“وما أكثر الديمقراطيين حين تعدهم، ولكنهم في النائبات قليل”

ثقب أوزون في سقفنا السياسي:

أصبح “استجواب ندية ياسين” قضية القضايا في الفترة الراهنة من تاريخ المغرب المعاصر. حتى غدا “تسونامي” في بركة السياسة المغربية العقيمة الراكدة، المنتظر أهلها إشارات مخرج مسرحنا السياسي لضبط الإيقاع على الإشادة أو الشجب. ألم تصمت التنظيمات السياسية عن واقع المغرب المزري، بل ادعت أنها من أنقدت الوطن من السكتة القلبية، حتى إذا أعلنت أعلى سلطة في البلاد عن استفحال الأوضاع الاجتماعية، تحرك طاحون الإعلام المخزني والحزبي ليصبح لا موضوع يؤرقه إلا سؤال التنمية البشرية. ألم يُقل سابقا أن هذه السنوات هي عشرية التعليم، فسوقت ماكينة الإعلام بأصواته المتعددة – إلا ما ندر – وهم غد تعليم مشرق، ثم صمتت بعد أن صمت مخرج مسرحنا السياسي وقد علم أن ما ظنناه غرس رمان إنما كان أحلام وَسنان.

مرت على المغاربة “مودات” “العهد الجديد”، و”المدونة”، و”ديوان المظالم”، و”الانتخابات الشفافة”، و”مونديال 2010″… وما زال المشرفون على مسرحنا السياسي يشتغلون على ما يمكن أن يصلح نصا للعرض على المواطن المغربي: تمنية وتلهية وتسلية إلى حين إخراج نص آخر، فالطبيعة لا تؤمن بالفراغ، والمغاربة إن لم تشغلهم شغلوك. وفي كل ذلك تشيد ماكينة إعلام غير المغضوب عليهم بتوجهات السلطة التقدمية الحداثية، لتثبت أنها على الطريق، تجمع في سلتها اللامنتمي والأخ والرفيق.

وقد يُحدث أحدهم ثقب أوزون في السقف السياسي المغربي الرسمي، فيستوجب عندها ضبط الإيقاع الإعلامي الجماعي على الشجب والاستنكار والتنديد والوعيد و… لا يشفع في ذلك انتماء إلى الأسرة الملكية [قضية الأمير هشام]، أو الأسرة الإعلامية [قضايا Le journal ، والصحيفة، ودومان بطبعتيها العربية والفرنسية، ورسالة الفتوة…]، أو أسرة العلماء المبايعين السلطة السياسية بيعة تامة [قضية د أحمد الريسوني]، أو الأسرة السياسية الفاعلة في الحقل السياسي الرسمي [قضية منظمة العمل الديمقراطي مع دستور 96، والعدالة والتنمية بعد أحداث 16ماي]… تنقل طاحونة الإعلام بندقيتها عند هذه الأحداث التي تخرج عن النص الأصلي للمسرحية الرسمية من كتف التمجيد إلى كتف التهديد، وفي كلتا الحالتين دفاعا عن ديمقراطيةِ..هم.

صدر “استجواب ندية ياسين” يوم الخميس 02 يونيو، وتم استدعاؤها للاستنطاق عصر مساء يوم الجمعة. بقي الإعلام الحزبي والرسمي صامتا تجاه الاستجواب إلى هذا الحين، فالكل يعلم أن نجلة المرشد العام لجماعة العدل والإحسان سبق لها أن صرحت بمثل ما قالت قبل ثلات سنوات لإحدى المنابر الفرنكفونية، كما أن مثل هذه التصريحات لم تعد غريبة على المشهد السياسي المغربي، فقد سبق للمحامي برادة أن أعلن على غلاف إحدى الأسبوعيات أنه جمهوري، كما أن الجميع يتذكر تناقض القضاء المغربي عند متابعته للصحفي علي المرابط، بسبب نقله تصريحات لليساري عبد الله زعزاع من صحيفة إسبانية إلى صحيفته، مع عدم متابعة صاحب التصريحات. كان جليا أن تكتيك السياسة الرسمية يقوم على إهمال مثل هذه التصريحات حتى تموت موتتها الطبيعية، وقد عقل إعلام غير المغضوب عليهم هذه الإشارة، فما كانوا يشيرون إلى هذه التصريحات لا بالعرض ولا بالنقد، لكن لكل قاعدة استثناءات، فتحريك مسطرة المتابعة القانونية هذه المرة ضد ندية ياسين كان بمثابة الإذن للممثلين ليأخذوا أماكنهم على خشبة المسرح، فإذا بالتنظيمات قد جُمعت، وإذا بالبيانات قد نُشرت، وإذا بالصحف قد جُيشت، وإذا “بنداءات المواطنة” قد وُلدت، ليجيب الجميع على سؤال من مع من؟ أفنقول بمقولة المؤامرة الجماعية، لا وإنما بالمخرج المسرحي الواحد، وبالتقاء استراتيجيات من قد يختلفون بينهم توجها وقصدا ويلتقون مصلحة، وْكُلّْها وِْاحْسابو.

من يستنجد بمن؟

في مغرب الرصاص والجمر، كان المغرب ملفوفا بعباءة الخوف الشديد، وكان المواطنون ينامون ليستيقظوا على خبر أن أحدهم ترك مكانه فارغا، ثم تتناقل الألسن خبر اختطافه وتعذيبه… ووفاته. كان المخزن ينمي لدى الجميع ثقافة أنه يمنحك خيرا كثيرا عندما لا يؤذيك إيذاء مباشرا. وكان المخزن مستقويا بذاته لا بغيره، بأجهزته العسكرية والبوليسية والقضائية والإعلامية… للانقضاض على كل خارج على إجماعه. اليوم تحركت مياه كثيرة في المحيط العالمي، والبحر الإقليمي، والبحيرة القطرية، حتى أن السلطة غدت تتبع نهج “الاستنجاد” بمكونات مجتمعها المدني إذا ما اعترضها عارض وما أكثره اليوم.

في قضية ذ ندية ياسين تحضر هذه الحالة، فالسلطة تتصرف إلى هذا الحين ببعض الرزانة الملحوظة، إذ أن ندية لم تختطف، ولم يتم تهديدها، بل حركت تجاهها مساطر قانونية، وهي متابعة في حالة سراح، ويعلن لسان الحكومة أن مجرى القضية سيحل في ساحة القضاء… لكن هناك كثرة كاثرة من أرانب السباق تستبق الأحداث، فتهول من الأمر وتعلن أن الاستجواب خِطة في مؤامرة كبرى تلتقي فيها مرامي “الشيطان الأكبر” مع “دعاة الانفصال” مع طابور الإعلام الخامس مع …لستُ أدري لضرب استقرار المملكة السعيدة، مستغلين في ذلك ظروف الجفاف، والاحتقان الاجتماعي السائد، واحتجاجات الخريجين، وأحداث الريف… مما يستوجب عدم الصمت على هذا الأمر الجلل، وضرورة تحريك أجهزة الدولة للضرب بيد من حديد على الفاعلة ندية، بل الانقضاض على جماعة العدل والإحسان واقتلاعها من جذورها حتى يكونوا عبرة لمن يعتبر.

فتدبر كيف اكتمل المثلث بأضلاعه الثلاثة: سلطة تستنجد بمجتمعها المدني ضد المارقين، و”مجتمع مدني” يستنجد بمؤسسات السلطة للتحرك من أجل تطويق الموقف، ثم استجابة مؤسسات السلطة لمطالب مكونات هذا المجتمع. فهل حُدِّثت عن مثل هذا الإجماع!

نربأ بالفضلاء:

نربأ بالفضلاء أن يكونوا بيادق في رقعة شطرنج. نربأ بهم أن يُستدرجوا لإعادة حكاية “من مع الملك؟” فقد جُربت معهم وكانت المدخل لتصفية الكثير منهم. نربأ بهم أن يكونوا معول هدم لحرية التعبير وهي أس البناء الديمقراطي في كل مجتمع. نربأ بهم أن تكون حويصلتهم لا تسع الاختلاف إلا مع من يوافقوهم. نربأ بهم أن يكونوا أعداء الديمقراطية، إذ أول الديمقراطية اختلاف رأي، وحرية تعبير عنه. نربأ بهم أن يخلطوا بين الطرح الأكاديمي المعرفي الثقافي، وبين الطرح السياسي البرنامجي العملي اليومي. نربأ بهم أن يٌنعتوا في غد قريب أنهم استنصروا على محاربة الفكرة بسوط السجان. ولا أظن عندها أن عذر توقفهم عند المطالبة باتباع المساطر القانونية تجاه هذه النازلة بمقبول منهم، فقد خبروا المخزن، ومحاكمات المخزن، وتعليمات المخزن القانونية! فإنما يعزف على “القانون” في أوطاننا من يملكه! لو كان الدستور شعبيا، والقانون ديمقراطيا، والقضاء مستقلا لقلنا مرحى.

ندية قالت مقالتها، عرضت وجهة نظر دونما عنف أو دعوة إليه، و”الكل” انبرى يخبرها أن الملكية أصل من أصول التربة المغربية، أفي ذلك شك عند السلطة ونخبها فوجب عندها اتباع سبل الإقناع لتحقيق اليقين، أم أنه أمر لا شك فيه فما يضر أن يفرغ سطل ملح في محيط!

ذ. خالد العسري