أؤكد في البداية، أني لا أتحدث في هذه السطور عن الديمقراطيين الحداثيين الأوفياء لمبادئهم، فهؤلاء لهم مني الاحترام، وإن اختلفت معهم في بعض القضايا جملة وتفصيلا. ولكن أتحدث عن قوم شهروا سلاح الديمقراطية والحداثة ليرهبوا كل صاحب فكر حر ورأي مستقل، وهم في سلوكهم الفردي والجماعي بعيدون كل البعد عن مبادئ الديمقراطية والحداثة.

بعد هذا التوضيح، أقول وبالله التوفيق، يذكرنا النقاش الذي أثاره الحوار الأخير مع الأستاذة ندية ياسين بالنقاش الذي عرفته الساحة السياسية والإعلامية بالمغرب في شهري فبراير ومارس، منذ ما يزيد عن ست سنوات، عقب إصدار الأستاذ عبد السلام ياسين “مذكرة إلى من يهمه الأمر”. تحدث حينها بعض السياسيين والإعلاميين والمثقفين … وتعددت القراءات والمؤاخذات .. وتعددت أيضا الحجج والمبررات.. تحدث القوم بإسهاب ورفعوا شعارات من قبيل “إجماع المغاربة”، “حرمة المقدسات”، “لا لعرقلة الانتقال الديمقراطي”، “لا لمحاكمة النوايا” … تحدثوا باسم الدين والوطن والتاريخ .. وباسم الإنسانية والشعب والأمة… تحدثوا باسم كل شيء من أجل أن يقولوا شيئا واحدا: “نحن ملكيون أكثر من الملك”! إلى أن هدأت العاصفة الهوجاء، وانتهى النقاش. انتهى ولم تنته ما وصفته المذكرة من بؤس وفقر وظلم وكبت للحريات .. واستمرت دار لقمان على حالها، ونُسيت الشعارات، وتبخرت الإشارات كما تبخر البترول في تالسينت، وتعددت معاناة المواطنين، واستفحل فقرهم وعوزهم، والواقع ما ترى لا ما تسمع (انظر مقال ذ. عبد الواحد المتوكل: Maroc, espoirs, faits et soucis).

ومع حوار الأستاذة ندية ياسين الذي عبرت فيه عن رأيها، بدافع الغيرة على هذا الشعب المقهور المحقور، يتكرر نفس “السيناريو”، حيث اشتغل بعض الناس بالإعلانات والبيانات والنداءات، وغاصوا في التاريخ والجغرافيا، وتوغلوا في رهانات العولمة والاقتصاد، وأصبحوا رغما عن علم التفسير واللغة وأصول الفقه مجتهدين، ليقولوا لنا الحق الذي لا حق بعده، والرأي الذي لا رأي معه.

ومن النِّقاشَين، السابق واللاحق، يتأكد، وللأسف الشديد، أن بعض الناس يفضلون في كل مرة الدفاع عن مواقعهم ومصالحهم على خوض نقاش حقيقي يلامس مفاصل الداء، ويبحث بكل شجاعة ومسؤولية عن الدواء. وليس بالضرورة  أقول هذا لمن لا تتسع حويصلته للآراء المخالفة- أن ينتهي تشخيص الداء ووصف الدواء عند ما قالته الأستاذة ندية.

من حق بعض “الحداثيين” و”الديمقراطيين” أن يكون لهم رأي مخالف. من حقهم وهم دعاة الحداثة والديمقراطية أن يتشبثوا بأعجاز نخل خاوية. من حقهم أن يتغنوا بدستور ممنوح وبمؤسسات شكلية وبمشروع مجتمعي في الهواء. لكن ليس من حقهم أن يصمتوا بدافع “المواطنة” عن محاكمة مواطنة بسبب رأيها. وليتهم اكتفوا بالصمت. فمنهم من دعا جهارا إلى محاكمة الأستاذة ياسين. وكأن لسان حالهم يقول من يخالف رأينا ينبغي أن يسجن أو يشنق حتى.

ثم إن بعض من يستنكر على الأستاذة ندية رأيها اليوم، ويقود حملة للتوقيع على خطاب منمق، كان له نفس الرأي سابقا. وكان موقفه السياسي أنذاك مدعوما بأفكار ومفاهيم، من مثل الجدلية التاريخية، والصراع الطبقي، وقيادة البروليتاريا للتغيير…فكيف تحول الأمر إلى ضده، وأضحى المستنكَر بالأمس، حتمية تاريخية اليوم، بل وإجماعا شعبيا، لا يزيغ عنه إلا هالك.

ليس عيبا أن يغير بعض “الحداثيين” رأيهم، ولكن العيب كل العيب، أن يكذبوا على المغاربة، ويجعلوا في كل مرة آراءهم وأفكارهم محور الإجماع الشعبي والتوافق الوطني. فحيثما مال رأيهم مال التوافق الوطني والإجماع الشعبي. ورؤيتهم الخاصة هي حتما وجبرا رؤية عامة لا يستقيم النظر إلا بها.

أين هي نسبيتكم التي ترفعونها سلاحا في وجه الإسلاميين؟ أين هي أفكار جون جاك روسو وجون لوك ومونتسكيو… التي لا تعترف بغير الرأي الحر مقدسا؟ أين هي كلمة فولتير الشهيرة. “قد أختلف معك في الرأي ولكنني مستعد للموت من أجل رأيك”؟

تبخر كل شيء من أجل قول شيء واحد: “نحن ملكيون أكثر من الملك”. ليس، فقط، لأن الأمر يرتبط بالملك، ولكن أيضا لأن ندية ياسين تنتمي إلى جماعة العدل والإحسان.

منكم أيها “الحداثيون” من زعم أن ما قالته الأستاذة ندية ياسين، قد فرغ منه المغاربة، وطووه إلى الأبد، وأن الأولوية اليوم للتنمية ولا شيء غير التنمية.

ولنا أن نتساءل متى خاض المغاربة ذلك النقاش حتى يفرغوا منه؟ ومن سمح لهم بالنقاش ابتداءا؟ وعلى افتراض أنهم ناقشوا وخلصوا إلى خلاصات هل يسري ذلك على كل الأجيال؟ وهل يطوى إلى الأبد؟ وأين هي دعواتكم للحداثة والتحديث؟ وأين هو إلحاحكم على القطيعة مع التقليد؟ وهل تستقيم التنمية مع وجود الاستبداد؟ هل يكفي لتحقيق التنمية خطاب هنا أو شعار هناك؟ أليس الأمر يرتبط بتعبئة واسعة ومشاركة عامة؟ أليست الثقة أساس التنمية، وكل بناء على غير أساس فهو مهدوم؟

من أين لنا -نحن المغاربة- بهذه التعبئة الواسعة والمشاركة العامة والثقة المتبادلة، ونحن نصبح ونمسي على التغني بمؤسسات شكلية لا تقدم ولا تؤخر… نصبح ونمسي على أخبار التدليس والاختلاس والتهريب لأموال الأمة … نصبح ونمسي على البون الشاسع بين ثلة مترفة وشعب مجهل مفقر محقر..

تطلبون إلينا أن لا نكتفي بالكلام، وأن نتجنب خطاب التيئيس، وأن نقدم اقتراحات عملية. فلماذا صممتم الآذان إذن على ما اقترحته “مذكرة إلى من يهمه الأمر”؟ أليس ذلك هو المدخل الحقيقي لإعادة الثقة وللمشاركة العامة من أجل تنمية بمساهمة الجميع من أجل الجميع، عوض مسكنات لا تسمن ولا تغني من جوع؟

قال “الحداثيون الديمقراطيون” الكثير عن الجماعة بمناسبة هذا الحوار. ومن أخطر ما قيل أن الجماعة تستغل ما تعرفه بعض المناطق المغربية من اضطرابات لزرع الفتنة وعدم الاستقرار.

اطمئنوا، جماعة العدل والإحسان هي أحرص منكم بكثير على سلامة المغاربة وأمنهم. تعرضت الجماعة لأبشع أنواع التضييق، من حصار واعتقال وتعذيب ومنع من أبسط الحقوق، وظلت مع كل ذلك تتشبث بالرفق، وتدعو إلى الرحمة وحقن الدماء.

تطلبون إلينا بمبرر الحفاظ على الاستقرار أن نسكت على الظلم والاستبداد. ونطلب إليكم أن لا تجعلوا الاستقرار والاستبداد متلازمين مترابطين، وأن تتطلعوا معنا إلى استقرار مع العدل والكرامة والحرية.

بل إن العدل والكرامة والحرية هي أساس كل استقرار، ألم يقال لسيدنا عمر رضي الله عنه حينما وجد نائما مطمئنا تحت شجرة: “عدلتَ فأمنتَ فنمتَ”.

أليست تلك الاضطرابات سببها الأول والأخير كبت الحريات وسرقة المساعدات الاجتماعية والحرمان من أبسط حقوق المواطنة، التي هي ليست كلاما منمقا وفرقعات في الهواء وخطبا مدوية، ولكنها ماء للجميع، وخبز للجميع، وصحة للجميع، وسكن يليق بكرامة الإنسان … هذا ما تؤكده تظاهرات الحسيمة وتماسينت وبن كرير وورزازات وطاطا (انظر بعض ما كتب عن هذه المدن في الموقع)…

ومما اتهموا به الجماعة أيضا الاستقواء بالخارج ضد مصلحة الوطن ودليلهم، الذي لا يقبل التفنيد، أن ما قالته الأستاذة ندية ياسين في “الأسبوعية الجديدة” كان مباشرة بعد عودتها من الولايات المتحدة الأمريكية.

ونسي أصحاب هذا المنطق الأخرق، أن دليلهم هذا يجعل الكثير من السياسيين والمثقفين والإعلاميين عملاء للخارج، بمجرد عودتهم من أوربا أو أمريكا، وإدلائهم بتصريح أو حوار أو كتابتهم لمقال، خاصة إذا احتوى تصريحهم أو مقالهم على أفكار جديدة.

ثم ما هذا التناقض في تقييمكم لجماعة العدل والإحسان، أحيانا تعيبون عليها الانعزال والانغلاق والتزمت ورفض الآخر، وأحيانا أخرى تعيبون عليها المشاركة في منتديات دولية وقبولها المبدئي بالحوار.

تنسون، أو تتناسون، أن دعوة جماعة العدل والإحسان للحوار، داخليا أو خارجيا، مشروطة بشروط منها أن يكون الحوار على مرأى ومسمع من الشعب. هذا الأخير الذي يعلم علم اليقين من يتاجر بقضيته ليعتني بما تدره المساعدات الخارجية، الثقافية والاجتماعية، التي تجود بها منظمات حكومية وغير حكومية.