لا أدري لماذا أهزأ بنفسي كلما أوهمتها بأن تحولا إيجابيا يقع في المغرب، إذ سرعان ما تأتيني الأدلة تترى: إحصاءات مفجعة، حقائق مروعة، وقائع متواترة، تكذب حسن ظني وتسفه حلمي.

كما لا أعرف لماذا أوقف حبل تفكيري كلما أذعنت خواطري لتحليل تفصيلات الانتقال الديمقراطي وتباشير العهد الجديد، وهامش الحريات الذي يتسع ثانية بعد أخرى، ومسلسل التنمية الذي يستفيد عامة المواطنين من ثمراته.

لحد الساعة لست أدري. ولكن تتنازعني احتمالات واحتمالات.

ربما لأنني مواطن عادي آكل مما يأكل الناس، وأركب ما يركبون، وأسكن ما يسكنون، وأعاني مما يعانون.

وربما لأنني تعودت ألا أصدق الكلمات والشعارات إلا بعد رؤيتها إنجازات.

وربما لأنني أطالع تصريحات رسمية بين الفينة والأخرى تفصح عن حقيقة الوضع بعبارات مختارة ومحبوكة ولكنها في العمق معبرة.

ربما، وربما، وربما… ولكنني مع ذلك تعودت الأمر، وطبعت علاقتي به فصار لا يثير استغرابي.

لكنني أستغرب مما يقع بالمغرب كلما جدّ به جديد، أو خرق فيه واحد سقفا مصنوعا على المقاس. آنذاك تستنفر الطاقات وتحشد الجهود وتدبج المقالات مدافعة عن ثوابت البلاد، ومقدسات الوطن، والإجماع الوطني، والإجماع التاريخي، وتحصين الانتقال الديمقراطي، وحماية المشروع الحداثي… وتصاغ النداءات وتفبرك اللجان والهيئات، وتصنع الزعامات. أناس ينصبون أنفسهم حراس الوطنية وحماة الإجماع وضمير المجتمع. هم اليقظون، وأساتذة الإعلام والسياسة، ومعلمو قواعد الوطنية ومبادئ الأخلاقيات واللياقة..

والأعجب من هذا وذاك أنهم نفس الأشخاص، يتحركون في هذه الواجهة وتلك، شغلهم الشاغل هذا الأمر يَحيَوْن به ويموتون بدونه. والحياة والموت هنا مجازا فقط. والأمر كله بيد الله من قبل ومن بعد يحيي ويميت.

حراس الوطنية وحماة الإجماع: همسة رقيقة أهمس في أذنكم لعل همسي يصادف لحظة إنصات نقية، وأخاطب وجدانكم آملا أن يتزامن خطابي مع لحظة صدق لا أعدمه من بشر طالما بقي حيا، وأخاطب من خلالكم كل الضمائر الحية، ومجموع المواطنين المغلوبين على أمرهم، والذين يرون في كل لحظة وحين من يتكلم باسمهم، ومن يدعي تمثيلهم دون أن يملكوا من أمرهم شيئا.

ما مغزى خرجاتكم الإعلامية؟ وما خلفية نداءاتكم هاته؟ من نصبكم في موقعكم هذا؟ لم لا تتساءلون عن موقعكم الطبيعي؟.

تدافعون عن ثوابت ومقدسات لها مؤسسات تحميها، وأجهزة أمنية تحرسها، وقوانين صيغت على مقاسها، وميزانيات بالملايير تنفق لحمايتها، وثروات للبلاد موضوعة رهن إشارتها!!!…

من يدافع عن الحرية إذن؟! أين موقعكم من الجبهة المجتمعية اللازمة لحماية حرية التعبير طالما بقي سلميا، ويستعمل الوسائل الشرعية، ويعلن على الملإ في جو من الوضوح؟.

هل تخليتم عن هذه الجبهة؟ ما الأَولى بالدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟ ما الذي يستحق أن تصرف فيه جهودنا؟

حرية التعبير في بلادنا مستهدفة، فكلما علق أحد على حدث، أو تكلم مخالفا لما عليه السياسات الرسمية إلا وتعرض للاستنطاق والاعتقال والمحاكمة، وللأسف لا يسلم حتى من سيوفكم وألسنتكم وأقلامكم.

بالأمس البعيد كان بعضكم ضحايا ذلك، وبلغ عدد الضحايا بالآلاف، وبالأمس القريب الصحافة المستقلة، لوجورنال والصحيفة ودومان والجريدة الأخرى، وعلي المرابط والأستاذ عبد السلام ياسين بعد مذكرة إلى من يهمه الأمر، والقائمة مفتوحة، وكل يوم نتصفح في الجرائد خروقات بالجملة وانتهاكات لحقوق الإنسان، واستهدافا لحرية الصحافة، ومصادرة للرأي الآخر، وتضييقا على الفنانين.

من يدافع عن لمرابط وحقه في مزاولة الصحافة؟ من يدافع عن وسائل الإعلام وحقها في التطرق للموضوعات التي تراها مناسبة؟ من يدافع عن حرية الصحافة بشكل عام؟ من يدافع عن بزيز؟ من يدافع عن حق العدل والإحسان في التنظيم؟ من يدافع عن حق ندية ياسين في التعبير عن رأيها؟

من يدافع عن؟…. كثيرة هي الأشياء التي تستحق منا أن نتخندق في جبهة واحدة للدفاع عنها.

وللمقدسات والثوابت من يحميها، لها مؤسساتها وأجهزتها ورجالها وميزانياتها..

والأولى بكم أن تتساءلوا: هل هذه الثوابت هشة، وهل هذه المقدسات حساسة إلى هذه الدرجة بحيث يزعزعها تصريح، أو مقال، أو حركة. الموضوع خطر إذن. وتحصينها لن يتم بهذه الطريقة، فهي لم تعد تساير العصر، ومردوديتها ضعيفة، وكلفتها غالية، عليكم وعلينا وعلى السلطة وعلى البلاد.

حراس الوطنية وحماة الإجماع: تفعيل القانون أستغرب من دعوتكم لتفعيل قانون أنتم أدرى الناس بعلله، قانون بعيد أشد البعد عن حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، قانون أصدرته مؤسسات مزيفة وصورية، مؤسسات أفرزتها صناديق مشبوهة، قانون حكمت صياغته خلفيات تحكمية وهواجس بوليسية، ثم أنتم بعد كل هذا تدافعون وتدعون إلى تفعيله. أستغرب، ولا أملك إلا ذلك. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

من يفعل هذا القانون المعطوب، أهي المؤسسات الصورية التي لا تملك من الأمر شيئا، ولا تمثل حتى نفسها فأحرى أن تمثل الشعب، أم يفعله قضاء سارت بذكر مساوئه ونقد تبعيته الركبان.

من صاغ هذا القانون؟ هل هو القانون الذي يستحقه هذا الشعب؟ هل هذه هي المؤسسات التي يستحقها هذا الشعب؟.

لكم أن تجيبوا بصراحة، ولو في قرارة أنفسكم، وما أحسن لحظة صدق يصفو فيها المرء مع نفسه ويصدقها.

حراس الوطنية وحماة الإجماع: عن أي إجماع تتحدثون تدعون إلى الحفاظ على إجماع دون أن تطرحوا عليه أسئلة نقد طبيعية: من صنعه؟ ومتى؟ وكيف؟ ولم؟ وبم؟

أسئلة مشروعة يحق لكل جيل جديد معرفتها، والإحاطة بها، ومناقشتها، وإقناعه بها. بالحوار ولا شيء غيره، ليس بالسيف ولا بالزيف.

ولا أعتقد أنكم تخالفوني الرأي في ذلك.

حراس الوطنية وحماة الإجماع: نداء الحرية أولى أليس عجيبا أن نعيش في الألفية الثالثة محاكمات رأي في مغرب تدعون زورا وبهتانا أنه طوى صفحة الماضي، وودع سنوات الرصاص؟

أليس عارا أن يحاكم مواطن من أجل رأي أدلى به بطريقة سلمية ومن خلال قنوات قانونية وفي جو من الوضوح، ويتحمل كامل مسؤوليته فيه؟

أيستساغ هذا في عالمنا اليوم؟ أيتلاءم هذا مع حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا؟ أيخدم هذا انتقالكم الديمقراطي وعهدكم الجديد اللذين لم نر منهما إلا قمعا وتشريدا، وفقرا وأمية، وبطالة، وفسادا وإفسادا.

ماذا نقول للأمم الأخرى؟ بماذا نتباهى أمامها؟

أليس النداء الحقيقي الذي يجب أن يوجه للرأي العام هو نداء الحرية؟ ما جدوى الحديث عن المواطنة وحرياتنا مهددة، ومؤسساتنا صورية، وقوانيننا بوليسية، وثرواتنا منهوبة، وكرامتنا مداسة؟

أفي ما أقول شك؟! راجعوا الإحصاءات والفضائح والتصريحات والوقائع، وتقارير لجان التقصي، ولا أقول لكم تقارير المنظمات الدولية حتى لا ألقب بالعمالة لها والاستقواء بها. وهذا موضوع آخر أسأل الله تعالى أن يعجل بوقت كشف الحقائق حوله.

حراس الوطنية وحماة الإجماع: كفى مزايدات قد أنحو منحى المزايدة السياسية فأصوغ نداء الحرية، وتيقنوا أن حملة توقيعات عليه ستكون بالملايين لأنني أعلم علم اليقين أن الغالبية العظمى من المغاربة مظلومة ومقهورة ومفقرة ومجهلة، والأولى عندهم حريتهم. انظروا إلى الشباب الذي يعرض حياته للخطر في ضفاف البحر من أجل سراب يحسبه ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ولكنه يفضل الموت على حياته هاته، انظروا إلى المعطلين الذين يهددون بإحراق بطائقهم الوطنية، انظروا إلى الأدمغة التي تهاجر يوما بعد آخر. انظروا إلى ملايين الشباب الذين يجدون ضالتهم في المخدرات بعيدا عن وجع الدماغ كلما فكروا في واقعهم، فأحرى المستقبل، وهذا تشهد به الإحصاءات الرسمية. أأذكركم بذلك؟. ما الذي يدفعهم إلى ذلك؟ إنه غياب الحرية؟ ثم أنتم بعد كل ذلك تتحدثون عن وطنية ومواطنة. أفيقوا من سباتكم واستيقظوا من نومكم.

سيوقع على ندائي الملايين، وحتما قد يوقع على ندائكم آخرون هم من الفئة الطاعمة الكاسية ولاشك. كيف نحسم الأمر بعد ذلك؟

هل نلجأ إلى استعراض العضلات في الشارع، فنعلن المسيرة والمسيرة المضادة، أو في الإعلام فندلي بالتصريح والتصريح المضاد، وهلم جرا.

والخاسر الأكبر هو الوطن. وأنا أحرص الناس عليه لأن فيه ولدت وترعرعت، وفيه درست، وفيه مستقبلي. ولن أفقد الأمل طالما ربطت صلتي بالله عز وجل، وبموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن موعدهم الصبح، وبعد العسر يسرا، وكان حقا علينا نصر المؤمنين، وأن الأرض لله يورثها عباده المومنين.

لذلك لن أدخل في هذه المزايدة، وحسبي نداء أوجهه إليكم أن ارجعوا وتخندقوا في جبهة المطالبة بالحرية.

كلنا مع دولة القانون، حين يكون شعبيا…

وكلنا مع سلطة المؤسسات، حين تكون نابعة من إرادة شعبية.

وكلنا مع سيادة القضاء، حين يكون مستقلا ونزيها.

حينذاك ندعو إلى تفعيل القانون وتحريك المساطر.

ولكن رغم هذا وذاك، لا أفتأ أؤكد: لا يصح أن يتابع أحد على رأي أدلى به جهارا وسلميا ولم يستعمل عنفا للإقناع به أو تطبيقه. هذا خنق للحرية، ومصادرة للرأي، لا يستسيغهما منطق التطور، ولا طبيعة العالم الذي نعيش فيه، ولا يخدم مصلحة البلاد في شيء. وحماقة هو وأي حماقة؟ هو حكم الغباء.

حراس الوطنية وحماة الإجماع: أولوياتنا إلى يومنا هذا ما أزال أتنفس قمعا، وأرى فقرا، ما تزال أجواء تازمامارت تخيم على سماء العهد الجديد، ما زلت أرانا بعيدين عن حرية الرأي والتعبير والتنظيم باعتبارها القاعدة المؤثثة لكل مشروع مجتمعي، والضامنة لاستمراره.

من أجل ذلك فأولى أولوياتنا صناعة فضاء حر نتنفس فيه الحرية، ونستظل فيه الحرية، ونفترش فيه الحرية.نتحدث فيه بحرية، ونقرر بحرية، …

أولى أولوياتنا الشروع في حوار مجتمعي مفتوح نناقش فيه كل المواضيع ونطرح أسئلة النقد على كل المسلمات خارقين كل الطابوهات، لنجمع إجماعا حقيقيا على طبيعة المغرب الذي نريد، أو على الأقل الذي نستحق. أدعوكم إلى نقاش تأسيسي لمشروع مجتمعي جامع، نجمع عليه بإرادات حرة، وعقول واعية.

أولى أولوياتنا مناهضة الاستبداد، وإدانة العنف لأنهما العقبة الحقيقية في وجه تطورنا.

وما دون ذلك، فالباب مفتوح طالما بقي في جو من الشفافية، وبالأدوات السلمية. وصدق الله العظيم إذ يقول: “قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا”.

لن أمل من الكتابة في هذا السياق، ولكنني مضطر للتوقف مخافة الإطالة، وأعتقد أن رسالتي واضحة، أسأل الله أن يرزقنا الحكمة وفصل الخطاب، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ويجادلون بالحسنى، ولا يحملون في قلوبهم حقدا ولا ضغينة، ولا يطمعون في جاه ولا شهرة ولا زعامة. فالله يحب العبد التقي النقي الخفي. اجعلني اللهم منهم،واجعل لسان صدق، ومقعد صدق، وقدم صدق، واحشرني مع الصادقين. آمين. والحمد لله رب العالمين.

مواطن تواق إلى غد الحرية والكرامة والعدل.