في ظل عولمة ألف فيها المراقبون أن يروا المرأة المسلمة في مؤخرة الركب لا يسمع لها صوت، يثير وجود امرأة “لا كباقي النساء” ضمن قيادات أقوى الحركات السياسية بالمغرب حفيظة البعض وحيرة البعض الآخر واستغراب علماء السياسة والسوسيولوجيا والصحفيين داخل المغرب وخارجه. لقد توافد على بيتها منذ عشرات السنين صحفيون، محللون سياسيون واجتماعيون، باحثون من داخل المغرب وخارجه ليحاولوا التعرف على شخصية هذه المرأة البارزة في جماعة العدل والإحسان. فخلص بعضهم إلى وصفها ب”المرأة القوية” إيحاء منهم أن ندية تبوأت المكانة التي هي فيها بفضل شخصيتها الكاريزماتية ونبوغها الفكري. ووصفها آخرون بـ”ابنة الشيخ” إشارة منهم إلى أنها لم تعتل مقعد المجد إلا لكونها ابنة مرشد الجماعة. ومنهم من فضل الإغراق في الترهات معزيا المكانة التي تحظى بها الأستاذة ندية لكونها استعملت سلاح الإغراء. فمن هي هذه المرأة التي أربكت حسابات المحللين وجعلتهم عاجزين عن إعطاء تفسير منطقي للحدث “الظاهرة”.

ابنة الشيخ: الابنة التلميذة

علاقات البنوة والأبوة عادة ما تمضي في مسارها الطبيعي حينما يكون الأب شخصا “عاديا”. لكن حينما يكون هذا الأخير مرشدا لأقوى جماعة سياسية في المغرب، يختلف الأمر. لقد تطورت علاقة ندية بأبيها من علاقة البنت بوالدها إلى علاقة التلميذة بالمربي عبر مراحل. ابتدأت هذه الأخيرة عندما كتب الأستاذ عبد السلام ياسين رسالة “الإسلام أو الطوفان” سنة 1974، لقد علمت بأمر الرسالة وهي في سن الرابعة عشر وحفظت السر إلى أن قرر والدها إعلان الرسالة. عاشت منذ صباها مع أبيها أصعب لحظات حياته وهو في السجن حيث كانت تزوره باستمرار، كما عاشت معه سنين الحصار.

قبل هذا التاريخ عاشت في محاضن الذكر في ظل الزاوية البوتشيشية وصاحبت الشيخ الحاج العباس. وكانت ترد باستمرار على حلق الذكر في الزاوية.

تابعت دراستها بالبعثة الفرنسية (ثانوية فيكتور إيكو بمراكش وثانوية ديكارت) وقد كان أبوها حريصا على تعليمها اللغة العربية. تقول الأستاذة غزلان البحراوي (عضوة الأمانة العامة للدائرة السياسية ومسؤولة القطاع النسائي): “كان يتساهل معها في كل المواد إلا اللغة العربية فقد كان يصر على أن تحصل على معدل عال، بل وجلب لها أستاذا خاصا لتعليمها قواعد اللغة”.

و قد تبنت الابنة التلميذة أفكار الأب المرشد عن قناعة، لم يكرهها يوما على الالتزام بشيء، فهي لم ترتد الحجاب إلا في سن الواحدة والعشرين عن قناعة شخصية. فأصبحت بعد ذلك سندا لأبيها وللجماعة إذ احتضنت عددا كبيرا من أعضائها. تقول الأستاذة ناجية الرحماني (مسؤولة في القطاع النسائي للجماعة): “لقد كنت في بداياتي تائهة أبحث عن طريقي في الجماعة، ولم أستوعب مفهوم العدل والإحسان إلا حينما وضحته لي ندية في بداية الثمانينات بأبسط التعابير قائلة: إن ذلك البائع المتجول الذي يحمل كل صباح قفة “القصبور” و”المعدنوس” ويخرج بحثا عن لقمة العيش (إن وجدها) لن يفهم معنى الإحسان. يجب أن يتوفر له عيش كريم أولا كي يتقبل بعدها خطابا يقربه إلى الله”. بمثل هذه الكلمات البسيطة في شكلها، الغنية في حمولتها، احتضنت ندية عددا من أعضاء وعضوات الجماعة. تقول الأستاذة منى الخليفي (عضوة الأمانة العامة للدائرة السياسية): “لقد أعادت ندية إلى الأخوات ثقتهن بأنفسهن قبل وبعد تأسيسها للقطاع النسائي. وطموحها إعادة الثقة لكل نساء الأمة بأنفسهن وبدورهن الريادي في المجتمع”.

نعم طموحها تأهيل النساء وإعادة بناء شخصيتهن والدفاع عن حقوقهن التي تعتبرها انتهكت منذ القرون الأولى التي تلت الخلافة الراشدة. ويشهد لها أنها أول من صرحت علنا أن مدونة الأحوال الشخصية غير مقدسة وتحتاج إلى اجتهاد وذلك سنة 1986.

كانت حاضرة في كل المحطات النضالية التي عرفها تاريخ الجماعة، فتجدها في مقدمة المسيرات التضامنية مع الشعبين الفلسطيني والعراقي ومع كل المستضعفين. وقد اعتقلت في 10 دجنبر 2000 على إثر المسيرة التي نظمتها الجماعة لاستنكار أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب، هي وعائلتها ورفيقة دربها المرحومة الدكتورة السعدية قاصد، وصدر في حقها حكم بالسجن لمدة أربعة أشهر مع إيقاف التنفيذ وغرامة مالية.

ندية المفكرة

ندية ياسين التي عادت منذ أيام قلائل من جامعة بيركلي بالولايات المتحدة الأمريكية بعد أن حضرت هناك منتدى فكري بمشاركة عدد من المفكرين والباحثين والمثقفين، ليست غريبة عن ميدان الفكر وهي التي حصلت على الإجازة في العلوم السياسية ولم تتوقف عند هذا الحد، فعندما منعت من متابعة دراستها بالسلك الثالث لأنها ابنة مرشد جماعة العدل والإحسان، كما منعت من جواز سفرها (شأنها شأن الكثير من أعضاء الجماعة)، قررت الاستمرار في مدرسة التكوين الذاتي بدعم ومساندة من أبيها. تقول غزلان البحراوي “لم يكن المرشد يقول لها كيف يجب أن تفكر بل كان يطرح عليها الإشكالات ويتركها تبحث عن الحل، تنقب في الكتب وتجتهد، وبعد ذلك يأتي التوجيه”. هكذا تكون لدى ندية حس نقدي، فهي لا تتبنى فكرة ما إلا بعد أن تستوعبها جيدا وتقتنع بها.

وقد انتبهت الصحافة الغربية قبل الوطنية لنبوغها الفكري، فتوافد على بيتها منذ سنوات عشرات الصحفيين ليستطلعوا آراءها ومواقفها من مجموعة من القضايا السياسية والدولية.

وبمجرد حصولها على جواز سفرها سنة 2003 شاركت ندية في عدة منتديات فكرية خارج المغرب، تتناول قضايا حقوقية وفكرية، نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر مشاركتها في مؤتمر حركات مناهضة الحرب والعولمة بلبنان في شتنبر الماضي والذي حضرته حوالي 250 حركة عالمية، كما شاركت في عدة منتديات فكرية ومحاضرات ببلغاريا، فرنسا، إسبانيا، بلجيكا، هولندا، ألمانيا…

وقد كانت آخر زياراتها للخارج، تلك التي قامت بها مؤخرا إلى جامعة بيركلي الأمريكية والتي تلقت على إثرها عرضا للتدريس بهذه الجامعة، تقديرا لكفاءتها العلمية. وقد نبغت الأستاذة ندية أيضا في مجال الكتابة، حيث ملأت مقالاتها الفكرية والسياسية وكذا تصريحاتها صفحات الجرائد. وتوجت مجهوداتها في هذا المجال بكتابها “اركب معنا” باللغة الفرنسية ( (Toutes voiles dehorsوالذي هو دعوة للحوار حول الإسلام مع النخب المفكرة خاصة منها الغربية. يقول الدكتور زكي مبارك في قراءة له للكتاب: “إن عنوان الكتاب وحده وما يحمله من تضارب ومجاز لغوي يعط فكرة عن الأسلوب الرفيع المستوى الذي اعتمدته الكاتبة”. ويضيف قائلا: “الكاتبة تدعو إلى رفع كل الأشرعة للإبحار والسفر نحو آفاق فسيحة الأرجاء، فيها من سعة الفكر ومتطلبات الحوار والإقناع والاقتناع ما يهدي إلى الصواب وإلى الطريق المستقيم”.

وقد بلورت عموما من خلال كتاباتها ومحاضراتها نظرة متميزة تقدم الإسلام كدين ينبذ العنف ويدعو إلى الحوار، ينبذ الظلم ولا يتعارض مع آليات الحكم العصرية من ديمقراطية وانفتاح على التجارب الإنسانية، وأيضا كدين يكرم المرأة ويضعها في أسمى المقامات.

ندية: أما وزوجة…

عندما تزور بيتها المتواضع بحي السلام بسلا، يأخذك الإعجاب بأناقته وترتيبه وتناسق ألوان أفرشته، وتثيرك بشكل خاص اللوحات الفنية وباقات الورود الجميلة، المصنوعة بيد فنانة تشكيلية مغمورة اسمها ندية ياسين. نعم ندية هي أيضا فنانة تشكيلية تخط أناملها أبرع اللوحات. لكن السؤال الذي يحيرك فعلا وأنت مأخوذ برونق هذا البيت هو كيف تستطيع هذه السيدة ذات الكفاءات التي ذكرناها التوفيق بين مهامها داخل البيت وداخل الجماعة وكعضو فاعل في الأوساط الفكرية والسياسية. لقد ربت بناتها الأربع على حب العلم، فكلهن طالبات بالجامعة، وكبراهن تحضر دكتوراه في الأدب الإنجليزي.

حينما تجلس إلى ندية ياسين “ربة البيت” تجد نفسك أمام سيدة تتمتع بذوق رفيع، أنيقة وجميلة لدرجة لا تكاد تصدق أنها في السادسة والأربعين من عمرها وأنها أم وجدة. وعندما تتحدث إلى زوجها الأستاذ عبد الله الشيباني أستاذ العلوم الاقتصادية وعضو الأمانة العامة، تكتشف سرا آخر من أسرار نجاح ندية، تكتشف أن خلف الستارة رجل يقدر زوجته حق تقدير ويقدر عظم مهمتها، ويسندها أيما سند لإيمانه بأهمية دور المرأة في التغيير. وقد أشادت ندية غير ما مرة في منتديات دولية بدور زوجها في الدفع بها في مسيرتها النضالية. وواقع الأمر أن المساندة متبادلة بينهما، فعندما اعتقل الأستاذ الشيباني سنة 1990 كانت له نعم السند وتحملت وحدها مسؤولية بناتها الأربع.

ويشهد المقربون منها أنها سيدة عفيفة النفس كانت ترفض مساعدة الأقارب والأصدقاء وكانت تشتغل بنفسها لتعيل بناتها. يقول عنها أحد أصهارها: “هي ليست فقط مربية لبناتها ولكن لنا جميعا (يقصد كل أفراد أسرتها)”.

وتمضي القافلة…

هكذا صنعت ندية ياسين مكانتها داخل أسرتها، داخل جماعتها وداخل مجتمعها. أثارت انتباه الجميع حتى تصدرت صفحات الجرائد الدولية والوطنية. ومع هذا فعندما تقابلها تجد نفسك أمام سيدة شديدة التواضع والحياء، دائمة الابتسام، سريعة التواصل. ولا تملك وأنت تنصت لمحاضراتها إلا أن تقول ما قاله بعض المثقفين ممن حضروا آخر محاضرة لها عن الإسلام والديمقراطية بالبيضاء في أبريل الماضي: “هذا نموذج امرأة جديرة بكل احترام وتقدير”.

وأنت تتبع مسيرتها ينتابك إحساس يقيني بأنها قافلة مطمئنة، مصرة على المضي دونما التفات إلى من يعوي خلفها…