تمر فترة التعايش ما بين السلطة والصحافة السمتقلة بامتحان عسير هذا الأسبوع. فالأولى تعتبر أن هناك انزلاقا في ممارسة حق التعبير، والثانية تعتبر أن هناك عودة غير مبررة لهواجس الأمن وعقلية المؤامرة. لم يعد أصحاب القرار يخفون تذمرهم من اتساع هامش حرية التعبير، خاصة في رحاب الصحافة الحرة التي تحاول إنتاج مادة صحفية تقترب من المواصفات المهنية، وتكون في خدمة الجمهور الذي يدفع ثمن الجريدة، لا في خدمة الدولة التي تقسم الجسم الصحافي إلى مقربين ومبعدين، قسم معنا وقسم ضدنا، ومن ثم فهو ضد الوطن والوطنية والاستقرار وكل جهود التنمية.

إن الخلل الحاصل اليوم في المشهد السياسي هو الذي نصب الصحافة الحرة  رغما عنها- طرفا معارضا، في وقت وجدت جل الأحزاب أن مصلحتها تكمن في القرب من السلطة، وفي ابتلاع كل مطالب الإصلاح الحقيقي، ثم إن الخلل يوجد في منهجية اشتغال الفريق الجديد، الذي لا يتوفر على منظور يزاوج بين الانفتاح الديمقراطي والحاجة إلى تقوية مؤسسات الدولة حتى لا يتحول تصريح في “الهواء الطلق” لابنة عبد السلام ياسين إلى أزمة دولة.

إن المجتمع الديمقراطي الحداثي، الذي يتبناه العهد الجديد، هو مجتمع الاختلاف والتعددية، والحق في التعبير عن الرأي بالطرق السلمية، ووفق دولة الحق والقانون، فالمجتمع الديمقراطي الحداثي ليس شعارا للاستهلاك السياسي أو لتقويض شرعية وبناء أخرى تختلف عنها في الشكل وتعيد إنتاج مقوماتها في الجوهر.

في مملكة بلجيكا العريقة في الديمقراطية، هناك عدد من البرلمانيين الجمهوريين، والذين يستقبلون الملك في كل سنة، عندما يفتتح البرلمان بشعار: “تحيى الجمهورية” فينظر إليهم بنصف ابتسامة ويكمل خطابه إلى الأمة دون أن يثير ذلك أدنى تشكيك في قبول معظم البلجيكيين لملكهم البرلماني.

وفي مملكة إسبانيا هناك أقلية انفصالية في بلاد الباسك، تواجهها السلطة بقوة القانون وشرعية المحاكمات العادلة، والحوار السياسي مع من يرفض العنف ويندد بعمليات “إيطا”.

في بريطانيا، هناك من يقف ليعارض الحرب على العراق، ويعتبر طوني بلير مذنبا لأنه أرسل أبناء البريطانيين إلى الحرب بدون موجب حق أو قانون، ورغم أن أصوات المعارضين تضعف معنويات الجيش وتؤلب عائلات الجنود ضد الحكومة فإن الديمقراطية تكفل لهم هذا الحق.

مع أن المقارنة لا تصح بين المغرب وبلجيكا أو إسبانيا أو بريطانيا، لأن هذه الدول عريقة في الممارسة الديمقراطية، لكن في الوقت نفسه نجد أنها كلها مرت بمحن كبيرة قبل أن تصل إلى ما تعيشه اليوم من استقرار ورفاه وحرية. إن للبناء الديمقراطي تكلفة وجب على الجميع أن يؤديها، حتى نصل إلى بر الأمان. أما حكاية الخصوصية فهي من نسج الخيال، الذي لا يريد أن يعترف بأن القيم الديمقراطية قيم عالية.

السلطة اليوم تريد تقديم ندية ياسين إلى المحاكمة بدعوى المس بالمقدسات، أي انتقادها للنظام الملكي، الذي تعرف هي قبل غيرها  كما صرحت بذلك- أن جل المغاربة يقبلونه كاختيار عام لنظام الحكم. وتريد تقديم عدد من المنابر الصحفية إلى المحاكمة بدعوى الخروج على النظام العام. وتسعى إلى تكميم عدد من الأفواه الحقوقية التي تقول بأن انتهاكات حقوق الإنسان لم تنته بتنصيب هيأة الإنصاف والمصالحة.

لنتصور أن كل هؤلاء وضعوا في زنازين وراء القضبان، هل ستكون أحوال البلاد أفضل مما هي عليه الآن؟ هل سيبقى هناك من طعم لديمقراطية تُدخل الجميع إلى صف واحد ليأكلوا من طبق واحد ويسمعوا لموسيقى واحدة ويلهجوا بدعاء واحد لله أن يحفظ الوطن من أعدائه…

خوفي من أن نضطر بعد 10 سنوات لإعادة التاريخ إلى الوراء، وتشكيل هيأة إنصاف ومصالحة جديدة، تعترف مرة أخرى أن الدولة كانت على خطإ عندما كممت الأفواه ومنعت الاختلاف الودي في تدبير شؤون الحكم، فأصدقاء ابن زكري لم يكونوا أقل راديكالية من مريدي عبد السلام ياسين أمس. لكن من يفتح كتاب التاريخ للدرس والعبرة؟