لا ينبغي أن يستغرب بعضنا، ممن يحزنه وضعنا، أن يرى مناضلي الأمس يتحالفون مع الاستبداد الوسخ؛ فالطيور على أشكالها تقع!

“الفضلاء” غير الديمقراطيين طبقة ملتبسة من المثقفين وأنصاف المثقفين والسياسيين من الهواة والمحترفين، تنتمي إلى العقلانية والتنوير والحداثة والديمقراطية وفصل السلط على مستوى الخطاب، لكنها بعيدة كل البعد عن كل ذلك على مستوى الممارسة!!

ديمقراطيون بدون ديمقراطية! عقلانيون بدون عقلانية! حداثيون بدون حداثة!

ما أجمل الكلام حين تقرأ لهم! وما أبشع النموذج حين تقف على ممارساتهم ومواقفهم!

يتحدثون، مثلا، عن المواطنة، ويكرسون بتحالفهم مع الاستبداد الوسخ مجتمع الرعايا! ويتحدثون عن العقد الاجتماعي، ثم يذهبون لتوقيع البيعة على بياض!

إن الطبيعة الملتبسة لهذه الطبقة تبدو واضحة في المسافة الممتدة بين النوايا الطيبة الراغبة في الانتماء إلى الحداثة، وما ينشأ عن هذه النوايا من بؤس الثقافة والسياسة.

تقرأ النوايا الطيبة المحلقة في الحداثة في البنيات الإشكالية والمفاهيمية والحجاجية والجمالية للخطاب، وتقف على بؤس الثقافة والسياسة، الموغلتين في التمخزن، في البنيات النفسية والذهنية والاجتماعية والسياسية الناطقة بها المواقف.

طبقة سميكة جدا من الانتهازيين، تحجب الوضوح، وتعمق أزمة الثقة، وتنخر من جسد المروءة المغربية ما أبقاه الاستبداد الوسخ.

وزاد من سمك هذه الطبقة تسارع ذوبان المبادئ والمواقف والذمم والمروءات بعد 1996؛ بسبب الانتقال من التدبير الوحشي الديماغوجي للمجالين الثقافي والسياسي إلى التدبير الوحشي البيداغوجي.

تأمل، ودون شماتة، كيف ترفع هذه الطبقة شعارات الديمقراطية والحداثة والعقلانية والمجتمع المدني ودولة الحق والقانون… وتتخذ، في نفس الوقت، مواقف متصالحة، تصالحا ذكيا أو بليدا لا فرق، مع الواقع الذي تزعم على مستوى الخطاب أنها تطمح إلى تغييره، و تحتل مواقع، في العمق أو على الهامش لا فرق، داخل إمبراطورية الشر.

تأمل، واسأل الله العافية من العطاء المخزني بعد المنع، عمق هذه الأزمة التي تتخبط فيها طبقة الفضلاء غير الديمقراطيين، وثقل الموروث الفكري والسياسي الذي تعاني منه، ودرجة الغثيان التي تثيرها المسافة الفاصلة بين أفكارها ومواقفها، كيف تتحول في نظرها إشارات، مجرد إشارات، إلى أفعال تاريخية تؤسس لدولة الحق والقانون والديمقراطية والحداثة…!!!

ما دلالة هذه المسافة الفاصلة، بل هذه الهوة السحيقة، لدى هذه الطبقة، بين الطموح إلى تغيير تاريخي على مستوى الخطاب، وبؤس الممارسة التربوية والسياسية؟ ما دلالة أن يعلنها المثقف أو السياسي أفقا واعدا نحو دولة الحق والقانون، ويعمل على تدبير هذا الأفق الديمقراطي بمواقف موغلة في التمخزن تكرس دولة التعليمات؟

هل هي المستعجلات السياسية، أقصت الاستراتيجية من السياسة، لدرجة أصبحت معها هذه الطبقة عاجزة كليا عن رؤية ما بعد غد لفرط انغماسها في الحريق السياسي اليومي؟ أم هو الانحطاط الأخلاقي في تجلياته الفكرية والسياسية؟

ما استحقت منا هذه الطبقة كل هذا الاهتمام لولا أن المواطن الغيور والمثقف الفاضل والسياسي النزيه انسحبوا من ساحة الموقف السياسي الواضح والمباشر بسبب تواطؤ هذه الطبقة ودورها في حجب الوضوح وتعميق أزمة الثقة. لذلك على هذه الطبقة أن تدرك بأن الخيارات المتبقية لم تعد كثيرة؛ فإما أن يتأهل الفضلاء غير الديمقراطيين للديمقراطية قبل فوات الأوان؛ وذلك بتنمية حاسة الشعور بالآخر التي تبلدت عندهم، وبحقه في التعبير عن آرائه ومواقفه بعيدا عن الإشارات والتعليمات، أو لينتظرواالطوفان!!