الفصل السادس: مع المستضعفين1ـ المستضعفون والمستكبرون:

نستعمل المصطلح القرآني التقابلي مستكبرون / مستضعفون إذا اقترن الاضطهاد في الرزق وفي المقومات الأرضية بالاضطهاد في العقيدة والشرع, وإذا تعلق الأمر بمستضعفين مسلمين أو من أمة الدعوة المرجو إسلامها بنصر قضاياها. وما هو عبث أن يفتح الله على الكافرين أبواب كل شيء فيستكبروا في الأرض ويبتلي المسلمين بالفقر مع غنى أرضهم بالثروات.إنها سنة الله في الكون والتاريخ الذي يداول الأيام بين الناس, والمسلمون منهم, وعليهم أن يقاوموا ظلم المستكبرين وعلوهم لا أن يستكينوا للواقع بدعوى أن هذا قدر. بسط الرزق لأبناء الدنيا أصل من أصول سنته سبحانه في الخلق وابتلائهم, كما أن الجهاد في سبيل الله والمستضعفين أصل من أصول شرعه, والحكمة الجمع في نظرة واحدة لا تناقض فيها بين أمره الكوني القدري وأمره الشرعي الجهادي.

أصل الاستكبار في بعضه فلسفة دهرية أو تقليد للآباء أو تعليم في الطاحون الإلحادي, وفي غالبه أنانية وعبادة هوى تصل إلى حد التأله وتمنع من عبادة الله الواحد لأنها تحرر العباد من كل عبودية لغير الله. وتؤول أسباب استضعاف المستكبرين للناس إلى سببين: أصلي عام هو ابتلاء الله المسلمين بالنقص من الأموال والأنفس والثمرات, وفرعي هو العقوبة على ما كسبت أيديهم من منكر تنصب تبعاته على شكل قحط واستعمار وبأس شديد بينهم وفرقة وعداوة, وكلها تحمل المسلمين على التوبة والتضرع والإسراع لتغيير المنكر.

2 ـ في سبيل الله والمستضعفين:

كلفنا الله تعالى أن نقاتل في سبيله وفي سبيل المستضعفين, فعيننا الواحدة على سنته وسوط قدره, والعين الأخرى على التماس أسباب القوة الحسية والمعنوية لتغيير موازين القوى لصالحنا. ومن أولى الأسباب الكف عن التعلق بالبطل الوثن المحرر. إن المسلمين أوتوا من تحالف حكامهم مع المستكبرين الذين نهبوا خيرات البلاد منذ خمسة قرون وما يزالون, وأبادوا ملايين البشر من هنود حمر وزنوج ومسلمين. واليوم ما يزال المسلمون هم “دولة الشر” التي يؤذن زعماء النظام العالمي الجديد, أمريكا وحلفاؤها, باضطهادهم أشد مما فعل التتار بهم في السابق, لا لشيء إلا لأن أرضهم تضم عصب الاقتصاد الشمالي الاستكباري: النفط، الناضب عندهم عما قريب جدا الباقي عندنا لمدة قرن أو قرنين.

في المائة سنة الأخيرة تطاحن الأوربيون وجرّوا معهم البشرية إلى حربين مدمرتين أسفرتا عن صلح بينهم وحروب يخوضها المستضعفون عنهم بالوكالة. وكانت الدولة السوفياتية وحلفائها ندّا للأمريكان وحلفائهم, وأملا للشعوب المظلومة. لكن سرعان ما تبخر الأمل وتوحد الشق الجاهلي مع صنوه الغني بعد أن انهار بناؤه وخرب اقتصاده. واليوم يبقى أمل الإنسانية معقودا على المسلمين وإن كان الواقع يبعث على اليأس: بؤس وإخفاق وفشل. لعل ذلك يجعل المسلمين ينفضون أيديهم من كل أيديولوجية ويفيئوا إلى دين الله تائبين متضرعين قائمين على حكم العض والجبر. أمل الإنسانية اليوم معقود على الإسلام, المجوعون المفقرون منهم المستعمرون, وكذا المترفون اليائسون من حياة لا معنى لها ولا غاية.

3ـ الآلة الاستكبارية:

إنها الحضارة الرأسمالية بهياكلها وأجهزتها وماضيها في النهب وحاضرها. تصنع البؤس لأكثر من ثلثي سكان العالم, والترف لنسبة قليلة منهم, قسمتهم إلى شمال مترف وجنوب مفقر محقر. آلة إنتاج استهلاكي جنوني, عبادتها المادة وإلهها الشهوة وحياتها العبث. آلة جاهلية، عنف على الإنسان والطبيعة وجهل بما هو الإنسان ومصيره ومعناه. ولذا فإن كلا الفريقين يستصرخ من ظلم هذه الآلة الشيطانية؛ يصرخ بحاله الشقي في النعيم الدوابي الذي تسجل بلاده المتخمة أعلى نسبة من الانتحار لما حرم من معنى الحياة, ويصرخ بمقاله المحروم المجوع المعرّى بسبب ظلم الآلة الاستكبارية. وللفريقين عند الإسلام رسالة وعلى المسلمين أن يغيثوهما. أمر من الله عز وجل بإعداد القوة ووعد بالنصر للمسلمين حين يتصدون للمستكبرين الذين يتلفون فائض الإنتاج للإبقاء على الأسعار العالمية مرتفعة تناسب القدرة الشرائية للرجل الأبيض ومن انضم إلى حضارته الاستهلاكية, فتك بالإنسان وبالبيئة التي تستقبل النفايات والملوثات وتعرف القضاء على الغابات مصدر الأكسجين النافع لكل الأحياء مما يهدد الحياة على هذه الأرض, ذلك هو حصاد الآلة الاستكبارية.

الفصل السابع: التنمية1 ـ “اقتصاد إسلامي”:

هل يصح أن نربط هاتين الكلمتين؟ الإسلام من حيث هو دين توجيه معياري للإنسان, والاقتصاد نشاط واقعي وعلم منضبط بحسابات دقيقة. يعرف الخبير التنمية الاقتصادية فيقول: (هي مجموعة أعمال منظمة ضرورية لتوجيه المجتمع إلى تحقيق ظروف معيشية جماعية وفردية منظمة تستجيب لنظام قيمي مرغوب فيه). وبصفة عامة فإن لكل نشاط بشري -ومنه الاقتصاد- سلم قيم وله أهداف, فإما أن يخدم الأهداف الشهوانية الأنانية العنفية وإما أن يخدم الأهداف الإحسانية. يكون الاقتصاد إسلاميا لإسلامية الفاعل يسخر إنتاجه وعلاقات إنتاجه ووسائله للإنفاق في سبيل الله ولإعداد اقتصاد القوة والكفاية. إن محاربة شح الأنفس وإشاعة العدل وبناء القوة مطالب حيوية، والتنمية مطلب حيوي نجاهد من أجل الوصول إليه، نبنيه في ظل حكم الشورى لا يتصدق به علينا ولا يقتنى. إنها معالم مستقبل الخلافة الثانية الموعودة التي يفصلنا عنها زمان علينا أن نعمره بالجهد المنظم المتواصل قبل أن ترجح كفتنا ونستقل ونقود اقتصاد العالم الذي لا يعرف استقرارا في خضم تجاذب القوى.

2 ـ التعبئة الجهادية:

تعتبر معركة التنمية قضية حياة أو موت للحكم الإسلامي, والتعبئة مصطلح يدل على جدية الأمر وما يتطلبه من الإسلاميين من جهود لتوفير المعاش وأسبابه للجماهير المسلمة وذلك حين يتصدون للحكم وهم يومئذ تحت خناق الضرورة بما ورثوه من خراب. أمامنا منهجيتان في التعبئة التنموية: منهجية الاقتصاد الحر اللبرالي السوقي الذي يعتمد على المبادرة الحرة, والمنهجية الاشتراكية الشيوعية التي اعتمدت على وسائل الإكراه ونزع الملكية ووضعها في يد الدولة والتخطيط المركزي. أما المنهجية الشيوعية فقد صادفت زمانا حاجة النفوس إلى العدل, لكنها فشلت لما خنقت روح المبادرة والحريات.وأما اللبرالية فقد استمسكت بغريزة قوية هي حب التملك والكسب والربح والمغامرة وهوس نجاحها. ويلتقي الاقتصاد الإسلامي مع طلاب العدل كما يعترف بمكونات اقتصاد السوق، وفي ضمنها التنافس والمبادرة الحرة. يعترف بكلا الغريزتين لكن يهذبهما بتصحيح الوجهة والتذكير بالغاية. إن وسائل التنظيم الاقتصادي والإدارة التجارية والخبرة التكنولوجية مما طورته اللبرالية تصلح وعاء ماديا لاقتصاد إسلامي بعد تطهيره من أمراض الربا والغش والتبذير والتكاثر. تبدأ استراتيجية الاقتصاد الإسلامي من تربية البواعث الإيمانية وهي قضية أجيال. على أرض الواقع لا بد للحكم الإسلامي من التعامل مع طبقة المتمولين الذين يخلفهم اقتصاد السوق، فهم ذخيرة للخبرة والمعرفة بمداخل السوق العالمية. تعبئة المتمولين المسلمين في معارك الجهاد وتأ لفهم ورعاية مصالحهم، كفيل بأن ينقلنا من التعبئة الرأسمالية إلى التعبئة الإسلامية، ويطهر نظامنا البنكي الحالي، وينقل تجارب المصارف الإسلامية من الحبو والهامشية إلى الدخول القوي في عالم تسوده الاحتكارات الرأسمالية العالمية. تعامل غير هذا فهو انتحــار.

3 ـ القومة وهمومها التنموية:

أكبر همّ يحمله المسلم هو الوفاء بشرط الإيمان وعمل الصالحات المفضي إلى الاستخلاف والتمكين والأمن، ثم بعد ذلك فإن الهموم التي تنصب على الحكم الإسلامي لا حصر لها بسبب كثرة من ستتعارض مصلحته مع هذا الحكم عداء وتنافسا. من العقبات، ثقل الميراث الذي يخلفه النظام الفاشل في التنمية وفي غيرها، عطالة ورخاوة وشح وسائل وأمراض نفوس من محسوبية ورشوة… وقلة الأمناء الأقوياء. يهدد القومة الإسلامية طوق المديونية وما تفرضه المؤسسات المالية الكبرى من تقويم هيكلي يرهن اقتصادات الدول المدينة، ولابد من التعامل المرحلي معها ريثما تتغير موازين القوى العالمية بصعود نجم أوربا الموحدة.

من أحجار الزاوية في البناء الاقتصادي تدريب اليد العاملة المتخصصة وتشغيلها واسترجاع المهاجر منها ليساهم في توطين التكنولوجيا بعد فسح المجال لها واقتراح مشاريع تكون فيها كرامتها وعزة أمتها بدلا من الخبرة المدللة المستوردة التي تكلفنا غاليا.

ليست التنمية بضاعة تستورد جاهزة، إنما هي أن تمتلك ناصية العلوم وتتدرب على التنظيم والإدارة وتستقل بالمبادرة والتمويل وتحتك بالمنافسة الدولية. هذا بعد التخلص من الحكم التقليدي المستبد.

السؤال الأساسي في التصنيع هو: كيف نشجع الإنتاج لا الاستهلاك، الإنتاج الكفء الجدير بالدخول في السوق العالمية مع اجتناب أخطاء الرأسمالية؟ كيف نوطن اقتصادا يصون كياننا القطري ويصله باقتصاديات الأقطار المسلمة في منظور وحدوي تكاملي؟. ولا يجب أن ننسى دور الدولة في السهر على المرافق العامة ورعاية الضمانات الاجتماعية الأساسية.الباب الثالث: ما العمل؟الفصل الأول: الحل الإسلامي1ـ أي حل؟:

بدأ شعار “الحل الإسلامي” يرتفع في المواسم الديموقراطية ويكسب المواقع كما بدأت فلول التيار التغريبي تتمسح به لما أوصدت في وجوهها أبواب الشعبية الجماهيرية، أبواب “المخزون النفسي” النفيس. لكن “الحل الإسلامي” ما هو تعويذة سحرية سرعان ما يقضي بها الإسلاميون الحائزون على ثقة الناس على شياطين التخلف والبؤس والظلم والجوع. لا ينبغي لهؤلاء إيهام الناس برحمة عاجلة وحل لكل المعضلات ضربة لازب بلا تعب، بل يجب أن يعلموا الناس ويعْـلموهم أن “الحل الإسلامي” جهاد واجتهاد مدعو للمشاركة فيه كل مسلم غيور على دينه، مشاركة في التضحيات قبل الثمرات. ما هو وعد انتخابي يتنصل الناس من تبعاته بمجرد إلقاء الورقة في الصندوق. في سوق الانتخابات يجب أن يتمسك الإسلاميون بمبدأي الوضوح والصدق حتى يعلم المسلمون مقدار الفساد المستشري وبالتالي مرارة الدواء الذي ينبغي تجرعه وطول فترة العلاج، يفضح الصدق سماسرة السياسة المحترفين، ويوم يمل الناس كذبهم فلن يجدوا غير الصادقين قبلة لهم. لهذا الغرض، فإن على الإسلاميين أن يبنوا علاقاتهم بالناس خارج الحلبة السياسية، انطلاقا من المسجد وحوله، علاقات عمادها الصدق والمسؤولية والمشاركة الفعلية.

2ـ بأي ثمن؟:

المشاركة ثمن يدفعه جمهور المسلمين من أجل تطبيق “الحل الإسلامي” بصبر واستمرار وعن طواعية. وثمن آخر تدفعه الدعوة في سبيل اكتساب الحركية والنشاط والفاعلية في الحياة بفعل الدخول في معمعان الحركية العالمية طوعا أو كرها؛ إنه الانصراف عن الوجهة وعن الرسالة المكلفين بتبليغها للعالمين. إنه انحراف عن الاعتدال: حين نعرض عن العالم وننعزل وننغلق، وحين نستسلم للتيار وتفرغ الدعوة كل رجالها لتصريف شؤون الدولة ودواليبها. قضاء مبرم على الدعوة خاصة إن تصدى لأعباء الحكم تكتل وحيد لا مشارك له ولا معارض مع انتشار التحليل المادي الذي يرشح “الحل الإسلامي” خلفا للحلول اليسارية الفاشلة، بديلا على المستوى الدنيوي. لامناص للدعوة يوم تتصدى للحكم أن تفوض لبعض رجالها الإشراف المباشر على شؤونه وتستعين بالنظراء الفضلاء أصحاب المروءة والكفاءة. وتبقى مهمة الدعوة الأساس: النظر لمقام الرسالية العالمية إعلاء لصوت الإسلام.

3ـ وبأي أسلوب؟

نجاح الحل الإسلامي رهين بأمور ثلاثة: الإيمان والثقة في موعود الله ورسوله، والتدرج في طلب العدل، وإعادة الجمع بين الدعوة والدولة.

برز رجال في الصحوة الإسلامية تميز كل بأسلوبه في التمكين للحل الإسلامي: محمد إلياس، الندوي، المودودي، البنا، سيد قطب والخميني رحم الله الجميع. ولا محيد للإسلاميين عن التعلم من تجربة الإمام الخميني الذي نجح في الخروج بالدعوة من ظلال الحوزات العلمية إلى فضاء الثورة والسلطة الفعلية وبناء الدولة، نتعلم من الإيجابيات ومن الأخطاء. إن الخطر الذي يتهدد الحكم الإسلامي هو الانقلابية القومية التي يلخصها حزب البعث من خلال أسلوب وحيد هو الانقلابية والوصاية على الأمة والقسوة؛ إنه يلخص تاريخ الفتنة من لدن الانقلاب الأموي إلى اليوم. والانقلاب أداته الجيش وهو آخر معقل تلجأ إليه القوة عند انهيار مؤسسات الدولة.

وعندما يستولي الجيش على مقاليد السلطة فإنه سيحتاج إلى قوة منظمة في الشعب لها برنامج واضح وكلمة مسموعة، يتحالف معها ويترك الأمر إليها آخر المطاف ليعود إلى ثكناته. حدث هذا لمرات في السودان كما حدث في إيران عندما اضطر الجيش إلى إلقاء سلاحه أمام القوة الشعبية المنظمة بزعامة الإمام الخميني.

إن ضرورة الحاجة إلى سند شعبي والإيمان الذي يسكن القلوب في الكثير من رجال الجيش كفيلان بأن يفتحا باب الحوار بينه وبين القوة الإسلامية المتنامية.الفصل الثاني: هداية الوحي، سيادة العقل1ـ الوحي والفلسفة:

الأستاذ الفيلسوف أشد خطرا على الأجيال من العسكري الحاكم، فهو يخرب الفطرة بمنهجية الشك التي تفعل فعلها في النفوس الغضة خاصة إذا ارتبطت بنضالية ليبرالية تقدس الحرية أو نضالية تقدمية تنشد العدل. إذا لم يزرع في التلميذ والطالب باعث الإيمان في الأسرة والمدرسة فهو ضحية نموذجي أمام الأستاذ الفيلسوف المزود بمآثر العقول الجبارة التي تقدم الدين على أنه كهانة تلهى بها العقل البشري في زمن طفولته وطلقها ثلاثا في مرحلة نضجه. في القرون الأولى شرب بعض أبناء المسلمين من الفلسفة الإغريقية والمشرقية وحاولوا أن يجدوا صيغة لتوافق العقل والنقل، ورد عليهم العلماء من أمثال الغزالي وبينوا تهافتهم. وأبرز ابن تيمية موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول وأن الأصل الذي يحتكم إليه هو الوحي لا العقل الذي هو معتمد الفلاسفة. كان الجميع يتجادلون في التفاصيل بعد أن سلموا بمسألة وجود الله. الفلسفة الحديثة منذ ديكارط مؤسس منهج الشك، تمرد وتأله وجبروت. لا يُسأل الإنسان عن معناه وغايته وسر وجوده بل همه السيطرة على الطبيعة وسبيله العقل، والعبثية مسلمة في تفسير الوجود، من عبثية سارتر إلى جدلية هيغل المثالية إلى جدلية ماركس المادية. نقدنا للفلسفات اليوم يصلح له الفعل لا القول، يتخصص البعض فيتصدى لهذا الفرض الكفائي كما يتصدى وازع السلطان الإسلامي لاستنقاذ النشء من بين براثن الفلاسفة الملحدين.

2- العقلانية المحررة:

داء الأمة حسب الفلاسفة العقلانيين الملاحدة هو عقلية التسليم بقوة غيبية يرجع إليها عند تبرير كل سلوك يعم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي تبقى متخلفة لأنها لم تبذل جهدا في النهوض. هذا الأخير يكون بتبني عقلانية محررة من الدين مشككة في المسلمات، عقلانية فلسفية لا تميز بين الشك المنهجي في وجود الله المتمرد عليه، وبين الشك العلمي المكتشف لأسرار الكون وهو محمود. لا سبيل عندها للتخلص من التخلف والهزيمة إلا بطرح الدين ولواحقه الغيبية، والإيمان بالعقل الغربي الجبار الذي أخضع الطبيعة وتجاوز مرحلة الطفولة عندما عانق المنهجية الوضعية التطورية فصار تاريخه هو تاريخ البشرية وصراعه هو المحرك.

3- المعتزلة الجدد:

كان المعتزلة الأولون حماة للعقيدة ثم طرأ عليهم الخلل، استعملوا قواعد النظر الفلسفي والبراهين العقلية للدفاع عن العقيدة، لكنهم ما لبثوا أن فلسفوا الدين وتحالفوا مع المأمون لمحاربة العلماء. يجمعهم بالمعتزلة الجدد، والذين لا مناص لنا من محاورتهم، إعطاء الأولوية للعقل على حساب النص. المعتزلة الأوّل اعتمدوا أصولا خمسة وافقهم العلماء في أربعة هي العدل، التوحيد، الوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ خالفوهم في أصل أن مرتكب الكبيرة في”منزلة بين المنزلتين”، لا هو مؤمن ولا هو كافر. وفي حين اعتمد علماء السنة، ونحن معهم، القرآن والحديث في مقدمة مصادر التشريع ثم الإجماع فالقياس (مجال النظر العقلي)، اعتمد المعتزلة الأولون والجدد العقل أولا وجعلوه “أم الأصول” ليقيسوا عليه النقل. وبالمقابل رفضوا تسلط الحكام ودعوا للشورى كما نفعل وهذه نقطة لقاء بيننا. هدفنا أن نقنعهم بالعودة في مجال العقيدة إلى مرحلة ما قبل الخلاف عندما كان العقل يسلم للوحي في ما لا يستطيع إدراكه من الغيبيات، ويؤمن الإيمان الفطري ليبقى له مجاله الواسع في تدبير أمور المعاش.الفصل الثالث: جدار اللاييكية1- غرس الاستعمار:

غرس الاستعمار قبل رحيله نخبة من المثقفين اللابسين لبوسه لما أقنعهم أن الدين واحد، وهو سبب التخلف والظلامية، وأن أوربا لم تنهض إلا عندما أقصته من الحياة وفرضت اللاييكية دينا جديدا. مبرر اللاييكية الغربية أن رجال الدين الكنسي المتحالفين مع الملوك كتموا أنفاس العلماء المتنورين فكانت الثورة عليهم. ويجد غرس الاستعمار عندنا مبررا للاييكيتهم في الوصال الأنكد بين ديدان القراء والمتسلطين على الرقاب. وثق المسلمون، الذين جاهدوا الاستعمار حتى طردوه، في الغرس الكئيب المموه المنافق لأنه يتكلم بلغتهم لفظا ومبنى، ولأنه دبج الدساتير بعبارة خادعة كون الإسلام الدين الرسمي للدولة. سرق الخلْف اللاييكي ثمرة الاستقلال وأقام جدارا باطنه فيه المؤسسات العصرية للحكم والحداثة والعقل والحس والقوانين الوضعية… وظاهره من قبله الدروشة والبؤس والجهل والمرض والماضي المظلم والعبادة والفلكلور.. ما العمل لنقض هذا الجدار؟

لابد من قومة تتقدم بثقة وصبر وثبات وتدرج وطول نفس، وبنظرة بعيدة لهدم المباني الغثائية التقليدية التي بررت اللاييكية، ونقض هذه الأخيرة في عملية واحدة.

2- الثقافة جامعة:

نخلط في المفاهيم عندما نجمع كلمة ثقافة بالإسلام، لأن المصطلحين يحملان معاني متناقضة. قاموس الثقافة لا يتقيد بحدود، والدين فيه مكون كسائر المكونات الأخرى من فنون وفلسفة وقانون… المعتقدات عنده سواء، كانت دينا سماويا أم وضعيا، توحيدا أم وثنية كلها تستحق التبجيل. الثقافة لدى المغّرب دين شامل شمولي لا يترك مجالا للتفكير في مفردات الإسلام من مثل آخرة، جنة، نار… وهي تلهث دائما وراء سؤال كيف؟ لا تبحث أبدا عن لماذا وإلى أين؟

لئن كانت وظيفة الدولة الإسلامية إبعاد هذا الصنف من مواقع جدع الفطرة في الأجيال الصاعدة، فإن وظيفة الدعوة أن تعمل برفق وحكمة كي تستنقذهم من إمعيتهم في ركب الثقافة العالمية وغرورها علهم يسهموا في خدمة أمتهم بما معهم من بضاعة كما فعل سيد قطب رحمه الله الذي عاش يقرأ أربعين سنة في كل حقول المعرفة الإنسانية.

3- التعليم:

لا بد لرجال الدعوة من فتح حوار مع الجاهلية، والمثقفون التائبون هم أعرف الناس بدخائلها ولغاتها وأساليبها. وإن لهم لمكانة مرموقة في جبهة التصدي لدعاتها الخارجيين والمتحالفين معهم في الداخل, وأعظم ميدان للمواجهة هو التربية والتعليم، العمود الفقري للدولة. تعمد هذه الجبهة إلى إعادة صياغة الجهاز التعليمي صياغة جديدة تطهره من الثقافة المادية المتجذرة في بلاد المسلمين وتعالجه بتدرج وطول نفس. لا يكفي الإعلان عن حكم إسلامي مهما كانت طريقة الوصول إليه، إنما يجدي إقامة الصرح المادي للعمران الأخوي على قواعد التصور الإسلامي وإقامة حكم الشورى والعدل وحل المشاكل الاجتماعية، لكن النجاح الحقيقي يكمن في استنقاذ الأجيال بالأخلاق الإيمانية، وهي مهمة الدعوة الأساسية، تستعين لأجل القيام بها بالجهاز الحكومي إعلاما وتعليما، وبالمسجد والأسرة -المحضن الفطري- تعيد لهما وظيفتهما التربوية.الفصل الرابع: الفتنة1- الجاهلية والفتنة:

يختلط في مجتمعاتنا الغثائية الحق والباطل وتشتبك الجاهلية بالإسلام على كل الأصعدة، لكن مع ذلك لا يحق لنا وسمها بالجاهلية كما فعل بعض الدعاة سابقا لظروف خاصة. التشخيص النبوي يسميها مجتمعات فتنة، والتدقيق في الوصف له أهميته لأن عليه يبنى الحكم ومن ثم وسيلة العلاج. الجاهلية جهل بالحق وعنف على العباد، والمجتمع المسلم لا يكاد يخلو من مظاهرها لكن لا يكفر لوجود العصيان فيه. في أربع آيات قرآنية يجلي الله تعالى خصائص الجاهلية:

– ظن الجاهلية: ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية) (آل عمران/154)

– حكم الجاهلية: (أفحكم الجاهلية يبغون؟) (المائدة/ 50)

– تبرج الجاهلية: ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) (الأحزاب/ 33)

– حمية الجاهلية: (إذ جعل الذين في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية) (الفتح/26)

2- أم الفتن:

حارب الإسلام أول مجيئه التعصب للقبيلة والقوم والجنس واللون حين يكون التعصب مفرقا للأمة مقاتلا للولاية بين المؤمنين، وشجعه بما هو شعور غريزي في بني البشر حين يكون دعامة للحق. احتلت حمية الجاهلية النفوس وفرقت المسلمين وقضت على الخلافة الراشدة، وزادها اليوم تأججا انتصار القوميات وانهيار الإيديولوجيات. علاج أم الفتن هذه لا يكون إلا بأن نعمد إلى القلوب، وهي مستقرها (تعرض الفتن على القلوب..) كما في الحديث، ونعالجها بالتربية الإيمانية. صحبة المؤمنين وذكر الله معهم حتى تنزل السكينة، وهجرة ونصرة وجهاد بالمال والنفس، هي شروط بناء القوة الاقتحامية المؤهلة لمناجزة الجاهلية وحصارها وخنقها وطردها من النفوس ومن العقول والأرض.

3- درء الفتنة بالفتنة:

من فقه السابقين رحمهم الله درء الفتنة الكبرى بفتنة أصغر. فدرؤوا بفتنة بيعة الحكام العاضين فتنة تعطيل الشرع. كان حديث انتقاض عروة الحكم نصب أعينهم، فتشبثوا بالتي تليها.كان فهمهم لضرورات الزمان والمكان ثاقبا، عدا ديدان القراء. لكن من الإسلاميين اليوم من يتخذ من فتوى رجل كابن القيم مبررا للقعود وذلك حين حرم الإنكار على الحكام والولاة لأنه يجرّ لما هو أنكر منه، لكنه ذكر رحمه الله في عنوان فتواه مسألة ( تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعادات) ليلقي بالتبعة على اللاحقين متى توفرت القوة الاقتحامية وصارت مؤهلة لمقاومة”حال الاضطرار”. في زماننا تكتلت بالفعل قوة اقتحامية صاعدة هي الحركة الإسلامية، وإذا نظرنا بعين المنهاج النبوي الذي يبشر بخلافة ثانية، أدركنا أنه آن الأوان لتتغير تلك الفتوى ويبدأ الهجوم على الفتنة من أجل محاصرتها، هذا دون مخاصمة شيء من تاريخ المسلمين الماضي والحاضر وفهمه في حركيته وعلاته. وإلا فأنّى لنا أن نعرف الفتنة الأكبر في زماننا: سلاطين النفط الذين اضطر بعض الإسلاميين للتحالف معهم تكتيكيا؟ أم صدام الذي رفع “راية الجهاد” ضد اليهود فحّول حماس هؤلاء الإسلاميين إليه؟الفصل الخامس: المروءة والأخلاق1- المروءة والدين:

القوة والأمانة هما مجتمعتين شرط الكفاءة للولايات الإسلامية والوظائف والإدارات، لكن عند تعذر اجتماعهما يختار الأمير تولية المحنك القادر على ما معه من دين على التقي المسبح العاجز، كما فعل عمر رضي الله عنه وقال به العلماء السابقون بإحسان كابن تيمية رحمه الله. إن الدين درجات، والمروءة أيضا درجات، ولا مناص من التعامل والتعاون في داخل المجتمع مع ذوي المروءة، كما أنه لابد من التعامل الدولي والتعاون والتبادل حتى مع القوى الحاقدة على الإسلام في الخارج. في حالة العجز عن التعامل، يبقى الإسلاميون مجرد نخبة عاجزة معزولة عن كفاءات عملية خبيرة، ويبقون عند تسلمهم الحكم دون فاعلية ودون قوة على الفعل وتجربة. لكن هلاك الأمة يكون إذا نصب من لا قدم له في الإسلام ولا رسوخ في مكان ” القرار الاستراتيجي”.

2- حلف الفضول:

الأخلاق والمروءة والكفاءة جسور نمدها بيننا وبين الناس ونقدرها حق قدرها لعلها تكون مدرجة إلى الإيمان الذي هو متمم لمكارم الأخلاق كما في الحديث. من الجسور أيضا المواطنة، وقد كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم معضدة لأخوة الإيمان بين الأنصار والمهاجرين، كما كانت أيام الجاهلية من الأحلاف التي تمنى رسول الله أن يستجيب لها لو دعي بها في الإسلام. إنه حلف الفضول الذي تعاقد الناس فيه على نصرة المظلوم والتكافل والتعاون ومساعدة المحتاج، درس لنا لبناء أرضية مع ذوي المروءة والكفاءات، فإن قوّتها رابطة الدين كان ذلك أمثل.

3- حوار بين مريضين:

إنه حوار بين إسلامي متشبث بأصالة شبحية غامضة يجر وراءه ركاما من التقاليد وجدلية تسمى “درء الفتنة بالفتنة” وبين مغرّب ممتنع أو جاهلي مسيطر يحملان عاهة مطلقة هي الجهل بالله وباليوم الآخر، وجهل هو العنف وتبرج وحكم بالهوى. الجاهلي حجته قوية لأنه تخلص أو كاد من مرض التظالم بفضل القانونية الديموقراطية، في حين أن الأمة التي ينتمي إليها الإسلامي مقطعة الأوصال بفعل الحكم العاض الذي زادته الغربنة تشرذما قطريا.

إعادة بناء الأمة على المنهاج النبوي يكون أساسا بالقرآن والسنة، لكن لا يمكن البناء على فراغ بأن نتجاهل الكيان المنقوض والسيطرة الغربية على العالم. فهل تقوم دولة القرآن في دار الإسلام موحدة حرة، أم دويلات قطرية ديموقراطية، أم يتأبد فينا الحكم العاض؟ هذا هو موضوع الحوار بين الطرفين. صحيح أن الديموقراطية وهي حصيلة نضال الإنسانية حررت الغرب من التظالم بين العباد، لكنها أدخلتهم في عبودية الهوى وهذا دافع مهم لحوارنا معهم من باب تبليغ الرسالة، ودافع آخر هو الوجود الفعلي لذوي المروءة ممثلا في شعار حقوق الإنسان الذي تحمله الجمعيات غير الحكومية حتى داخل البلدان الشيوعية سابقا.الفصل السادس: ميثاق “جماعة المسلمين”1- العنف أو التفاهم؟:

الحوار مع مثقفينا الفضلاء  وهم المتوجسون خيفة من عنف الإسلاميين  يبدأ من طمأنتهم بأن العنف عندنا جاهلية مقيتة. الفضلاء يعترفون وهم المعزولون في أبراجهم العاجية أن نظراءهم الإسلاميين هم أقرب المرشحين للحكم، بفضل شعبيتهم, وذلك بعد الفشل الذريع الذي منيت به كل محاولات التحديث اللبرالية والاشتراكية، ولهذا فهم يطمحون لتكوين جبهة ديمقراطية نواتها الشعبية من المسلمين يقودونها هم إلى غاية “الديمقراطية العالمية”، ونحن طموحنا ميثاق يعرض على الشعب قاعدته السياسية “جماعة المسلمين” يدخل فيه من شاء ويعارضه من شاء بشرط الوضوح، من التنظيمات الحزبية والثقافية والمهنية… أما آليات الديمقراطية المنظمة للتداول السلمي على السلطة فلا يرفضها عاقل إذا احترمت ثوابت الأمة، وقد يعمل الإسلاميون والفضلاء الديمقراطيون معا في مرحلة أولى في ظل هذا الميثاق،لإصلاح ما أفسده الملك العاض والجبري المتحالف مع “الديمقراطيين” أنفسهم ضمن حكومة “وفاق وطني”.

2- الدين والمروءة:

لا نشك في مروءة الفضلاء المثقفين ولا نتهمهم في دينهم ماداموا يعلنون أنهم مسلمون، ونمد إليهم الجسور بنية أن يعيشوا إسلامهم معنا ويحملوا رسالة دينهم معنا لننال رضى ربنا جميعا. همهم أن يروا “حركة اجتماعية شعبية واسعة” تحمل الديموقراطية في أفق القومية العربية، وهمّنا قوة اقتحامية مجاهدة من مؤمنين ومؤمنات أهلتهم المروءة المطبوعة بالدين لحمل رسالة الله إلى العالمين، وقاموا بأمانة الخلافة وأعباء الشورى. نركز على نوعية الرجال في القاعدة العريضة حين نراهم، كما يصفهم رجلين من المجاهدين رحمهما الله، أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، من الطراز الخاص، زاهدين في الحياة والثروة، أمناء إذا ولوا ساهرين على أمن الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، مفاصلين للجاهلية وهم وسطها يمسكون بدستور القرآن ومنهاج السنة… هذه مواصفات رجولة ناشئة تجد في قواعد الشرع مجالا لترتيب حياة الناس بما لا يتنافى مع نيل رضى الله عز وجل. نبسط هذا لنبين للفضلاء أننا لسنا في موقف الضعيف الذي اضطر لطلب الحوار بل نمد الجسور ونحن مؤمنون بالتعاون لإصلاح ما فسد ولو ضمن “حلف الفضول”.

3- تحميل الرسالة:

إذا كان همّ النخب الديموقراطية المعزولة، البحث عن قاعدة شعبية، فإننا نبحث عن الوسائل التي توقظ الجماهير المسلمة فتشارك في حمل الرسالة الإسلامية وتخوض المعارك السياسية معنا، وهذا لن يتحقق إلا إذا حققنا ثلاث خصال: قابلية التلقي، تحمل المسؤولية والثقة في القيادة. إننا نعتقد أن الفشل الذريع الذي منيت به مشاريع التحديث في بلادنا ناتج عن جهل النخب اللاييكية وتجاهلها لنفسية المسلمين، وفشلنا نحن مؤكد إن تجاهلنا ما عند الديموقراطية من إيجابيات وصّمت آذاننا عن أسئلتها المشروعة. التمانع من الظلم وآليات الحكم وتنظيم الخلاف والتعددية… عبر تمثيل نيابي ومؤسسات مستقرة كلها أهداف مشتركة بين الإسلاميين والفضلاء الديموقراطيين، لكننا نرى أنها يمكن أن تتحقق دون تفريط في ديننا وذاتيتنا، بل إن الإسلام هو ضمان تحقق ذلك. ميثاق جماعة المسلمين ضمانة للجميع، من انخرط فيه ومن عارضه على ملإ من الناس، ضمانة من خطر ذوبان مشروع الهداية في رمال السياسة الآنية ولابد لنا من الانخراط فيها بما تحققه لنا من خروج من هامشية الشعارات العامة لتقديم البرامج العملية، ومن تميز عن الموقف المعارض غير المسؤول ومن كسب للتجربة والحنكة. نصوغ بنود هذا الميثاق (انظر الملحق) على أرضية إسلامية روحا وقوانين بشكل يحد من تسلط الحاكم على المحكوم، تشارك فيه المكونات الحية للأمة وتعمل بمقتضاه على صياغة دستور للبلاد نابع منها.الفصل السابع: الشورى والعدل1- “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”:

تواضع الغربيون على عدم التظالم بينهم عبر آليات الديموقراطية واستقرار المؤسسات. ونحن يمكننا أن نتعلم منهم دون عقدة مع احتفاظنا بالغاية من الحكم، وهي عندهم خدمة مصالح الدنيا لا غير؛ غايتنا: طاعة الله عز وجل في إقامة العدل بين الناس، نستعين من أجل ذلك بالحكمة التي أمد الله بها الخليقة مؤمنها وكافرها. ولا يغرننا ما نراه من عدل ظاهر لدى الغرب بفضل ما تستخلصه النقابات من جيب الرأسمالية الجشعة، فإن ذلك الرخاء وتلك الجدوى والإنتاجية تخفي تعميم الفقر على العالم غير المصنع. إن التحدي الذي سيواجهه الإسلاميون إذا حكموا هو معالجة سوء قسمة الأرزاق بين العباد، في الوقت الذي يرثون فيه آلة تابعة للرأسمالية العالمية مع مستفيدين منها سيزعجهم تغيير الأوضاع. فلابد إذا من الاستفادة من رجال عارفين بدخائل الاقتصاد العالمي يسخّرون خبرتهم من أجل المستضعفين. نقد اللبرالية السياسية والاقتصادية بشورى العدل يكون بتحقيق أكبرقدر من المساواة دون كسر الآلة الموروثة.

2- سياق “وأمرهم شورى بينهم”:

الشورى والعدل والرخاء هي مقومات الجهاد, والجهاد وسيلة تحصيلها. القوة الكفيلة بتحقيق ذلك هي الشعب المسلم بمستضعفيه وطبقته الوسطى الخبيرة بعد أن تصوغ منهم تربية المسجد قاعدة حية للشورى. ما يفرق هذه الأخيرة عن الديموقراطية سياق وارد في الآيات من36 إلى39 من سورة الشورى، يشكل مجموعه شروطا تسعة أولها الإيمان وآخرها الانتصار على البغي، لا تستقيم الشورى إذا نقص واحد منها. هذه الشروط أخلاقيات فردية وعقيدة وسلوك عملي تتداخل لتعطي الولاية بين المؤمنين المؤلفين لنواة تبرم ميثاق “جماعة المسلمين” القطرية المكونة من جماعات الإسلاميين ومن الأحزاب والشخصيات. تنهض هذه الجماعة لإقامة الدولة الإسلامية القطرية على الشورى في أفق وحدة الأمة بعد الانتصار على البغي المجسد اليوم في الحكم العاض والجبري وأمراء النفط واليهود. نعمل على تجنب عيوب الديموقراطية وهي كثيرة، أبرزها عدم تجاوز سجن الدولة القومية، ونقف عند عيب التبايع والمساومات على المصالح الشخصية الذي يكتنف السوق الانتخابية لنعالجه بالأخلاق العالية، ونقف عند عيب عدم احترام الأقلية لقرار الأغلبية وحكومتها بعد انتهاء دور المناقشة وحق الاعتراض إذ ينبغي التفرغ للعمل الإيجابي متى تمّ التصويت. كما نتجنب عيبا عندنا في فقهنا التقليدي؛ إنه مفهوم “أهل الحل والعقد” الذي لا يستند على كتاب ولا سنة ويحصر الشورى في فئة قليلة من الأمة، فمتى تخلق النواب بخصال “سياق الشورى” وتخلق المنتخبون (بكسر الخاء) بشرطي الإيمان والانتصار على البغي كانوا أهل شورى.

3- عزمة “وشاورهم في الأمر”:

اختلف الفقهاء قديما وحديثا حول ما إذا كانت الشورى ملزمة للأمير أم معلمة فقط, وفقه المسألة يتوقف على طبيعة العلاقات بين المستشير والمستشار. كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسودها المحبة والثقة والوفاء لا التزلف، فقال القائد عليه السلام لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما- وهما من “المؤسسين التاريخيين” للإسلام: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما)، وكذا كان أهل السابقة من الصحابة يصارحونه برأيهم وإن اختلفوا معه.

في دولة الخلافة الثانية تؤسس الشورى برجال مستقلين في اجتهادهم، همّ آخرتهم غالب على كل همّ، وهمّ قضيتهم تطابق مع همّ الشعب ومصلحته. بمثل هؤلاء تكون الشورى ملزمة للحاكم، كما هو مقيد بالشريعة وبمسؤوليته الجنائية أمام القضاء، والقانون الدستوري يضع مسطرة لمحاكمته وعزله إن أخلّ بأحد بنود البيعة. كلّ ذلك ضمانات لعدم استبداد ولي الأمر, نعمد بعدها لتكون قوة قيادتنا ضمان لقوة حكمنا الإسلامي والتي بدونها يكون العجز. الشورى مرحلة تهييئية للقرار الذي سيتخذه الأمير عند حصول الإجماع أو شبهه، وله أن يرجح عند تعذر الإجماع فيأمر ويطاع تنفيذا لشرط البيعة من قبل المحكوم، وهي بيعة لا يجبر عليها أحد حلاّ لمشكل التعارض بين الحريات وفريضة الطاعة. على أن كلمة “أمر” الواردة في آيتي الشورى وآية الطاعة تتضمن مفتاحا لمسألة السلطة وتوزيعها, فكل مستوى من مستويات الحكومة يتشاور في الأمر الذي يكتسي عنده أهمية, لا أن ترفع كل صغيرة وكبيرة إلى المستوى الأعلى للتشاور.الفصل الثامن: إقامة الدين أو إقامة الدولة؟1- وتسنح فرصة..:

فرصة التغيير الحق تفوت إن ربطنا في مخيال الشعوب المسلمة بين حكم يصل إليه الإسلاميون بطريق الانتخابات حين تضطر إليها الأنظمة أو عن طريق الزلزال الاجتماعي والاقتصادي، وبين دعوة تحيي القلوب وتقيم الدين. نجاح الحكم الإسلامي أو فشله رهين بقدرته أو عدمها على مصانعة الواقع الشديد المراس، وهذا لا ينبغي أن ينعكس على مسار الدعوة التي ينبغي أن تبقى معبئة لجهاد الأمة في وجه التقلبات السياسية، العالمية والمحلية.

2- ثنائية الدعوة والدولة:

الحكومة والمعارضة تشكل نسقا واحدا في النظام الديموقرطي, أما ثنائية الدعوة والدولة فنقصد بها مراقبة رجال الدعوة من العلماء لرجال الدولة ومديري مؤسساتها مراقبة يمارسها الشعب الملتف حول أهل القرآن، غير أن هؤلاء لا يعارضون الحكم المعوجّ من أجل الانقضاض عليه، بل من أجل ترويض شراسته، من خارج الدولاب وعلى ناصيته.

3- طاعة الله ورسوله وأولي الأمر:

الآية التي تلي آية الطاعة هذه “فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر” (النساء/59) تبين ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما وعدد من علماء التابعين أن أولي الأمر هم أهل الفقه في الدين الخاشعين لله، إذ إليهم يحتكم الناس عند النزاع.

4- إقامة الدين:

وظيفة الدعوة أن تعيد تأسيس دولة القرآن وتقيم البناء على القواعد في مؤسسة المسجد وأماكن التأثير مستعينة بقوة الحكومة، تقيم الدين وتصلح الاعوجاج وتعلم الأمة، وهذا لا يتسنى لها إن انغمست في تفاصيل “العمل” السياسي المباشر.

5- حضور:

تحضر الدعوة ويرتفع صوتها حين يهدّ الزلزال أركان الباطل، تتبنى قضايا الأمة الكبرى وتشارك مع كل القوى في قومة تقيم الدين، وتكون إقامة الدولة وصياغة الدستور بعض شؤون الدين. لا نزعم أن مكونا وحيدا مهما بلغ من القوة يستطيع أن يتحمل أوزار الماضي وكوارث الحاضر وآمال المستقبل، كما أننا نغامر بالدعوة إن نصّبناها طرفا في النزاع على السلطة، بل هي فوق السلطة أخلاقيا، ترسم المصير التاريخي وترعى المسير التغييري.

يلتئم العلماء وصالحو الأمة في رابطة مع التائبين ممن شاركوا في صنع الحاضر الكارثي ما لم يكونوا رواد الفسوق والعصيان والكذب، ويتعاقدون على ميثاق إسلامي عام. وداخل هذه الكتلة، ينعقد تكتل رجال الدعوة عماده رجال الحركة الإسلامية، أولئك القيادة. يحضر هؤلاء على مستوى الحكومة والتحضير للدستور إلى جانب ذوي الغناء والأمانة والقوة من أهل الميثاق المنتخبين من قبل المسلمين. يد الدعوة ويد الدولة متكاملتان كلاهما يقيم الدين من جانب تخصصه ودرايته وكفايته، وعلى الحركة الإسلامية توحيد قواها لدعم سيادة الدعوة، ولها إن شاركت في الحكم أن تبقى بصفتها مجموعات، كما يتقدم كل ذي كفاءة بصفته الشخصية لخدمة أمته.

خاتمةإنه اختيار مصيري أمام البلاد الإسلامية بين تبعية لفكر غيرنا وبين أن نكون خير أمة أخرجت للناس، لا يتعلق الأمر بمجرد تداول على السلطة. والحوار حتمي بين الإسلاميين والديمقراطيين لتصفية الأجواء من أجل تجنيب بلادنا العنف. لا بد من تمريض المرحلة الانتقالية بحكمة في انتظار تغيير مستقبلي عميق وشامل يمس الأجيال المقبلة عبر تربية وتعليم وإعادة بناء للأمة على أصولها وتعبئتها. إن التعددية اليوم يمارسها الديمقراطيون فيما بينهم ويستعينون بالمستبد لإقصائنا من الساحة، ونحن نغض الطرف غدا ونمد الجسور ليشارك كل بما معه من مروءة وشرف ووطنية ودين على أساس الميثاق, لأننا نؤمن بأن حقّ الاختلاف بآدابه أمر مشروع.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.