1/ شكر وأسىأستهل هذه الكلمات الموجزة المعتصرة من قلب مكلوم على ما آل إليه بلدي العزيز، وما صار إليه الطافحون على سطحه، بشكر حار خالص إلى الأستاذة ندية ياسين التي كشفت بصرختها المدوية المنعتقة من أصفاد وأوهاق المخزن التي غل بها المغاربة لردح من الزمن غير يسير، مدى تهلهل فزاعة المخزن وأنه إنما يتكأ على منسأة جوفاء، وما المنسأة إلا أوهام جبروت نخرته عوادي زمان البطش بخلق الله. وما المنسأة الخاوية إلا جوقة انتهازيين ووصوليين وخائفين وخائرين وواهمين منهم من هو من قلب دار المخزن مهدا ومنشئا، ومنهم من رضع لبانها حديثا فعز عليه الفطام، ومنهم من ما زال يبحث لنفسه عن مكان ضمن “التشكيلة” المخزنية الهرمة وهو من فرط لهفته على دخول دار المخزن خط خطوطا حمراء من لدن وهمه أضافها إلى الخطوط الجبرية التي رسمها المخزن وهي بنود صك الخنوع.

بعد الشكر لمن يستحق الشكر، أعلن بالغ أساي على القوم الذين اصطفوا إلى جانب الجلاد وراحوا يتسابقون من يتمملك أكثر، وكلهم يرفعون العقائر بضرورة تطبيق القانون، هكذا القانون بدون استحياء ولا أن يرف لهم رمش والحال أنهم قبل غيرهم يعرفون أن ليس ثمة قانون ولا هم يحزنون إنما الكل تعليمات في أوامر في إشارات.

2/ أكذوبة القانونقالوا بضرورة تطبيق القانون على الأستاذة ندية فأتساءل متى كان يدور بخلد هؤلاء أن المغرب يطبق فيه القانون، على علاته، قبل أن يقدموا فروض الولاء المطلق لكل ما هو مخزن؟ أبالقانون قضى عدد منهم معظم حياته في أقبية المخزن الباردة المظلمة؟ أبالقانون تمت محاكمات الستينات والسبعينات والثمانينات؟ بأي قانون تم التعامل مع أحداث 73 و81 و90 وغيرها كثير؟ بأي قانون كانت تحرق مطابعهم وتمنع صحفهم؟ بل وحيَ القوم بأي قانون هم موجودون الآن حيث يتربعون مع المتربعين على رقاب الشعب ألم تكن فقط صفقة في غفلة من الشعب؟

جوابهم جاهز على هذه الأسئلة بدعواهم أن ذلك حدث في العهد القديم واليوم صباح العهد الجديد، فآتي من أخبار العهد الجديد ما يخجل أمامه العهد البائد نفسه وأسأل:

أي قانون يريدون تطبيقه على الأستاذة ندية، أهو الذي ألزم بعضهم ذات انتخابات بأن يترشح هنا ولا يترشح هناك؟ أم بذاك الذي فرض على حركة أن تطوح برئيسها لمجرد كلمة حرة قالها؟ أم بالقانون الذي يحدد لفريق برلماني من يصلح له رئيسا ممن لا يصلح؟ أبالقانون تمنع صحف العدل والإحسان؟ بأي قانون يحاكم الصحفيون؟ وغيرها من الأسئلة كثير فهل من مجيب.

أرأيتم حجم المهزلة مع هذه الإطلالة الخفيفة على واحدة فقط من الصفحات السود لسجل المخزن في ترويض خلق الله ومسح ذاكرتهم.

وبالطبع رفعوا هتافة تطبيق القانون، عفوا أكذوبة القانون، على إيقاع أسطوانتهم المشروخة، المقدسات. ألم يان الأوان يا خلق الله لإعفاء آذان المغاربة من هذا الهراء الذي تمجه الفطر السليمة والعقول السوية. وكل المسلمين يحفظون القولة الرائعة للإمام مالك رضي الله عنه، قلت الإمام مالك أليس مذهبه هو المرتضى في المغرب الرسمي؟ قال الإمام أن الكل يؤخذ من رأيه ويرد إلا صاحب هذا القبر ويقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم. عين العقل، لكن أين العقل؟

ومع ذلك فأنا أحترم اختيار القوم وأنا مع حريتهم في الانتشاء بممارسة طقوسهم في تقديس ما يشاؤون تقديسه، فلماذا لا يحترمون من يرى ممارساتهم قمة في البهلوانية وهي مدعاة للتقزز والامتعاض؟

هنا يقولون، كذبا بالطبع، أن الأمر إجماع. فأقول إلا هذه الفرية فورب الكعبة ما يصدقهم بشأنها أحد. بالله قولوا للمغاربة، ولا تنسوا أنهم يزيدون على ثلاثين مليون، متى كان هذا الإجماع وأين وما هي بنوده؟ إلا إذا اعتبرتم سكوت الشعب من علامات الرضى فأقول إن هذا عادة في الزواج وليس في تمليك رقاب العباد للعباد.

لنبقى في حكاية المقدسات، أليس الإسلام من ضمنها؟ فلماذا تخرصون وحرمات الله تنتهك جهارا نهارا. هنا تقلب الجوقة ظهر المجن فيصير الحديث عن حرية الاختيار والتدين والتمذهب. هل بعد هذا من وقاحة؟

3/ ذاكرة مثقوبةلنرجع الآن إلى سبب النزول، وهو ما قالته الأستاذة ندية ياسين:

فما الذي قالته حتى استل القوم من مخبوء ضحالتهم السياسية ما يستعيضون به عن استئساد مفقود، منهم من ركنه في أركان مغبرة من تاريخ منسي، ومنهم من طواه ضمن لبوس الأمس، ومنهم، وهذا الأنكى والأشد، من انسلخ منه انسلاخه من جلده. رأيتم هذه العجيبة من عجائب مغرب اليوم كيف يستطيع آدمي أن ينسلخ من جلده، وكيف لا يقدر من ماتت منه كل الأحاسيس؟ نعوذ بالله من سوء العاقبة.

والدليل على هذه القدرة العجيبة ما لفظته ماكيناتهم الصدئة من بيانات حسن السيرة والسلوك التي نثروها في مبخرة المخزن، وهي لعمري لن يزيد دخانها أجواء المخزن إلا تلبدا، وإن كانت رغبتهم أن يحجبوا بدخانها وعجعجتها الواقع المر البئيس المتردي إلى حيث نرجو لطف الله، وإلى حيث نأمل ألا يطول مقام مغربنا العزيز لينهض بعد إلى المعالي آمين.

يا هؤلاء، ماذا قالت ندية ياسين غير تعبير شفاف صادق عن إرادة متشوفة إلى الفكاك من قيود الاستبداد التي ما فتئ شرفاء المغاربة، طيلة الأربعة عقود الماضية، يخلخلونها واهبين لذلك من حريتهم ودمهم وخبزهم. وواأسفاه أن نجد من ضمن الجوقة التي حركها المخزن لمواجهة السيدة ندية، ومن خلالها جماعة العدل والإحسان، عددا غير قليل ممن قالوا، في ما مضى، أكثر مما قالت، بل حملوا من أجل ذلك السلاح، هل تغير في الواقع شيء؟ مع الأسف أنهم الذين تغيروا أما الواقع فلم يزدد إلا بؤسا. فما الذي دهاهم حتى تنكروا لأنفسهم وتاريخهم ونضالهم؟ قبح الله الكراسي فقد فعلت فعلها حتى محت ذاكرتهم من كل تاريخهم ولم تبق فيها غير تاريخ المخزن، قالوا هم أنه يمتد لقرون والعهدة على ذاكرتهم المثقوبة، حسبانا منهم أنهم يستغفلون بذلك شعبا بإيهامه أن جذور المخزن راسخة في الطيبوبة وفي خدمة مصالح الشعب، والحال أن الشعب المسكين لم يستفق بعد من هول ما اطلع عليه من الثقب الصغير الذي فتحه المخزن وأبواقه بمقدار ما يجلب رضى المانح الخارجي، فرأينا ورأى شعبنا المقهور من طوام وجرائم ورزايا المخزن، فقط خلال أربعة عقود، ما تشيب له الولدان. فماذا لو رجعنا إلى ما قبل الأربعين سنة؟ ماذا كان يا مادحين ويا معتزين بالتاريخ التليد غير الرق والسخرة والتناوب على بيع البلد؟ أم إخالكم نسيتم دروس التاريخ، التاريخ الرسمي بالطبع المحبر بعناية فائقة في دار المخزن، أما الحقيقة فالله وحده أعلم.

4/ منظار ومنظاربعد هذا لنزح المسميات والقشور جانبا، وهي ما تمسكوا به تمسك الظمآن في الهجير، ودائرة المخزن هجير فعليهم مني الشفقة. ثم لننظر إلى الجوهر الذي قصدته الأستاذة ياسين، الظنينة الآن تحت مقصلة الجبناء، فهل الوصف الذي قدمته لمغرب اليوم يجانب الحقيقة في شيء أم العكس هو الصحيح؟ بل إني أرى أنها، وتحت الرقابة الذاتية، ما قالت كل ما ينبغي أن يقال مما ينوء تحته المغاربة من قهر سياسي واحتواش اقتصادي وهدر مالي واحتقار اجتماعي وإفساد أخلاقي و، الأدهى، شدخ يومي لرأس المغاربة، ورأسهم إسلامهم مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه “رأس الأمر الإسلام”.

أم أنكم، معشر المنافحين عن المخزن، تريدون لنا أن نرى بمناظيركم التي علاها ضباب كثيف امتزجت فيه المصلحة الضيقة مع جاذبية الكرسي مع الوسواس القهري من سطوة المخزن؟ فعذرا لا تلزموا الكل بما التزمتم من شروط دخول بيت الطاعة. وعفوا فمناظيركم لا ترى إلا محيط عيشكم الفاره. أما المنظار الشعبي الشفاف فتمتد رؤيته إلى ما يجري يوميا في سجون المخزن وأقبيته من استباحة لكرامة أصحاب الآراء المخالفة والمعارضة، وإلى ما يرتكب من تكميم للأفواه، وما يحدث أمام قبتكم المزيفة من اعتداء شنيع على أجساد وكرامة خيرة نخبة المغرب، وما يجري في كل لحظات اليوم من ارتماء فلذات أكبادنا في بطون الحوت هربا من وطن عزيز لهفته البطون الشرهة المتخمة، ناهيك عن الدين الذي عاثت في حماه أيادي التغريب والمسخ، فاللهم حماك.

محصلة الأمر أن الأستاذة ندية ياسين، مشكورة، وكل الأصوات المماثلة، ترى أن المدخل لولوج مغرب مغاير أن نصف الأمر كما هو، وما الأمر إلا استبداد وفساد وانهيار للأوضاع. في حين أن المخزن وشلته يريدون أن يفرضوا مقولتهم الممجوجة وهي: لماذا نركز على نصف الكأس الفارغ ولا نرى النصف الممتلئ، وهي بالمناسبة المقولة الأكثر هذرا هذه الأيام في سوق المخزن الكاسدة. أقول نعم إذا كان النصف الممتلئ من الكأس فيه ما يستساغ شرابه، أما وهو علقم تزكم راحته الأنوف من بعيد فليهرق ولا ندامة.

أو بمعنى أكثر وضوحا يريدون لنا أن نقتنع أن المصلحة العليا للوطن، لاحظوا التوظيف الخبيث للمفاهيم فالذي يقول عكس ما يقولون هو عدو للوطن، تقتضي استمراء واقع ولو كان فيه كثير من الظلم في مقابل نزر لا يكاد يرى مما يسمونه إشارات التحول. ألم يقل أحدهم، في إحدى معابر تاريخ شرعة المتغلب، أنه لا بأس من مستبد عادل؟ هذا زعمكم، لكن اختيار الأحرار سيبقى دائما هو القاعدة الفقهية التي أقرها فقهاؤنا الأكابر ونصها “العدل لا يتجزأ”.

من أجل هذا انتصب هؤلاء في مقام النيابة العامة ضد الأستاذة ندية ياسين في سابقة خطيرة قبل انعقاد المحكمة وبدؤوا دفوعات “التغريق” من الآن ومن أغرب ما قرأت منها أن بعضهم دفعتهم للاصطفاف ضد ندية خشيتهم من أن تستغل تصريحاتها للرجوع بالمغرب إلى الوراء. ويا للبراعة في التلبيس على الناس، متى كان المغرب في الأمام حتى يرجع إلى الوراء، أسأل الله له، أو الأحرى لنا ولا تنسوا أننا مغاربة أيضا، الرقي والازدهار. ثم أقول لهؤلاء أنني أعتقد أن الأستاذة ندية ياسين ما قالت قولها إلا خشية أن يستغل انبطاحكم للاستمرار بالمغرب في ما هو فيه من وراء.

5/ ختم وتحيةقبل الختم أثير ملاحظتين:

الأولى أن القارئ الكريم سيلاحظ كثرة استعمالي للفظة المخزن وأقول أني قصدت ذلك لأن الجوقة إياها أصرت في السنوات الأخيرة على إيهامنا أن تلك اللفظة البغيضة لم يبق من داع لاستعمالها والأنسب في نظرهم أنه عهد جديد. والحال أن لا شيء يتجدد غير قمع الرأي الحر وندية وكل آل ياسين شاهدون.

والثانية أنني ما كان لي أن أتوجه إلى القوم بهذه الحرارة لو بقوا في حدود الرأي ولم ينتصبوا في مقام “الغراق”.

وكان الله في عونك ندية ولك مني مجددا أزكى تحية.