يا من أنفاسُه محفوظة، وأعمالُه مَلْحُوظة، أَتُنْفِقُ العمرَ النفيسَ في نيلِ الهوى الخسيس؟

جدَّ الزمانُ وأنتَ تلعبُ *** والعمرُ لا في شيءٍ يذهبُ

كـمْ كم تقول غداً أتوبُ *** غـداً والمـوتُ أقـربُ

أمَا عمرُكَ كل يومٍ يُنْتَهَب؟ أما المُعْظَمُ مِنْهُ قد ذهَب؟ في أي شيء؟ في جمع الذهب! تبخلُ بالمالِ والعُمرَ تَهَب، يَا مَنْ إذا خَلاَ تَفَكَّرَ وَحَسَب، فأما نزولُ الموتِ فما حَسِب، لك نَوْبَةٌ لا تُشْبِهُ النُّوَبَ ، بين يديك كربةٌ لا كالكُرَب، تطلبُ النجاةَ ولكن لا مِنْ باب الطَّلَب، تقفُ في الصلاة إِنَّ صلاتك عجب، الجسمُ حاضرٌ والقلبُ في شُعَب ، الجسدُ بالعراق، والقلبُ في حَلَب، الفهمُ أعجمي واللفظُ لفظُ العرب، أنا أعلم بكَ منك، حبُّ الهوى قد غَلَب، ومتى أسَرَ الهوى قلباً لم يُفْلِح وكَتب.

يَــا آدميُّ أَتَدْرِي ما مُنِيْتَ بهِ *** أمْ دونَ ذِهْنِكَ سِتْرٌ لَيْسَ يَنْجَابُ

يومٌ ويومٌ ويفنى العُمْرُ منطويـاً *** عـامٌ جَديبٌ وعامٌ فيه إخصابُ

فلا تغرَّنَّكَ الدنيـا بزُخْـرُفِهـا *** فأريُهـا أنَّ بـلاها عاقلٌ صابُ

والحزمُ يجني أموراً كلُّها شرفٌ *** والخرق يجني أموراً كلُّها عابُ

.

كأنَّكم بالدُّنيا التي قد تولَّت ، وبالنفوسِ الكريمةِ قدْ هانَتْ وذلَّتْ، وبكؤوس الأسى قد انْهلتْ وعَلَّتْ، وبحُمولِ الظاعنين على الأسَفِ قد استقلَّت ، متى يُقالُ لهذه الغمرةِ التي جَلَّتْ قَدْ تَجَلَّتْ؟ واعجباً لنفسٍ ما تنتبهُ وقد زلَّتْ، كلَّما عَقَدْنا عُقْدَةً تَنْفَعُهَا حَلَّت.

كم مستيقظٍ وقد فاتَ الوقتُ، ينظُرُ إلى نفسِه بعين المَقْت، ويَصيحُ بنَصيحِه لقد صدَقْت، وينادي الكَسَلُ: أَنْتَ الذي عَوَّقْت! فيجيبُه: أنتَ من سُكْرِك ما أفَقْت، كم قدِمَ إلى القبورِ قادمٌ! كلُّهم على فراش النَّدَمِ نادم.

أطـاعُوا ذا الخِداع وصدَّقوه *** وكمْ نَصَـحَ النصيـحُ فكذّبوه

ولم يرضَوْا بما سَكَنوا مَشيداً *** إلى أَنْ فَضَّضـوه وأَذْهَبُـوه

ألَظُّـوا بالقبيـحِ وتـابعـوه *** ولـو أُمِـرُوا بهِ لَتَـجَنَّبُـوه

نهاهُم عن طِلابِ المـال زُهْدٌ *** ونادى الحِرْصُ ويْلَكُمُ اطْلُبُوه

فألقـاهـا إلى أَسْمَـاع غثر *** إذا عرفـوا الطـريق تنكبوه

وحبلُ العيشِ مُنْتَكِثٌ ضعيفٌ *** ونِعمَ الـرأيُ أن لا تجذبـوه

حسبتُـم يـا بني حَوَّاءَ شيئاً *** فجـاءَكُمُ الذي لم تحسبُــوه

أديل الشر منكم فـاحذروه *** ومـاتَ الخيـرُ فيكم فاندُبوه

.

إلى كَمْ بالهوى تُغْري وتَلْهَج! أنسيْتَ أنك عن محبوبك تُزْعج؟ تَفَكَّرْ في حلة من البِلى لك تُنْسَج، يا مَنْ بضاعته كلُّها بَهْرَج، ضيَّقْتَ على نفسِكَ فلا مَخرج، انتبهْ سريعاً فالخيولُ تُسْرَج.

(للشريف):

ولم يَبْقَ من أيام جَمْعٍ إلى منًى *** إلى موقف التَّجْمير غيرُ أماني

يا عُبَيْدَ فلْسِه! يا عدوَّ نفسِه! تُعانقُ الدنيا بيدِ الحِرْصِ عِنَاقَ اللام للألف! وتُنْزِلُ الدرهمَ من القلبِ منزلةَ البُرءِ مِنَ الدَّنَف، ترشُّ ماءَ الغِشِّ حولَ الحانوتِ، وتَنْظُرُ إلى الدرهم لا فيه، وتنصبُ ميزانَ البَخْسِ وميكال التطفيفِ “والغَدْرُ ثالثةُ الأثافي”.

ويحك! أَتَبْحَثُ عن حَتْفِكَ بظُلْفِك؟ وتجدَعُ بسيفك مارِنَ أَنْفِك.

ما أكرم نفسَه قطُّ من لم يُهنها، فاحذَرْها فكلُّ ما يجري عليك منها، حاسِبْها قبلَ يومِ الحسابِ وَزِنْها، وخَفْ شَيْنَ شَينِها إن شئت عِزَّها وَزِنْهَا ، واحفرْ لها زُبْيَةَ العزلة، وإن أَبَت فَادفِنْها، وأحْضِرْها على الرُّغْم في رَغَام مَسْكِها ومَسْكَنها، دِنْها بما التذّت آلاتُها لا تهادنها. هذه قِصَصُ النَّجاةِ، قد أمليتُها فَعَنْوِنْها، هذه جوارٍ منشآتُ المواعظِ قد جمعتُها فاعْجِنْها.

يا مُوَثَّقَ الأقدام بقَيْدِ العوائق، أجودَ ما للعصفور قطعُ السِّباق ، لو تفكَّرَ الطائرُ في الذَّبح ما حامَ حولَ الفَخِّ، من طَلَبَ المعالي سهرَ الليالي، لولا صبرُ المُضَمَّرِ على قلَّةِ العلفِ ما قيل سبَّاق.

هَوِّنْ في الليلِ عليها الغررا *** إنَّ العُـلى مقيـداتٌ السُّرى

فركبتْ بسُوقِهــا رؤوسَها *** حتى تَخَيَّلْنـا الحجول الغررا

عَلِّمْها النـومَ على رباطِهـا *** ذليـلةٌ أَنْ تَسْتَـطِيبَ السَّهـرا

قد تركَتْ مطعَمَها لشَوْقِهـا *** تقول: كلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفرا

.

سينقَشع غيمُ التعبِ عن فَجْر الأَجْر، كم صبرَ بِشْرٌ عن شهوةٍ حلوة، حتى سمعَ كلمةً حلوة: “كُلْ يَا مَنْ لَمْ يَأْكُل”.

ما مُدَّ سِجَافُ “نِعْمَ الْعَبْدُ” (ص، 44) على قُبَّةِ “وَوَهَبْنَا لَهُ” (ص، 43) حتى جُرِّبَ في أمانة “إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً” (ص، 44).

من لم تَبْكِ الدُّنيا عليه لم تَضْحَكِ الآخرةُ إليه.

كان بعضُ النجّارين يبيعُ الخشَبَ، وكان عنده قطعةُ أبنوس ملقاةٌ تحت الخشبِ، فاشتُرِيَت منه، فدخل دَارَ الملكِ بعد مُدَّة، فإذا بها قد جُعِلَت سريراً للملك، فوقف متعجِّباً وقال: لقد كنْتُ لا أعبأُ بهذه، فكيف وَصَلَتْ إلى هذا المقام؟ فهتف به لسانُ المُفْهِمِ نائباً عنها: كم صَبَرْتُ على ضرْبِ الفؤوسِ ونَشْرِ المناشيرِ، حتى بَلَغْتُ إلى هذَا المقام!