تمتحن الأحداث صلابة الأفكار وصدق الإرادات، وتسائل الوقائع الجزئية الأطروحات الكلية، ويؤدي التفاعل بين ما هو ديناميكي حركي وما هو مبدئي نظري في كثير من الأحيان إلى إعادة طرح النقاش وصياغة الأسئلة المؤسسة للذات والهوية والشخصية الجماعية لشعب يتلمس الطريق نحو المستقبل.

وعندما تكون “المسلمات” هشة ومبنية على غير أساس الإجماع، ومفتقدة للتأسيس الفكري العميق، ترتج دنيا الدولة ودواليبها كلما تم التعبير عن فكرة مخالفة أو رأي معارض أو رؤية جديدة، وغالبا ما يتسم هذا الارتجاج بالدفاع الأعمى غير العقلاني عن “المسلمات” و”المقدسات” في صورة هستيرية تمتزج فيها المصلحة بالخوف والجهالة بالحقد، وفي غياب شبه تام للموضوعية والصدقية والحيادية، خاصة إذا قدم “المثقف” استقالة عقلية وتقاعدا فكريا مادامت لحظة صياغة الجماعة السياسية عرفت “إجماعا” مزعوما حول “الثوابث” ورضى وهميا بـ”المسلمات”.

قراءة نص استجواب الأستاذة ندية ياسين مع جريدة “الأسبوعية الجديدة” واستقراء مضامين الردود الإعلامية والسياسية وطبيعة المتابعة الأمنية والقضائية، يؤدي إلى القول أن المشهد السياسي والحقوقي والفكري يعيش أزمة حقيقية في المغرب، الخوف أحد أبرز عناوينها. الخوف من الحوار.. الخوف من الآخر.. الخوف من الكلمة.. الخوف من مساءلة “الثوابث”.. الخوف من السلطة.. الخوف على المصالح والامتيازات.. الخوف الذي يؤدي في النهاية إلى العنوان الثاني للأزمة وهو الحفاظ على الوضع القائم مهما كانت الاختلالات بنيوية.

الأستاذة ندية ياسين من خلال آرائها وما استتبعها من نقاش (وأضع كلمة نقاش بين مزدوجتين لأن جل ما كتب بقي حبيس القذف والسب والتشهير ولم يرق بعد إلى مستوى النقاش الفكري الرصين) أثارت إشكالات فكرية ونظرية عميقة ينبغي أن يتطارح ويتناظر حولها عقلاء وفضلاء البلد، ويجيبوا عنها بشكل واضح ومقنع.

وهي في تقديري أربع إشكالات كبرى:

سؤال الحرية، تدبير الاختلاف، مفهوم المقدس، ونظام الحكم الأنجع.

أطرح في هذا المقال سؤال الحرية، وأتمنى صادقا أن يفتح نقاشا حقيقيا حول مفهوم حرية الرأي والتعبير- وكذا باقي العناوين الكبرى – والضمانات التي من شأنها أن تكفل لكل الفرقاء سبك الأحرف والكلمات والجمل والتعبير عن الآراء.

قالوا: هامش للحرية متزايد.. ولكن كثر القيل والقال خلال السنوات الأخيرة عن الانفتاح السياسي والانتقال الديمقراطي والانفراج الحقوقي.

وأجمع “القيل” أمره وحسم قوله، المغرب شد الرحال من صحراء “الجمر والرصاص” إلى “واحة الحرية”، فلينخرط المغاربة في هذا الطريق “السالك” نحو “المدينة الفاضلة”، وصفق أيها الشعب لحنكة الزعيم بكل حرارة وسلم لنخبة المخزنيين الجدد، وانصرف أيها المعارض لا تنبس ببنت شفة ولا تخدش صورة المغرب “الجميلة”.

وأكد “القال” أن صفحة الاستبداد والقمع من تاريخ المغرب قد طويت وفتحت أخرى جديدة، مع عهد جديد ومفاهيم جديد للسلطة والحرية. جديد هذه الصفحة مطالب يمينية لمعارضة يسارية تنسجم مع الوضع الجديد ” تغيير المواقف بتغيير المواقع”، وهيأة لجبر أضرار الماضي في وقت ينكسر فيه الحاضر. غير أن أغرب ما جادت به “إلهامات” الصفحة الجديدة مفهوم الحرية. فهي حرية مسؤولة.. حرية متعقلة.. حرية متزنة.. حرية مقننة.. حرية لا تطعن.. لا تتجاوز.. لاتقل الأدب والاحترام.. لا تستغل الهامش للإجهاز على “المكتسبات” والطعن في “المسلمات” والتطاول على “المقدسات”.. بكلمة حرية غير حرة.. أو لنقل حرية ليست كالحرية.. حرية مغربية بطابع مخزني.. تنسجم مع التقاليد.. أو ربما الثقافة المغربة.. ولعلها الخصوصية.. أو… مالنا وهذه الشكوك التي لا تنسجم مع روح الوطن و”نداء المواطنة”، فـ”القيل” أجمع و”القال” أكد أننا دخلنا عهدا جديدا.

تحيط الأنظمة السياسية القمعية مفهوم الحرية بعدد من الكوابح التحكمية التي تختار لها ألفاظا منمقة وتضفي عليها المسحة القانونية لتبرير سلوك الدولة القهري اتجاه أصحاب الآراء المخالفة، فتخنق الحرية وتسلب روحها وتحد من مداها ولا تحتفظ إلا بشكلها لتزين به الوجه الكالح للظلم والاستبداد.

عرفت هذه المرحلة التي قيل أنها جديدة تضخما على مستوى الوعود وتناسلا للشعارات، في وقت لامس فيه الجميع تراجعا فعليا على مستوى الواقع الاجتماعي والاقتصادي وحتى الحقوقي الذي اعتبر أبرز ورش في عهد محمد السادس. فقد عشنا تضييقا حقيقيا ومتزايدا على حرية الرأي والتعبير والتفكير، فابتداءا بالتضييق الذي تعرضت وتتعرض له الصحافة المستقلة، وكلنا يتذكر التوقيف الذي تعرضت له الأيام والصحيفة ولوجورنال إبان حكومة عبد الرحمان اليوسفي وكذا محاكمة مصطفى العلوي ومحمد الهرد وعلي المرابط ومنعه من مزاولة المهنة لعشر سنوات وتوقيف جريدتيه دومان ودومان ماغزين وقمع الصحافيين عند تغطيتهم لوقفات المعطلين بالرباط أو احتجاجات سكان المدن المنتفضة والمحاكمة الحالية لعبد العزيز كوكاس ناهيك عن الحصار المستمر لرسالة الفتوة وجريدة العدل والإحسان، مرورا بالقمع والمنع الذي يطال تنظيمات سياسية ومجتمعية وازنة جماعة العدل والإحسان مثلا والتهديد والوعيد اتجاه جمعيات حقوقية ومدنية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نموذجا، وصولا إلى التشريد والظلم المفرط في حق الاحتجاجات الشعبية التي أخذت تتزايد وتتصاعد في الآونة الأخيرة تظاهرات العيون واعتصامات الرباط ومسيرات الحسيمة واحتجاجات وارزازات… وآخرها متابعة واستنطاق واستدعاء تسع أشخاص بسبب استجواب الأستاذة ندية ياسين.

أستغرب بعد هذا كله أن يحاول بعض الناس التعسف على إرادتنا وفكرنا ومغالطتنا بأننا ولجنا عهدا جديدا، وأن كل هذه المظاهر القمعية التي تنافي كل الشرائع الكونية والإنسانية ليست إلا استثناء طبيعيا في مسار “ديمقراطي”.

وأتعجب من قدرة “المخزنيين الجدد” على التنكر لتاريخهم النضالي و”مراهقتهم السياسية”، والانخراط في الدفاع بالوكالة عن السلطة والترويج لمفاهيم عتيقة تحيلنا على القرون الوسطى، والتي على رأسها حرية على المقاس المخزني “حرية Made in مخزن”.

قال الأحرار: حرية كاملة غير منقوصة سيل من أجل الحرية مداد كثير وأهرقت دماء آدمية زكية، وكان مطلب الانعتاق من ربقة الاستبداد والظلم والطغيان وقودا حيويا في تأجيج حركات التحرر عبر تاريخ الإنسانية المديد. وتواضعت كل الشرائع على الإقرار بقدسية مبدأ الحرية، وأجمع أحرار العالم على تبني الحرية بأبعادها المتعددة، حرية الاعتقاد، حرية الاجتماع، حرية التجول، حرية تأسيس التنظيمات السياسية والنقابية والانخراط فيها، حرية الرأي والتعبير والتفكير.

ارتباطا بموضوعنا حول حرية الرأي والتعبير، ونظرا لأن “المخزنيين الجدد”  الذين يرفعون شعار المجتمع الديمقراطي الحداثي زورا  لا يستقون من ضفة الفكر الآخر إلا ما يناسبهم، أذكر بهذه النصوص التي تعطي لكل شخص حق التعبير عن آرائه بكل الطرق المشروعة.

فقد جاء في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: لكل شخص التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود.

ومنعت المادة 2 التمييز على أساس الرأي السياسي.

وأكدت المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إقرار الحقوق الأساسية الفردية والجماعية والتي على رأسها حرية الرأي والتعبير.

وفي الفقرة 1 من المادة 2 من إعلان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان: يقع على عاتق كل دولة مسؤولية وواجب رئيسيان في حماية وتعزيز وإعمال جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية بعدة طرق منها اتخاذ ما قد يلزم من خطوات لتهيئة جميع الأوضاع اللازمة في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها من الميادين، فضلا عن إتاحة الضمانات القانونية المطلوبة لتمكين جميع الأشخاص الخاضعين لولايتها، بمفردهم وبالاشتراك مع غيرهم من التمتع فعلا بجميع الحقوق والحريات.

بل وأعطت الفقرة 1 من المادة 12: لكل شخص الحق بمفرده وبالاشتراك مع غيره، في أن يشترك في الأنشطة السلمية لمناهضة انتهاكات حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

أسائل الحداثيين الذين رفعوا الأقلام وأعلنوا الحرب على السيدة نادية ياسين من أجل آراء عبرت عنها بالفكر والكلمة عن طريق الإعلام ولم تدع إليها بالعنف أو الإكراه أوالسلاح.

العقلاء في الغرب يتحدثون عن الخطوات والضمانات، وحق اعتناق الآراء والأفكار، واحترام الرأي السياسي المخالف، والاشتراك في مناهضة انتهاك حقوق الأفراد والجماعات.

فما هي الخطوات الحقيقية والفعلية التي قام بها النظام السياسي المغربي لتهيئة “الأوضاع اللازمة في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها من الميادين” تعزيزا وحماية “لحقوق الإنسان والحريات الأساسية ” ؟ وما هي الضمانات القانونية التي أتاحها المشرع المغربي لجميع الأفراد والكفيلة بمنحهم ” التمتع فعلا بجميع الحقوق والحريات ” ؟.

وأتمنى أن يستحضر الحداثيون و”المخزنيون الجدد” في إجاباتهم واقع الشعب المغربي لا أحلام البرج النخبوي، استحضروا التظاهرات الشعبية المتزايدة ومستوى عيش الطبقات المسحوقة، والرتبة 125 “المشرفة جدا” في الترتيب العالمي للتنمية البشرية والمرتبة 56 ضمن دليل الفقر البشري من بين 95 بلدا ناميا، وتقارير ماكينزي وآمنستي و”هيومان رايتس ووتش” والخارجية الأمريكية والجمعيات الحقوقية المغربية، وواقع الاعتقال السياسي وفصول الدستور ومشروع قانون الأحزاب وقانون الصحافة… فقد تكون هذه هي الخطوات والضمانات.

أسئلة ثانية إلى السادة الغيورين على سمعة البلد، الحريصين على مصلحة الشعب، الديمقراطيون جدا، المؤمنون إلى النخاع بالاختلاف.

لماذا لا تواجه آراء الأستاذة ندية ياسين بالفكر والنقاش؟ لماذا يواجه الرأي المخالف في المغرب بالقمع والمحاكمات الصورية والسجن؟ إن لم تكن هذه ليست مسؤوليتكم المباشرة، فمالكم لا تنخرطون في “الأنشطة السلمية لمناهضة انتهاكات حقوق الإنسان والحريات الأساسية” كلما ارتبط الأمر بالآخر؟ بل ما بالكم تستعْدُون السلطات وتستقوون بالترسانة الأمنية والقضائية التي عانيتم منها بالأمس؟ ما بال مسلماتكم ومقدساتكم وثوابتكم هشة إلى الحد الذي تتخوفون من كل مساءلة تطرح حولها؟ أليست مصونة بالإجماع والدين والتاريخ، فلم كل هذا الخوف الذي يطعن في صلابة وتماسك قناعاتكم؟

يطالب الأحرار والعقلاء في المغرب بمناقشة كل شيء دون استثناء، وإدراك هذه التي تسمى خطوط حمراء، لم لونها أحمر وليس أصفر أو أزرق؟ ولم المقدس، مقدس؟ وكيف أضحت المسلمات، مسلمات؟ كل ذلك من أجل تحقيق إجماع حقيقي لا وهمي وثوابت صلبة غير مهتزة.

يطالب الأحرار والعقلاء بفتح المجال لكل الأفراد والتنظيمات للاشتغال والفعل والتعبير عن القناعات، ويستهجن كل ذي مروئة وعقل التضييق والمنع والقمع الذي يعاني منه حزب الطليعة وجمعيات المعطلين والعمل الجمعوي وجماعة العدل والإحسان وعموم الإسلاميين والهيئة الوطنية لحماية المال العام والمهدي المنجرة والحبيب الفرقاني وامحمد طلابي وفتح الله أرسلان وعلي المرابط وأحمد السنوسي ورشيد غلام… وأشعر، وكل الفضلاء، بالتعجب المصحوب بالتذمر عندما أعلم أن في بلدي يحتاج حزب البديل الحضاري لسنوات من الطلب والاحتجاج والاعتصام والمفاوضات للحصول على الترخيص “هذا المن العظيم”.

فمن أجل تقويم الخلل وتصحيح المسار.

من أجل مغرب الكرامة والعدل والحرية.

من أجل دولة المجتمع ومغرب المغاربة.

من أجل مواطنة حقيقية وحرية كاملة.

من أجل مغرب حر، يطالب الأحرار بحرية كاملة غير منقوصة.

منطق التاريخ للأحداث تردداتها الموقوتة زمنيا والمسقوفة بالظرف السياسي، وللتاريخ منطقه وسنته. ويحتاج الحدث ليستحق أن يسجل في الذاكرة التاريخية أن يتسم بالفاعلية والقوة والدفع بالمجتمع نحو إعاد الوعي بالذات، وإلا بقي الحدث حبيس لحظته.

سيسجل التاريخ أن سيدة مغربية عبرت عن قناعاتها، فضاقت “رحابة” الاختلاف بذلك، وستخط أقلام المؤرخين أن الأستاذة ندية ياسين قدمت للمحاكمة لأنها ارتكبت “جريمة” التعبير عن الرأي.

ستقرأ الأجيال المقبلة في صفحات التاريخ أن حماقة المخزن أعمته إلى الحد الذي لطخ فيه صورة المغرب بمحاكمات الرأي.

ولأن صفحات التاريخ لا تنقل كل التفاصيل، ولا تأبه بالصغير منها، لا أظن أن ركام المقالات الخاوية على عروشها ستتجاوز السقف السياسي الحالي، لتساهم في صناعة المستقبل وتؤرخ لاسمها، فلا تلبث هذه الجعجعة أن تصبح خبرا وماضيا و”كان”.

لكن كم هو جميل أن يحسب لنا في تاريخ الأمم، أن عقلاء وفضلاء وأحرار المغرب استثمروا لحظة فكرية وسياسية حساسة، دشنها رأي حر، وفتحوا نقاشا جادا ومسؤولا حول ثوابت ومسلمات الشخصية الجماعية للمغاربة، وأجمعوا الإجابة على الأسئلة التأسيسية، والتي على رأسها سؤال الحرية.