لو كنا نسمع أو نعقل…!

في إطار التفاعلات التي أثارتها تصريحات نادية ياسين لجريدة الأسبوعية، نشرت جريدة العلم بتاريخ الأربعاء 08 يونيو 2005 مقالا لمديرها الأستاذ عبد الجبار السحيمي تحت عنوان: “جمهورية السيدة ياسين”.

وللأسف الشديد، لا زالت القضايا ذاتُ العيار الثقيل تقيم الحجة مرة تلو الأخرى على تهافت كثير من كَتَبتنا المثقفين والسياسيين ومن على شاكلتهم، وعجزِهم الغريب عن مناقشة الأمور العِظام بعيداً عن عبارات التهكم، أو التبسيطِ غير المستساغ، أو التأويل الذي يلوي أعناق الألفاظ لتؤدي جميع المعاني غيرِ المقصودة في الأصل… وللأسف الأشد، أقف مبهوتاً عاجزاً عن فهم السبب الكامن وراء شرود أمثال الأستاذ عبد الجبار السحيمي عن لغة العقل والتحليل المفهوم والمنطق المقبول عند توصيفه لكلمة “الجمهورية” الواردة في تصريحات نادية ياسين. وبدلا من ذلك، ذهب الأستاذ كل مذهب، واستقصى وأطنب، لكنه للمقصود المطلوب تجنب، بل أضل عمداً قارئيه عن المراد، وصاغ شرودَه عن مَحَل النزاع بأسلوب استفهامي استنكاري يحمل القارئ حملا على الامتعاض والنفور من الأجوبة المنْكَرة التي تقترحها  بل تفرضها فرضاً- ذاتُ الأسئلة.

هل من المروءة تحريفُ رأي الخصم وحديثِه عن سياقه وفحواه ومقصودِه؟ بل هل من الموضوعية تخويفُ القارئ من خلال إرغامه على الاختيار بين شرَّيْن لم يخطُرا ببال الخصم ولا أشار إليهما من قريب أو بعيد، وعَبْر حشرِه في منطقة ضيقة حرِجةٍ بين الفظيع والأفظع؟ بين الخبيث والأخبث؟ بين الصاخَّة والطامَّة؟

أم كيف يجوز لدى العقلاء إلزامُ الخصمِ المحاوَرِ بما يرفضه ويأباه ويمجُّه، والحال أن القاصي والداني يعرف ذلك منه ويعلمه؟ إلا أن يكون القصدُ وَصْمَه -بما يُعاب- بما اتفق من الوسائل زوراً وبهتاناً.

إني لأجد ريحَ “مكيافلي”، لولا أن تفندون! وإلا، هل يشكُّ مطَّلعٌ في كون الأستاذ عبد الجبار السحيمي يعلم علمَ اليقين أن نادية ياسين مناهضةٌ لـ”جمهورية عبد الناصر التي قتلت سيد قطب رحمه الله”، وماقتةٌ لـ”جمهورية ستالين التي لا يحصى عدد قتلاها”، وقاليةٌ لـ”جمهورية الشيلي التي اشتهر حكمُ رئيس جمهوريتها بما سمي قافلة الموت، والفرقة العسكرية”، ومجافيةٌ لـ”جمهورية الأرجنتين والديكتاتور الدموي سافيولا، أو ديكتاتورية جمهورية هايتي وبوليفيا أو كواتيمال”؟

بل هل يجهل المتتبِّعُ العادي أن نادية ياسين من ضحايا ورثة “أوفقير”، حيث نالت حظها من متابَعات قضية اليوم العالمي لحقوق الإنسان المعلوم، وقاست قبل ذلك جراء ما عانى منه والدها الذي بدوره لم يَسلم كما زعَم الأستاذُ عبد الجبار وعمَّى، بل ذاق الأمرين من سياسة من يجب أن نحمد الله على مكروههم؟ أم أن سنين القهر التي أدى فيها ثمن نصحه وصدقه باهظاً هو وأسرتُه ليست من وجهة نظركاتبنا وبالا وجحيماً ما دام أن الأيادي لم “تمتد له بالتصفية الدموية”؟

عجيب هذا الخطاب الذي يجعل من بقاء رجل على رمق من حياة -وقد أجبر بعد مكث في السجن مرتين متقاربتين على قضاء عقد كامل محاصَراً محروماَ- خيراً عميماً ونفعاً عظيماً ينبغي حمد الله وشكره عليه وقد حبانا بحكام لم يتعدوا المخافر السرية والمعتقلات الجحيمية والإقامة الجبرية الطويلة إلى مد اليد بالتصفية الدموية!!!

لو اطلعَتْ هيئةُ الإنصاف والمصالحة على هذه التخريجة الفذة، لما كلَّفَتْ نفسَها عناء الاستماع للأحياء أصلا، ولقفزَتْ رأساً إلى تعويض الموتى، عليهم من الله الرحمة الواسعة، لأنهم وحدهم الذين امتدت إليهم الأيادي بالتصفية الدموية. آه لو قالها غيرك سيدي! لو تبجح بها جنرال أو نافذ في الداخلية! هلا كففتم ألسنتَكم أيها السياسيون عن المن على المغاربة بالأقل الأدنى الأحط الأبخس من حقوقهم المكفولة المشروعة!

ثم إني أستبعد أن يكون بلغ إلى علم الأستاذ عبد الجبار السحيمي أن نادية ياسين تؤيد في كتاباتها وحواراتها ومحاضراتها وندواتها جمهوريات عبد الناصر وستالين والشيلي والأرجنتين والديكتاتور الدموي سافيولا وديكتاتورية جمهورية هايتي وبوليفيا أو كواتيمال وأوفقير… فلو حصل ذلك لشاع خبرُه وذاع صيتُه وعلمناه جميعاً في إبانه.

فلم يبق في جعبتنا من حاصلٍ ذي اعتبارٍ سِوى أن نحسن الظن كما أُمرنا، ونلطفَ العبارة ونردَّها من الشك والتهمة إلى التماس العذر لمن فاجأته وأربكته جرأةُ امرأةِ اقتحمت القضايا العظام والأهوال الجسام على غير المعهود. وإن للمألوف لسلطاناً ينبئك به الزلزال الذي يكاد ينبعث من مقالات من يحمدون الله على سلامة لم ينعم بها لا الذين طالتهم “التصفيةُ الدموية” من الأموات، ولا أشباههم من “الأحياء”.

وأستسمح الأستاذ عبد الجبار السحيمي في سؤال بسيط ومباشر: هل تقبل أن يُفعل بكلامك ما فعلْتَه أنت بتصريحات نادية ياسين؟ فيسألك أحدُهم مثلا مشكِّكاً في كلامك ومؤوِّلاً ومتلاعباً به عن قصد وسوءِ طوية: ما الذي تعنيه بتعبير: “الآخر الأجنبي”؟ أليس هذا تحريضاً على نمط الفكر البئيس لتنظيم القاعدة، خاصة وأن للعبارة في سياقها مدلولاً عقائدياً خطيراً موغلاً في كراهية كل ما يأتي من “دار الكفر”؟ وما بال “حملات التنصير والتمسيح”؟ وما دمتَ تحس بالأمان، لِمَ لا تكترثُ بما تسببُه أمثالُ هذه العبارات الملغومة من تهييج للهائجين أصلاً من بعض الشباب فينغصون عليك وعلينا هذا الإحساس بالأمان؟ وما دام هذا “الآخر الأجنبي” القائد لـ”حملات التنصير والتمسيح” على هذه الدرجة من الشر، لماذا تطلب من المغاربة أن يحمدوا الله على ما أنعم عليهم به من حكام هم أولُ من يوالي هذا “الآخر الأجنبي” ويقيم معه علاقات متينة؟ ألم يكن حرياً بك أن تنتقد هؤلاء الحكام وتحذرَهم من قائدي “حملات التنصير والتمسيح” كما حذرت نادية ياسين؟

إن من يقرأ حديثك عن “الآخر الأجنبي” يخيل إليه أن المملكة المغربية في حالة حرب معه، أو أن علاقتها به مقطوعة أو جد متوترة على أقل تقدير، وأن وحدها نادية ياسين تعاكس الموقف الرسمي والإجماع الوطني وتخرقه وتقيم علاقة به على رغم أنف الدولة المغربية والقوى الوطنية!!! قد نقبل توتير العلاقات مع هذا “الآخر الأجنبي” الذي سودْتَ صورته، ولكن ليتزعمْ تنفيذَ هذا الاقتراح حزبُ الاستقلال، وليُصْدرْ بياناً صريحاً في الموضوع، وليشْرَعْ في التعبئة من داخل الحكومة، فإذا استقر به المطاف إلى اتخاذ قرار رسمي وتحصيل إجماع وطني، فما على نادية ياسين وجماعتها سوى الاستجابة والانخراط.

أما والواقع أن الدولة المغربية والأحزاب السياسية مع هذا “الآخر الأجنبي” سمن على عسل، فإن مطالبة نادية ياسين وجماعتِها فقط بشد الحبل مع “الآخر الأجنبي” تنكيتٌ وهراء بِئسَت السياسيةُ التي تقف وراءهما، وبئس السياسيون المنكتون. حتى إذا افترضنا أن نادية ياسين استجابت لهذا التنكيت والهراء، فإن أوَّلَ من سيعيب عليها وعلى جماعتها هو صاحبُ النكتة ذاتُه، ولننتظر حينها من الأستاذ عبد الجبار وغيرِه من المتربصين جميعَ النعوت القدحية ابتداء بالانغلاق، ومرورا بالرجعية والظلامية واللاتسامح ومعاداة “الآخر الأجنبي”، وليس انتهاء بالتهمة الجاهزة: الإرهاب. لقد لاحظتُ أن الجرائد والصحف قد طلعت علينا بمطالب جد متناقضة، وكلها تريد من نادية ياسين وجماعة العدل والإحسان تحقيق هذه المطالب المتضاربة. فنقرأ  على سبيل المثال- في الصفحة الأولى من العدد 1611 من جريدة “الصباح”، الصادر بتاريخ: 11  12 يونيو 2005 بالحرف: “عندما ينتقد الإسلاميون النظام الملكي، فإنهم لا يفعلون ذلك من أجل نظام أكثر ديمقراطية، إنما يهدفون من وراء ذلك إلى إحكام قبضتهم علينا داخل نسق الإمامة البائد”. الشاهد عندنا أن صاحب المقال يقدح في نسق الإمامة واصفا إياه بالبائد في تعبير واضح على رفضه ونبذه. ولكنك تفاجَأ في الصفحة 13 من ذات العدد بمقال آخر يمجد فيه كاتبُه “الإمامة العظمى”، ويدعو إلى التعمق “في مفهوم الإمامة والخلافة والإمارة”، ويقرر أن “إحياء الخلافة الإسلامية في العالم الإسلامي شيء يستحق منا جميعا النضال لأجله”.

فلأيِّهما تنصت نادية ياسين وجماعتُها؟ للقادح أم للمادح؟ للملغي أم للمثبت؟ ونفس التناقض يحصل هنا مع مقال الأستاذ عبد الجبار، فحين يحذر هو من “الآخر الأجنبي”، يطالب غيرُه بالانفتاح على نفس “الآخر” والاستفادةِ من تجاربه، والتسامح… ودفعاً في اتجاه “التفاعل الإيجابي” مع هذه المطالب، أقترح على جماعة العدل والإحسان تأسيسَ مرصد لمتابعة الموضوع وإصدارِ بيانات متلاحقة تستجيب للرغبات المتضادة، فيؤيِّد البيانُ الأولُ الإمامةَ والخلافة، ويرفضُها الثاني ويذمُّها، ويشيد الثالثُ بالانفتاح على العالم والتسامح، ويشتم الرابعُ “الآخرَ الأجنبي” ويَلعَنُه…

فإذا انتقلنا إلى وصفك للملكية المغربية بكونها “اختيار شعب” كما ورد في مقال الأستاذ عبد الجبار، فإني لا أملك إلا أن أتعجب من هذا التقرير أشد ما يكون العجب. غير أنه ليس بوسعي أن أبدي وجهة نظري الفكرية بالقدر الكافي واللازم من الوضوح والعمق في مثل هذا الموضوع، لأن القانون يمنعني منعا ويكبلني تكبيلا كبيراً، ويضع في رقبتي النحيلة إن غامرتُ ما أنت به أعلم.

لذا سأجهد قلمي وأكبحه وأعتقله عن الخوض في ما لا تحمد عقباه، حتى ولو كان مجرد نقاش فكري لا غير. وهنا نجد أنفسنا إزاء عطب قاتل وميزان مختل تَُشْرَعُ في كنفه الأبوابُ مترعةً للمدافعين عن وجهة النظر الرسمية، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فيصولون ويجولون، ويبدون ويعيدون، ويُمنَع موازاة معه المنافحون عن وجهة النظر المغايِرة من معانقة التفكير والتعبير الحرَّيْن.

فهل يصح النقاش أصلاً في جو لا ينعدم فيه فقط تكافؤ الفرص بين المتحاورين، بل يتعداه إلى افتخار الطرف الأول بهذا الوضع، واستقوائه بسيف القوانين والقهر المخزني من أجل تطويع الطرف الثاني أو إرغامِه على الانكفاء تحت طائلة التخوين والخروج عن الإجماع وعرقلةِ الإصلاح… ومن شاء الدليل على ذلك فدونه و”نداء المواطنة”.

إن من باب “السماء فوقنا” تعريفُ “اختيار شعب” بكونه ممارسةً حرة تمَكن هذا الشعبَ من تحديد حرٍّ لنمطه في الحياة بجميع تشعباتها. ولا يصح ولا يجوز بحال تسميةُ تلك الممارسة “اختياراً” إلا إذا تحققت فيه ثلاثُ ركائز أساسية ينتفي بانتفاء إحداها أو كلِّها: الركيزة الأولى هي الحرية والفعل المباشر غيرُ المكبَّل، والركيزة الثانية هي وجودُ اختيارات متنوعة وبدائل شتى أمامه وليس خياراً واحداً لا شريك له، والثالثة هي ضمان حق الإغناء والتعديل والتطوير والتغيير عند الاقتضاء.

فإذا تصورنا شعباً غيرَ حر في تحديد ما يريد، وغير مسموح له بوضع ذلك بنفسه، ولا هو يملك حق المراجعة والتبديل، فإن مدلول كلمة “الاختيار” لا ينطبق علة هذا الشعب بالمرة. هذه قاعدة عامة تنطبق على أي شعب.

غير أن كتبتنا المكثرين من كبار الساسة والمثقفين يستثنون الشعب المغربي من عموم هذه القاعدة، ويقسمون جهد أيمانهم أن لنا “خصوصيات” تبيح لنا مخالفةَ الدنيا كلِّها في تسمية الأمور بغير أسمائها المعتمَدة عند العقلاء. وهكذا يصبح الحقُّ والصواب والمعقول في الدنيا بأسرها باطلا عندنا، والعكس صحيح، والأنماطُ المفروضة المحروسة بما لا قِبَل لأحد به “اختيارَ شعب”، ويصير الشعب الذي لا حول له ولا حيلة إلا التسليم صاحبَ إجماع، ويتحول الدستور الممنوح إلى “اختيار أمة”، ويُتخَذُ تاريخُ “السيبة” والتخلف مستنَداً شرعياًٍ لتأبيد القهر والانحطاط… متى يا كتابنا المدلِّسين رجَّح الشعبُ اختياراً واحداً من بين اختيارات متعددة حتى يصح أن نسمي هذا الفعلَ “اختيارَ شعب”؟ أَلِأَنه صوَّت في الاستفتاءات الدستورية ذاتِ السمعة التي طبقت الآفاق تسمونه شعباً يحدِّد اختيارَه؟ ذاك دستور ممنوح، وليس أمام الممنوح خيار ولا اختيار، بل سبيل أوحد وَهَبَه أصحابُ القرار، ونتائجُ الاستفتاءات مصادَقٌ عليها سلفاً ومختومة بتأشيرة الانتصار. أعرف مسبقاً أن طرح الموضوع بهذا القدر الأدنى والبسيط من الوضوح محرِجٌ للغاية، بل مزعج للمدافعين عن تقديس المقدس، كما أعرف أن وسيلتهم الدفاعية لا تتجاوز التحاليل المغرقة في التأويل المزاجي البعيد عن الحقيقة والواقع، الجاهزة لتسرد وقائع التاريخ، وترغم النصوص الدينية على شهادة الزور، وتلوي عنق الديمقراطية لتقر أن ممثلي الشعب هم الذين اختاروا طوعاً نيابة عنه. ويبلغ الحرجُ والإزعاج مَداهُما إذا طرحنا ملاحظةَ الصحفي مصطفى حيران الثاقبةَ حين قال في استجوابه في العدد 215 من الصحيفة إن “المدافعين عن قداسة الملكية” مستعدون، “لو حدث أن استولى رقيب من الجيش على السلطة، أن يقدموا له الولاء في الصباح ليتحولوا إلى جمهوريين أو امبراطوريين حسب طبيعة النظام الذي يضعه الرقيب”.

بل إنني أزعم أكثر من ذلك؛ فلو افترضنا  مجرد افتراض وتخمين فضولي- أن الملك أعلن ذات يوم بنفسه تعديلا عميقاً على الملكية نفسِها، أو قَرر تغييرَها جذرياً، لأصبح الذين تمنوا بالأمس الأماني يقولون مقالةَ الملك عينِها، ولأظهروا للنظام المعدَّل أو المغيَّرِ عيوباً ومفاسدَ جمةً هم كانوا حماتَها المغاوير، ولقالوا فيه ما لم يقله مالك في الخمر، ولمدحوا الفكرة الجديدة وألبسوها نفس لبوس القداسة التي خلعوها على التي كانت قبلها.

كيف تناقش قوما حربائيين حيث مالت الريح مالوا؟ وكيف تحاور قوما يشلون فيك القدرة على التفكير عندما يجابهونك بأنها “الخصوصية المغربية”! وليس مسموحا لك أن تسأل عن فحوى هذه الخصوصية، أو تناقش صحتَها ومعقوليتها. المهم أنها “خصوصية” “تاريخية” تجعل من المغاربة شعباً منغمساً أبداً حتى الذقون في الفرح والاهتبال والافتخار والانتشاء بدستور ممنوح وبفصول وأعراف تُنكِر أن تكون السلطةُ المطلقة مفسدةُ مطلقة. إنما السلطة المطلقة مفسدة مطلقة عند غيرِنا، ولكنها في تقاليدنا مزيةٌ عظمى ينبغي أن نحمد الله عليها آناء الليل وأطراف النهار. ويوم يكتشف العالمُ فضيلةَ هذه المزية ستطَِّلق الشعوبُ تجاربَها، وتلتحقُ بخصوصيتنا العجيبة التي تأبى أن تكون بجانب “السلطة المطلقة” مؤسسات وآليات للرقابة والمحاسبة والتقويم. وليذهب العقل والمعقول إلى الجحيم. “لو كنا نسمع أو نعقل” ما لبثنا في سعير الأمية والجهل مدحورين في الرتب الأخيرة من سلم التنمية البشرية العالمية، ولما طال انبطاحنا عند عتبة الفقر، يحاربه العقلاء النبهاء الوثابون بالتخطيط البعيد المدى، ونداريه نحن ببث ثقافة التسول وتشجيعها و”مأسستها”.

لو تحلحلنا قليلاً عن “ركوب رؤوسنا” لما صرنا أعجاز نخل خاوية. و”لو كنا نسمع أو نعقل” ما استمر ساستنا ومثقفونا في الاستشهاد بضلالات “السيبة”، ولما حاجَجَنا كاتبُنا بملائكية سلاطين عهود السيبة وطُهرِهم مما علق بمعاصريهم من المغاربة الذين كانوا  على زعم المقال الذي نناقشه- رعاعاً همجاً في جنب ملائكية السلاطين إبان السيبة، لدرجة أن سيبتهم المسلحة لم تكن إلا وسيلة لإخبار السلطان -المنزه المترفع في خيمته عن الفساد الضارب بأطنابه حوله وفي عقر سلطنته- “أنهم إنما يريدون أن يرفع عنهم السلطان الفساد الذي يرتكبه بعض معاونيه وقواده وعماله وولاته”. هكذا!!! وإياك أيها الفضولي الغبي أن تظن سوءاً فترى أن السلطان والفساد في عهود السيبة كانا مقترنين اقتران السبب بالمسبب. حاشا ومعاذ الله، فإن السلطان يومئذ لم يكن له يد في الأمر البتة، بل كان بمنأى عن معطن الفساد، مقيم في خيمته، ينتظر انتهاء معارك السيبة ودخول السائبين عليه ليرفع عنهم “الفساد الذي يرتكبه بعض معاونيه وقواده وعماله وولاته”.

هكذا!!! هذا الجدل العقيم هو الذي يقف حاجزا جمركياً أمام التفكير الحر، ويحجز العقول عن الانطلاق والإبداع، ويقتل حتى الشعور بالإقامة في السعير، وعندئذ لا يجدي استنهاض القوم بعنوان المقال، فهم عن الإحساس بالسعير معزولون. ومع ذلك نذكر نصرخ متضامنين مع أصحاب الضمائر والعقول الحية في هذا البلد الغالي: “لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير”.