سؤال: ما نلاحظه الآن هو سيل من المتابعات التي تتم في حق عدد من الصحافيين، مما يعكس عودة لاستعمال لغة العصا في علاقة السلطة بالصحافة. كيف تنظر النقابة الوطنية للصحافة لهذا الأمر؟

جواب: ليس هناك عودة. لسبب بسيط وهو أن مثل هذه المتابعات لم تتوقف منذ موجة المتابعات والمحاكمات التي طالت زملاء صحفيين سنة 2003. ولا تكون فترات انفراج، إن جاز هذا لنا استعمال مفهوم الانفراج، مثل ما حصل سنة 2004 إلا بسبب ردود الفعل الوطنية والدولية التي تكون خلفتها خروقات سابقة. وما يثير في مثل هذه المتابعات هو أنها تأتي في سياق مختلف تميزه دينامية الحوار والمفاوضات الجارية حول تعديل قانون الصحافة، وبصفة خاصة البحث عن وسائل أخرى ذات طابع مهني لمعالجة موضوع أخلاقيات المهنة بكل ما يستتبعه من جوانب أخرى تتعلق بإعادة هيكلة الصحافة عن طريق عقد البرنامج وتبني الاتفاقية الجماعية. وهي مفارقة غريبة بأن تكون مفاوضاتنا مع المسؤولين الحكوميين حول هذه القضايا إيجابية في وقت يستمر فيه هؤلاء في التعامل مع حرية الصحافة بمقاربة سلبية تنطلق من تفسير خاص لما يعتبرونه انزلاقات الصحافة.

ونحن نقول لهم ببساطة، إذا كنتم تريدون أن يكون المحدد في علاقتكم بالصحافة هي مفاهيم حقوق الإنسان المتعارف عليها، فعليكم أن تفتحوا أعينكم على العالم لتكتشفوا كيف أن كل صحف الدنيا تنتقد رؤساء الدول ومسؤولي الحكومات وكل من يشرف على تدبير الشأن العام. وفي هذا الانتقاد تستعمل أحيانا مصطلحات مبالغ فيها، وأحيانا غير مؤدبة ويحكمها تحامل في أحايين أخرى. ومع ذلك، فإن مثل هذا النقد يلاقي قبولا عاما داخل تلك البلدان لأن من يدبر الشأن العام ويتحمل مسؤولية ما، يدرك مسبقا أنها لن تكون بدون كلفة وتجعله معرضا للنقد أكثر.

فإذا كانت حرية التعبير بواسطة الصحافة جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان، فإن هذه هي مقومات ممارسة هذه الحرية. فلم يعد مقبولا الآن، لا وطنيا ولا دوليا ولا جهويا، إعطاء تفسير آخر لهذه الحرية غير ما هو كوني ومتعارف عليه عالميا. وهذه الحرية لا تعرف الاستثناء إلا في حالات نادرة جدا عندما تكون تتضمن خطورة مثل القذف والسب، ويلزم ذلك الكثير من الحجج لإثبات هذه الخطورة. وهنا أتساءل هل الحالة التي نحن بصددها والمتمثلة في متابعة مدير “الأسبوعية الجديدة” ونادية ياسين، صاحبة الاستجواب واستنطاق صحفيين آخرين هي من هذا النوع الذي يجوز أن يصنف ضمن خانة التجاوزات الخطيرة؟ إننا أمام نقد سياسي، ونشر جريدة ما لمثل هذا النقد هو من صميم الممارسة الصحافية التي تعكس وجهات النظر المختلفة من كل القضايا المطروحة على المجتمع. وهذا لا يطرح أي مشكل من ناحية قواعد المهنة، لكن ما هو غير مقبول من أي جريدة هو أن يتم نشر القذف والسب ودعوات فيها تحريض على العنف أو على الكراهية أو على الإرهاب.

وقد ناقشنا في النقابة الوطنية للصحافة مضمون ما نشر ووصلنا إلى خلاصة تفيد أن تلك التصريحات تتعلق برأي سياسي حول طبيعة النظام، ربما أن صاحبة هذا الرأي استعملت بعض المصطلحات التي لا تفيد في التحليل السياسي ولا في التحليل الأكاديمي، ولكن مع ذلك لم يخرج مضمون ذلك الاستجواب عن حدود الرأي. وكان على المسؤولين أن يتعاملوا معه من منطلق أن الرأي والنقد بصفة خاصة، قد يكون أحيانا حادا وجارحا، وربما مبالغا فيه. وهناك وسائل أخرى للجواب عليه بدون إشهار سيف المتابعة والمحاكمة، سيما وأن هناك منظمات وصحف انبرت للرد على ذلك الرأي. وواضح من هذا أن الأمر كان لا يجب أن يتخذ هذا المسار لمحاكمة المسؤول عن نشر ذلك الاستجواب أو صاحبته. لأن هذه المحاكمة ستتحول إلى محاكمة رأي، وهو الخطأ الذي تقع فيه السلطات. إنها محاكمة نرفضها لأننا في غنى عنها. وحتى لو تعاملنا مع هذه المحاكمة من منطلق سياسي وليس نقابي أو صحافي، فأعتبر أنها دعاية مجانية لوجهة نظر سياسية لا تتقاسمها أغلب القوى السياسية الوطنية والحية في البلاد، لأن هذه القوى تعتبر أن الملكية في المغرب ينبغي أن تتحول إلى ملكية دستورية حقيقية ولا تبحث نهائيا عن إقامة نظام جمهوري.

سؤال: في ارتباط بهذا الموضوع، لاحظنا أن هذا الرأي ونشره بجريدة لاقى ردود فعل حتى من لدن أطراف مدنية مثل المبادرة التي سميت بـ”نداء المواطنة” وكان المستهدف بها بالأساس هو الصحافة المستقلة؟

جواب: أعتقد أن الصحافة المستقلة لعبت دورا مهما فيما يتعلق بتوسيع مجال الحريات في المغرب دون أن يعني ذلك أنها بلغت الكمال. فأنا دائما أقول إن هذه الصحافة لا تزال تنقصها الكثير من مقومات التقصي والبحث والتحاليل المعمقة. وتلجأ أحيانا إلى نشر أخبار غير مؤكدة … وهذه كلها قضايا مهنية ينبغي أن تكون على طاولة النقاش بين مكونات الجسم الصحافي. وأعتقد أن الصحافة المستقلة نفسها واعية بهذه المشاكل وهي تحاول الآن أن تطور نفسها في محاولة منها لتجاوزها.

لكن بصفة عامة، فالقضايا التي كانت في السابق محرم الخوض فيها أصبحت الآن في المتناول. فالصحافة اليوم أصبحت تناقش قضايا القصر والبلاط الملكي والجيش والأمن والمخابرات، وهذه كلها قضايا كانت في السابق من القضايا المحرمة.

إذن يجب أن نعترف أن هامش الحريات قد توسع بالمغرب مقارنة مع السابق، حيث كان من المستحيل توجيه مجرد اتهام لأطراف تنتمي إلى الجيش أو الشرطة أو المخابرات، أو حتى أن يحصل نقاش حول البلاط.

لذلك، فأنا أعتبر أن المغرب حصل فيه تطور سياسي بفضل النضال الذي خاضته مختلف القوى من مختلف المشارب، ولا يجب أن ننسى أن الشعب المغربي وصل إلى نوع من النضج يؤهله للدفاع عن حريته. من جانب آخر، لمسنا تجاوبا من طرف المسؤولين بعد أن استوعبوا بأنه لم يعد هناك مجالا للتضييق على هذه الحريات. غير أنهم لا زالوا يعتبرون أن هناك مجالات لا ينبغي المساس بها، والأمر يتعلق بالخصوص بموضوع الملكية والملك، وهنا ينبغي أن نكون واضحين. فباستثناء السب والقذف، فكل الأشياء يمكن أن تناقش، خاصة إذا علمنا أنه حتى في البلدان التي لا تكون فيها ملكية تنفيذية فإنه يتم انتقادها، لكن باحترام.

سؤال: مثل هذه المتابعات تأتي في سياق يتم الحديث فيه عن وجود انفراج، وفي وقت يوجد فيه نقاش بين نقابة الصحافة والمسؤولين الذين عبروا عن استعداد مبدئي للتخلي عن العقوبات السالبة للحريات. ألا يمكن اعتبار هذه المتابعات تأكيدا على أنه ليس هناك ضمانات نهائية في هذا المجال؟

جواب: هناك وجهات نظر مختلفة بخصوص هذا الموضوع حتى لدى بعض الأطراف الحكومية مثل وزارة العدل التي تعتبر بأن المبالغة في ما تسميه بالانزلاقات قد تعصف بمجال توسع الحريات بالمغرب. لذلك، فحسب وجهة نظرها فينبغي أن نمارس هذه الحريات ولكن أن نضع نصب أعيننا أنه يمكن لأطراف أخرى أن تستغل هذا الرأي الذي تسميه بالانزلاقات لتضييق مجال الحريات. غير أن موقفنا نحن في النقابة ينطلق من أن المعيار المحدد هنا هو معيار مهني يرتبط بأخلاقيات المهنة وحقوق الإنسان، وهذا هو صلب نقاشنا الآن مع الحكومة وخاصة مع وزارة الاتصال. ولا أخفي أننا وجدنا نوعا من التفهم لمجمل القضايا التي طرحناها معهم، فهم يعتبرون أنهم يحاولون أن يبحثوا عن أحسن الطرق والوسائل لتوسيع مجال الحريات وتعديل قانون الصحافة وتوفير الضمانات. ولكن تبقى هناك مشكلة يطرحونها تتعلق ببعض الثوابت، وبالخصوص كما أسلفت سابقا، حين يتعلق الأمر بالملكية والوحدة الترابية والإسلام. وهي القضايا التي يعتبرون أنه ينبغي أن تناقش بنوع من الاحترام وبالشكل الذي يتماشى مع وضعية المغرب.