تحية إلى كل المناضلين.

يرى المراقب الخارجي أن جماعة العدل و الإحسان حركة سياسية “إسلامية”، و يضيف البعض أنها متطرفة. ستتناول هذه المداخلة تحليل هذا التعريف.

فهل نحن إسلاميون( و هذه لفظة ذات حمولة سلبية) ؟ هل نحن حركة سياسية؟ هل نحن متطرفون؟

I) هل نحن إسلاميون؟

إذا كان ذلك يعني أن مرجعيتنا إسلامية، فنحن بالطبع إسلاميون، و هذا التعريف لا يوافق النظرة الاختزالية للإسلام التي تجعل منه مرادفا للإرهاب. لقد أصبح من الضروري تجاوز هذه الثنائية الضيقة التي تهدد نهائيا كل أمل للحوار. فواقع العالم الإسلامي أكثر تعقيدا مما تصوره هذه المقاربة التبسيطية، و التي مردها غالبا إلى الخمول الفكري، و دائما إلى الإسلاموفوبيا الرائجة منذ أحداث 11 شتنبر.

الانتماء إلى المرجعية الإسلامية متنوع إلى حد أصبحت فيه الأطروحات و التصورات أحيانا مناقضة لبعضها البعض, فالإسلام ليس جبهة إيديولوجية، و لا واقعا اجتماعيا و سياسيا واحدا. ما العلاقة بين الوهابية و الصوفية؟ بين تركيا و المغرب؟ بين قطر و ماليزيا؟

عندما نتكلم عن الإسلاميين بالمغرب مثلا، نظن أنهم جسم واحد مع بعض التنوع فقط. و لا يعلم كثير من الناس أن أحد التيارات الإسلامية في المغرب لم يتورع عن تكفيري، وليس ذلك فقط لكوني امرأة لا يحق لها- في نظرهم- أن تكشف عن وجهها و أن تخاطب الناس، و لكن كذلك بسبب أفكارنا التي تزعج الكثير من القراءات التقليدية التي تقر بشرعية السلطة المطلقة و تجعلها أمرا مقدسا. يوجد الآن في العالم الإسلامي نقاش حقيقي و فكر معارض يدعو إلى النقد الذاتي قد يلتقي مع روح هذا الملتقى.

بالنسبة لجماعتنا، كوننا إسلاميين يعني أولا و قبل كل شيء العودة إلى الأصل، إلى المرجع الإحساني، مرجع الشعوب الإسلامية، لنستقي منه الشرعية اللازمة و التوافق الضروري لتدبير أمور العصر و تجاوز الأساليب السياسية المتقادمة.

II ) هل نحن حركة سياسية؟

مما لا شك فيه أن البعد السياسي حاضر في أطروحاتنا، و ذلك على المستويين النظري و العملي.

1. على المستوى النظري، فإن كل كتاباتنا الأساسية تعيد النظر في التاريخ الرسمي للحكم، موضحة كل التحريفات التي طالت الخطاب القرآني لأغراض سياسوية خلال فترة الانشقاقات الكبرى التي عرفها الإسلام( و ذلك بضعة عقود بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم). و هي تدين قلب المسار الذي كان يرمي أصلا إلى جعل السلطان في خدمة الرسالة الخالدة الحاملة لمعاني الإحسان و العدل الاجتماعي. فمنذ الانقلاب الأموي أصبحت الدعوة رهينة في يد السلطان و تم استعمالها من طرف الطغاة قصد إخضاع الشعوب بتواطؤ واع أو غير واع لبعض الفقهاء.

و هكذا اختلت الدينامية المنجية و الشاملة ، المحدثة من قبل الوحي القرآني، واختلت بيداغوجية التربية النبوية. تغير كل شيء: نظرية الحكم و مدونة الأسرة و طبيعة تجمعاتنا السياسية. أصبحت الشعوب الإسلامية تجد نفسها شيئا فشيئا حبيسة تعقيدات أنظمة قانونية و سياسية تشرع للحكم المطلق، و تحرم الشعوب بالتالي من كل ثقافة سياسية و تمنعها من كل مبادرة إرادية. صرفت كل القوى الحية في أمتنا لمجابهة العدو الخارجي، و لم يبق مسموحا به إلا ما يخدم إرادة الحكام و مصالحهم.

لا عجب إذن أمام تنامي العنف في مجتمعاتنا، فالعدو لا يمكن أن يكون إلا ماديا و خارجيا. أما النقد الذاتي و بناء مجتمعاتنا فأمران مغيبان من برامج ثقافتنا الحائدة عن روح الخطاب الإلهي.

من رائد لنموذج عالمي يلتقي  في بدايته- مع النماذج الديمقراطية الأكثر تحضرا، تحول العالم الإسلامي إلى مهد لكل أنواع التطرف و منبت لكل أشكال الشطط و الاستبداد، مما جعل منه مجالا مواتيا للبؤس النفسي و الاقتصادي الذي آلت إليه أمتنا.

2. عمليا: إذا كان التنديد بالسلطة المطلقة، التي لا توافق نبعنا الإحساني و لا معالمنا التاريخية الأصلية، واجبا في نظرنا، فإنه من الواضح أن العنف ضد النظام القائم لن يكون أبدا من اختيارنا. الوازع السلطاني ضروري لكل تغيير حقيقي، لكن هذا لا يعني البحث عن الحكم لذاته. لكل هذه الاعتبارات، أسسنا عملنا السياسي منذ البداية على اللاءات الثلاث:

– لا للعنف.

– لا للسرية.

– لا للتمويل الخارجي.

أ- لا للعنف:

لا يمكن أن يكون فعلنا إلا إراديا ما دام مبنيا على نبذ العنف، لأننا نعتقد أن الإسلام يهتم بشكل أساسي بالتربية و يعتبر الإنسان عنصرا رئيسيا في كل مجتمع و في كل مشروع تغييري. نغير الإنسان ليتغير المجتمع، و يتغير الحكم نتيجة ذلك لا محالة. ورشة أساسية هي التربية بالنسبة لنا، تربطنا بأصولنا و ترفع قصد الإنسان نحو مقامات إحسانية تسمو به إلى درجة النبل و تهيئه للسعادة الأبدية. تربية تحرر كذلك الوعي من الأصفاد التاريخية.

ب- لا للسرية:

قدمنا للسلطات ملفا كاملا بوصفنا جمعية قانونية، رفضا منا للفعل السري التخريبي و اختيارا للشرعية. و إن النظام بانتهاكه لقوانينه، و ذلك باعتبارنا شبه سريين، يجعل نفسه خارج الشرعية. و هو يحاول حصرنا في إطار لعبة ضيقة من أجل نزع المصداقية منا.

انطلق عملنا التربوي منذ ثلاثين سنة، و نحن نراهن على المدى البعيد، لكنننا لسنا انتظاريين. فإذا تقدم المغرب، فلأننا ندفع النظام إلى تقديم تنازلات كلما أمكننا ذلك، و نحن الذين أسسنا ثقافة التظاهرات الحضارية خلال حملة المحاكمات التي طالتنا دون توقف منذ ثلاثة عقود. استطعنا كذلك أن ننهض بحرية التعبير في بلدنا، بعد تعطيل التأثير السياسي لليسار أو احتوائه بسبب ضعفه الداخلي. لكن ثمن كل ذلك هو حريتنا و راحتنا الشخصية.

ج- لا للتمويل الخارجي:

ثالثة اللاءات تضمن لنا حرية التفكير و تحمينا من الانزلاقات التي أظهرتها أحداث 11 شتنبر. حركتنا فقيرة، لكنها حرة في تفكيرها و لا تدين لأي طرف.

III) هل نحن متطرفون؟

تلك تهمة توجه إلينا بسبب مواقفنا الثابتة من السلطة. مواقفنا حازمة تجاه النظام الاستبدادي، فنحن ندينه كيفما كان لونه، سواء كان حكما ملكيا وراثيا، أو كان جمهوريا صوريا يقصي سلطة الشعب إلى درجة يصبح فيها أكثر وراثية من الملكية نفسها( انظر سوريا، و قريبا مصر، ليبيا، العراق…).

يظهر جليا لمن يتفحص فكرنا بروية أن توجهنا صوفي. الإحسان علاج قوي ضد الهمجية، و برامجنا التربوية تعتمد أساسا على هذا البعد. يتعلق الأمر بالإقناع لا بالإكراه.

المرجع الأسمى لهويتنا هو القرآن الكريم الذي لم يمنع الاجتهاد، بل على العكس من ذلك شجع عليه حتى جعله واجبا. القول ب” احتواء القرآن على كل شيء” من أجل طرح الاجتهاد جانبا ما هو إلا مناورة لبعض الفقهاء المتواطئين مع الأنظمة الحاكمة التي ترفض أن يتغير أي شيء. القرآن الكريم دستور هذه الأمة حقا، لكن الدساتير تضمن الخيارات الرئيسية للمجتمعات دون إعطاء التفاصيل. فهو على مستوى الاختيار السياسي، يضمن السيادة للشعب، شرط ألا يتناول تفسيره و تأويله الفقهاء المتواطئون مع الحكام المستبدين. هدفنا إذن هو تحرير الشعوب المسلمة بتخليص القرآن من القراءات المغلوطة المتوافقة مع الظلم و الاستبداد.