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وكانوا لنا عابدين)قرآن كريم.

يتهم اللائكيون الإسلاميين بسعيهم لإقامة “الدولة الدينية”(1) حين ينادون هم بـ”الدولة المدنية”. يعنون بالدولة الدينية أن شرعية حكامها لا يطالها حساب، لأنهم يعدون أنفسهم خلفاء الله في الأرض، فهم فوق الجميع ولا أحد ينبغي له أن يعلو عليهم. يؤيدون قالتهم بالدليل التاريخي مما سلف في تاريخ المسلمين، وبالدليل الواقعي الذي لا يعدمونه عند فقهاء يعيدون على المسامع من فوق المنابر الحديث الموضوع القائل “أن السلطان ظل الله في الأرض”، وبالدليل القانوني  إن لم يعدموا الجرأة  من دساتير حكام تنص صراحة أن ذواتهم مقدسة، فلا يسمح أن يطالها نقد أو تمسها نصيحة. ونطرح التساؤل هنا بغية الفهم: من أين يستمد إمام المسلمين مشروعيته؟.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا موحى إليه، فكان الشاهد على الناس، المبشرَ للمؤمن العامل للصالحات بالجنان، المنذرَ للصارف قلبه عن الذكر بسوء العقاب، كان الداعي إلى الله بإذنه وبالسراج المنير. وكان لجموع المؤمنين، إضافة إلى مهام النبوة الأساسية والتي لن يخلف أحد فيها خاتم النبيئين، القاضي في النزاعات، والمفتي في النازلات، والقائد في الغزوات، والجامع للأموال والزكوات، ومرسل السفراء إلى السابقين في الحضارات… وكانت الرعية مأمورة من كتاب ربها بطاعته في كل أمورها، قال تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) [النساء:115]، فطاعته في كل أمر مسألة اعتقادية، ومبايعته مبايعة لله عز وجل (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم) [الفتح:10]، فإمامة النبي صلى الله عليه وسلم للأمة لا ترتبط بشورى أو مبايعة يمكن للناس نكثها من بعدُ وإلا لحقهم الوعيد الشديد، لأنه أصلا لم يُوَلَّ عليهم من طرفهم، بل توليته من الله تعالى، وإلا فاسمع لمقالته صلى الله عليه وسلم حين “خطب في الناس وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله، فيأتي أحدكم فيقول: هذا لكم وهذه هدية أهديت لي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا”(2)، فالنبي صلى الله عليه وسلم ولاه الله كما ولى الرسل من قبله، فاجتمع لهم نور الوحي والإذن في سياسة الناس، قال تعالى عن سيدنا إبراهيم (وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن. قال إني جاعلك للناس إماما) [البقرة:123]، كما قال عز من قائل لسيدنا داود (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) [ ص:26]. فالإمامة عن الله أمر اختص الله به أنبياءه، حتى إذا كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيئين انقطع هذا الاختصاص، فإن ادعى بعده أحد أن مشروعية إمامته تتعالى فوق الخلق لتتصل بالخالق، فإنما يكون قد ادعى زورا وقال بهتانا. ولتأصيل هذا الفهم في أجيال المسلمين رفض خليفة المسلمين الأول أبو بكر الصديق مناداته: “يا خليفة الله، فقال: بل خليفة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا أرضى به”(3)، والفرق بين الاصطلاحين كبير، بل هو الإشارة إلى تحول تاريخ المسلمين في مسيرته من مرحلة النبوة إلى مرحلة الخلافة الراشدة. من سمات المرحلة الأولى إمامة النبي صلى الله عليه وسلم للناس عهدا من الله عز وجل، وعصمته بالوحي. أما في المرحلة الثانية فقد غدا استخلاف الخليفة اختيارا من المسلمين، أما الوحي فقد انقطع كليا إلا ما بقي من مبشراته، وإلى هذا أشار أبو بكر في أولى خطبه، فعن قيس بن أبي حازم، قال: “إني لجالس عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بشهر فذكر قصة، فنودي في الناس: أن الصلاة جامعة: وهي أول صلاة في المسلمين نودي بها: إن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر، شيئا صنع له كان يخطب عليه، وهي أول خطبة خطبها في الإسلام، قال: فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: يا أيها الناس، ولوددت أن هذا كفانيه غيري، ولئن أخذتموني بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ما أطيقها، إن كان لمعصوما من الشيطان، وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء”(4).

الهوامش:

(1) هي ليست تهمة لو كان اللائكي يعني بالدين ما تعارف عليه المسلمون من (إن الدين عند الله الإسلام)، فتكون “الدولة الدينية” مرادفة “للدولة الإسلامية”. لكن الإسلاميين ينفون هذا النعت عن تصورهم لمعرفتهم أن اللائكي إنما يحيل إلى مفهوم الدين بمعناه الأعجمي: Religion وما يحمل من دلالات الحكم “الثيوقراطي”. إن التواصل بين اللائكي والإسلامي لا يرجى حصوله إلا من خلال عملية ترجمة المفاهيم للوقوف عند حمولاتها الفكرية!

(2) صحيح البخاري  كتاب الأحكام- باب محاسبة الإمام عماله.

(3) مسند الإمام أحمد  كتاب الخلفاء الراشدين  باب مسند أبي بكر الصديق.

(4) مسند الإمام أحمد  كتاب الخلفاء الراشدين  باب مسند عمر بن الخطاب.