المتابعة التي حركتها الحكومة ضد ندية ياسين، على إثر تصريحات أدلت بها في استجواب لها لـ”الأسبوعية الجديدة”، وضد مدير نشر الأسبوعية والصحافيين اللذين أجريا الاستجواب، تدخل ضمن محاكمات الرأي والتعبير. وبالمعايير الحقوقية، فإن المحاكمة تستهدف رأيا تم التعبير عنه بواسطة الصحافة. وبغض النظر عن الموقف من مضمون التصريحات، فإن الحكومة، بإقدامها على هذه المحاكمة، ستُبقي المغرب ضمن لائحة الدول التي تمارس التضييق على حرية الرأي وحرية الصحافة. وبذلك، تثبت الدولة عدم نجاحها في امتحان الالتزام باحترام أحد أبرز حقوق الإنسان: الحرية في الرأي والتعبير.

لقد عبرت نادية ياسين عن رأي سياسي (وإن ادعت أنها لا تتحدث كسياسية)، حين قالت إن “الملكية لا تصلح للمغرب”، وعبرت عن رأي في السياسة حين أعلنت أنها تفضل الجمهورية. وهذا الرأي لا ينفع في مواجهته إلا الرأي. فالرأي هو وحده المؤهل لـ”محاكمة” هذه التصريحات وليس المتابعة. ولا أحد يمنع كل المخالفين لها من كشف ما يعتبرونه مجرد ادعاءات وافتراءات وتهافت. أما اللجوء إلى المتابعة، فهو مكلف بالنسبة للالتزامات والاختيارات التي يعلنها المغرب.

في الآونة الأخيرة، التقى عدد من المسؤولين في الدولة وفي الأحزاب في إرجاع ما يشهده المغرب من أحداث وما يصدر من تصريحات إلى “استغلال أجواء الحرية” التي أصبح المغرب، في نظرهم، ينعم بها. إنه تفسير يربط ما يحدث بوجود الحرية! وتبعا لهذا المنطق، فإن “الحرية” هي المسؤولة عما يقع من “شغب” أو من “اعتداء على المؤسسات”! والنتيجة التي يسعى هذا الربط إلى الوصول إليها هي الحد مما اعتبر مسؤولا عما يقع. وهذا ما بدأت تظهر ملامحه، من خلال دعوة البعض إلى الصرامة وعدم التساهل وتحريك الحكومة للمتابعات.

وبحسب أصحاب هذا التفسير، فإنه يمكن أن تكون للفرد آراء وتصورات، ولكن، لكي لا يستغل جو الحرية أو يتهم بذلك، عليه ألا يعبر عنها. إنهم مع الحرية، لكن دون أن تُمَارس. إنها “حرية ميتة”، لأن الحرية تحيى بالممارسة، وليس بالتشريع فقط، وتموت بعدم ممارستها. إن من يقول باستغلال أجواء الحرية كمن يحن إلى زمن آخر، حين لم تكن تتوفر هذه الأجواء. وفي هذا اعتداء على حق وَصَل المغاربة إلى إقراره بتضحيات ونضالات مريرة، وبعد تفاقم خيبات نتجت عن انعدام الحرية واستعمال القمع لمواجهة كل رأي لا يحظى بالرضى. إن ما يجري من أحداث وما يصدر من آراء يختبر فعلا مدى وجود الحرية ببلادنا.

لقد كان الأمر سيكون طبيعيا وعاديا ومعبرا بالفعل عن أجواء الحرية، لو ووجهت صاحبة التصريحات فقط بكتابات المناهضين وحتى ببيانات جمعياتهم وتنظيماتهم. إن الدفاع عن الملكية لا يتم بالمحاكمات ولا بالتخوين أو باعتماد “نظرية المؤامرة”. فحتى إذا ظهر بيننا من لم يعد مقتنعا بالملكية، فلا يمكن أن نقنعه بها بالسجن. علينا أن نتذكر أن القمع والاختطاف والسجن… كل ذلك لم ينفع في مواجهة دعاة انفصال الصحراء عن المغرب. ولم يقض على أطروحة الانفصال التي لقيت صدى حتى عند شباب من أجيال ولدت بعد اندلاع النزاع، والذين أصبح البعض منهم لا يخفي نزوعه الانفصالي، بل ويتظاهر من أجل ما يعتبره “الاستقلال”. ولن يفيد إدخالهم جميعهم السجن في معالجة جوهر القضية.

إن استعمال “نظرية المؤامرة” للرد على كل رأي مخالف ولتفسير أي حدث يكشف عن الانشداد إلى الماضي. لقد سعى البعض إلى ربط تصريحات نادية ياسين برسالة محمد عبد العزيز زعيم البوليساريو. دون أن تفوته “الفرصة” للتلميح إلى الصحافة. أليس في هذا خطر على حرية الرأي والتعبير من طرف أفراد يعتبرون أنفسهم مدافعين عن الحرية؟

إن أحد مظاهر الانشداد إلى الماضي تكمن في استعمال الملك في السجال. إن هناك من يصور أن الملك هو المستهدف مما يقع ويُكتب. وهذا ليس بجديد على المغرب. الجديد أنه يقع في “عهد جديد”. فلكي يتخلص البعض من خصومه كان يدعي أنهم يستهدفون السلطان. وغير بعيد عن عصرنا، حدث هذا مع الحسن الثاني، لما صور البعض زعماء المعارضة “الوطنية” بأنهم ضد الملك، وليسوا أصحاب رأي أو تصور.

إننا نعيش منتصف العقد الأول من القرن 21، وهو زمن يختلف عن أواسط القرن 20. اليوم، بعد نصف قرن من الاستقلال، ليس من المستساغ استعمال نفس قاموس الخمسينيات للدفاع عن النظام وعن الملكية. آنذاك، كنا في زمن الاستعمار، وكنا نصارع مستعمِرا. أما اليوم، فقد قطعنا خمسة عقود من الاستقلال، وخلالها مارس ملوك المغرب الحكم والسلطة. وبحكم مسؤوليتهم، فإنهم معنيون بالوضع القائم اليوم بالمغرب، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي. ولذلك، فإن القاموس الذي استعمل للدفاع عن الملكية في عهد محمد الخامس لا يصلح للدفاع عنها في عهد محمد السادس. هذا إذا استحضرنا فقط المعطيات المحلية. أما إذا نظرنا إلى التحولات الدولية والجمعوية، فالفرق يكون أكثر وضوحا.

لا شك في أن المحاكمة التي حركتها الحكومة ستحرك النقاش حول الملكية في المغرب. وقد ابتدأ ذلك من خلال بعض الكتابات. إن الأمر لا يتعلق بصراع بين من يدافع عن الملكية ومن يدعو إلى الجمهورية. إن هناك من يريد أن يلتف على جوهر النقاش باعتماد هذه الثنائية “المضللة”. إن في المغرب معارضين لطبيعة النظام وهم ليسوا بالضرورة جمهوريين. لقد صرح الملك أن الملكية في المغرب “ملكية تنفيذية”. وهو من موقعه كملك حدد طبيعة النظام الملكي الذي يحكم به وفي إطاره. وهناك في المغرب ملكيون يدعون إلى ملكية أخرى هي “الملكية البرلمانية”. فهل يعد موقفهم مسا بالنظام الملكي؟ وهل من اختلف مع الملك في التحديد الذي قدمه للملكية يعتبر مخلا بالاحترام الواجب للملك؟ هل من يطالب بملكية يسود فيها الملك ولا يحكم يستهدف الملكية والملك؟ هل من يطالب، مثلا، بـ”المنهجية الديمقراطية” في تعيين الوزير الأول؛ أي “إلزام” الملك بتعيين وزير أول من الأغلبية البرلمانية، يخل بالاحترام الواجب للملك؟

إن هذه الوقائع (التصريحات والمتابعات) يجب ألا تستغل لوقف النقاش حول مطلب تجديد الملكية وتطويرها لجعلها ملائمة لقيم العصر ولسيادة الشعب وحكم نفسه بنفسه من خلال الآليات الديمقراطية المعتمدة كونيا. إن أي نظام سياسي، كيفما كان قويا، لكي يستمر، مطالب بالإصلاح. والتاريخ مليء بالتجارب.