الفصل السادس: الـوحــدة1 ـ عقيدتنا التوحيدية:

التوحيد بقوة السلاح لا يزيد الناس إلا تمزيقا، لذا يجب البحث عن عوامل الوحدة في العقيدة الراسخة في أعماقهم. الفطرة ميراث عقدي متسلسل منذ آدم عليه السلام, وإنما جاءت رسل الله لتذكر بأن أمة النبيئين والمرسلين أمة واحدة. لكن جفاف القلوب من الرحمة وهي الرحم الجامعة، هو السبب العميق المؤدي إلى الفرقة والذي يكمن تحت تصادم المصالح الاقتصادية والنزاعات السياسية والتنافسات القومية.

قال تعالى: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك. ولذلك خلقهم” (هود /118). وقال عز من قائل: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا” (آل عمران / 103). أمره الشرعي أن يكون الناس أمة واحدة موحدة على الإسلام الذي جاءت به الرسل، وقدره الكوني أن يكونوا مختلفين متقطعين زبرا بما حادوا عن الفطرة وبما ارتخت أيديهم عن حبل الله وهو القرآن. والتوفيق بين إرادة الله الكونية وأمره الشرعي التكليفي هو ما يجعلنا ننبذ التفرق ونستعيد أخوتنا التي ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته عليها وسارت الخلافة الراشدة على منوالها حتى انتقضت عروة الحكم وتركبت على العصبية الطائفية وسار حكام العض يستعين بعضهم على بعض بالكفار.

2 ـ التجزئة الاستعمارية:

ظلت “جماعة المسلمين” بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم موحدة في زمن الراشدين واعية بمهمتها التاريخية وهي تبليغ رسالة الله للعالمين. وبقي هذا الوعي حتى في زمن الملوك وإن بشكل أقل حتى تفككت الأمة وتسرب إليها داء الأمم وأصبحت لها القابلية للاستعمار.

احتل المستعمر الغربي أرض المسلمين بقوة العسكر ونهب خيراتها وقتل رجالها وخرب ديارها، لكن ذلك لم يكن هو العطب الفادح الذي خلفه، وإنما هو إقرار التجزئة في الواقع السياسي والاقتصادي والتعليمي والإداري، وإلحاق كل دولة قطرية بالنظام الاستعماري الرأسمالي، وغرس دولة إسرائيل في قلب بلاد المسلمين. أفدح من هذا العطب هو تجزئة الفكر وصناعة نظائر للمستعمر تشبهه في كل شيء منساقة وراء حداثته. والسؤال الذي يطرح هو: ما هي خصائص القوة الإيمانية الاقتحامية الكفيلة بأن تعيد للأمة وحدتها لتحمل رسالة رب العالمين؟

3 ـ التوحيد بالاقتصاد:

تبليغ رسالة رب العالمين لا تستطيعها الأمة في غياب المنطلقات والمرتكزات الاقتصادية، وفي غياب العمل الروحي الأخلاقي، وبالتالي غياب وحدة بين المسلمين. العامل الأول المادي مقوم من مقومات الطبيعة البشرية لا يستطيع مجتمع تجاوزه وإن كان مجتمع الصحابة، خاصة أنه ليس في مقدور الجميع أن يكون مثل أبي بكر في زهده.الاستقلال الاقتصادي وتنمية الموارد والتكامل بين أقطار المسلمين هي بداية حركة التوحيد. وإن تلك الضرورات (الاقتصاد وتحدي الوجود الصهيوني) لهي من عصي القدر التي تلزمنا بالتفكير الجدي في الوحدة.من التحديات الضخمة التي ينبغي مواجهتها وهي من أهم أسباب تفكك اقتصاد المسلمين، تخليص أموال النفط المهربة المبذرة المحمية بالقانون الدولي والسلاح النووي من تحكم الأبناك اليهودية الرأسمالية. التبعية هي سبب فشل مشاريع التنمية في الأقطار الإسلامية، هذا في الوقت الذي يستقل فيه الرأسمال الأجنبي بالقرار فيحكم اقتصاداتنا الهزيلة المغبونة في المبادلات التجارية المرتهنة بالقروض الربوية لدى المؤسسات المالية الكبرى. يلزم رصد الجهود لإشباع الحاجات الضرورية الأساسية بدل الكماليات الاستهلاكية، وتقليص المسافة بين البلدان الإسلامية لتقوية روابطها الاقتصادية وإنشاء سوق داخلية تدعم الإنتاج الداخلي في أفق اكتساب القدرة على مواجهة تحديات السوق العالمية.

4 ـ وحدة بالقوة، وحدة بالمحبة:

الإسلام دعوة ودولة يخدم وازع السلطان فيها وازع القرآن، ولهذا ورد نزول الكتاب مقترنا مع نزول الحديد. ولطالما حاول بعض الكتاب الإسلاميين دفع “تهمة” الجهاد الهجومي مما كان يغضب سيد قطب رحمه الله الذي كتب في (معالم في الطريق) يبين الفرق بين عدم الإكراه في الدين وبين تحطيم القوى السياسية المادية التي تمنع وصول الدعوة إلى الناس.السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل تتوحد الأمة دون استعمال القوة؟

بالأمس القريب رفع صدام عقيرته ينادي المسلمين للعدل بدل الاشتراكية(شعاره الأول) ويدعوهم للجهاد بدل العنف الثوري، يدعوهم للوحدة.

واستعمال العنف من أجل الوحدة عقيدة عند القوميين منذ جاربالدي موحد إيطاليا وبسمارك موحد الألمان,لكن الكوارث التي سببها هذا السعي القومي نحو الوحدة تجعل الإسلاميين المرشحين للحكم يفكرون فيما اعترى هذا السعي من عوامل الفشل. إن غرس عقيدة التوحيد عند الخاصة والعامة ودعمها بالمحبة الأخوية والعدل والبذل وتحصينها بقوة الجهاد هو الذي يهيء الجميع لقبول الوحدة.لكن يجب الحذر من منطق التآلف مع دعاة مذهبية التكفير والتبديع للناس والتبرير لحكم السيف.

5 ـ قومة لا ثورة:

استعمل العلماء كلمة ثورة للدلالة على خروج عنيف على الحكم القائم بغير حق, وهي توحي بالعجلة والعنف والاضطراب؛ ويستعملون كلمة قومة للدلالة على الخروج بحق على الظلمة, وتوحي الكلمة بالقوة والثبات والثـقة. الغاية من القومة هو صلاح آخرة الفرد, وصلاحها رهين بصلاح دنيا الفرد وهو بدوره رهين بصلاح دنيا المجتمع. يمكن إجمال القومة ومنهاجها في سبع نقاط مستقاة من القرآن والنموذج النبوي العملي:

1- قومة دعوة على منهاج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي دعا بالرفق وبشر ويسر وجمع الصادقين ليكوّن بهم قوة تواجه المألوف من عادات الجاهلية وأنانيتها وهواها.

2- قومة الشهادة بالقسط لإحلال العدل محل الجور.

3- قومة إلى الصلاة وفاء بشروط الإسلام وانتهاء عن الفحشاء والمنكر، وانتظاما لأوقات الليل والنهار.

4- قومة الإحسان وهي إقامة الوجه لله تعالى.

5- إقامة حدود الله لحفظ بناء الدين في السياق التربوي العدلي العمراني الأخوي.

6- القيام بأمر الله، قيام على الشورى، قيام الدعوة على الدولة.

7- إقامة الوحدة.

القومة في عين السياسي شورى وعدل ووحدة، لكنها نظرة قاصرة إن لم نجمع إليها بقية الخصال التي تتوج بقبة الإحسان، والنموذج الذي جسده الصحابة يحفزنا لبذل المجهود وتخطيط المراحل وتربية الأجيال بدلا من النماذج المقعدة, نموذج السائرين في ركاب التيمية النفطية ونموذج المتصوفة الهاربين من الدنيا المسالمين للغالب بالسيف كما الآخرين.

6 ـ الولاية الجامعة:

الولاية بفتح الواو وكسرها هي ما تتطلبه القومة على منهاج النبوة من تضافر جماعي على الجهاد وتوحيد للجهود وتناصر واجب وتفاعل مع الواقع عن قرب وقوة وتدبير وفعل مقتدر. هي اللحمة الواجبة شرعا التي تجمع المؤمنين حاملي الرسالة المخاطبين بالقرآن المتآمرين بالمعروف المتناهين عن المنكر.روح الولاية الحب في الله والبغض في الله والإخلال بها نوع من الردة حين تصبح ذلة على الكافرين وتجبرا على المؤمنين. لا يتم إيمان بدون تمكن الولاية من القلب تمكنا يصدقه الفعل والمشاركة والالتزام الجهادي بالنفس والمال. وقد دأب السلف الصالح على استعمال الولاية بكسر الواو لوصف العباد الذين اختصهم الله برحمة منه فتعلقت همتهم بطلب وجهه سبحانه. هذا موضوع خصه المؤلف بكتاب سماه “الإحسان”, وهو موضع شك كثير من الإسلاميين اليوم مما كان دفع الشيخ سعيد حوّى رحمه الله إلى التنبيه عليه في أخريات ما كتب, يدعو لإعادة قراءة الإمام البنا رحمه الله وفضل الصوفية عليه. والموضوعان لا ينفصمان (القرب من الله والتناصر بين المؤمنين)، لأن شرط الولاية الجامعة (يحبهم ويحبونه) المذكورة في سورة المائدة الآية 56 هي قدرتهم على تجاوز أنانياتهم المفرقة وتجاوز حبهم للهوى والشهوة (أذلة على المؤمنين).

7 ـ “جماعة المسلمين”:

الولاية الجامعة تؤسس لجماعة المسلمين حين يجتمع الشباب الإسلامي التائب المغير لما بالنفس أولا مع الرجال المؤمنين أهل التجربة والحنكة والكفاءة، والدعاة الذين اتسع أفقهم والثقاة الخائفين على دينهم. يكون هؤلاء رابطة إسلامية في كل قطر لتشكل نواة لتماسك الأمة. “جماعة المسلمين” ليست كتلة واحدة على شاكلة الحزب الوحيد في المذهبية الشيوعية, ولا يستحب أن تكون تنظيما دعويا عالميا؛ فمثل هذا التصور هو الذي يؤسس “لدين الانقياد”. “جماعة المسلمين” تجمع فضلا على ما ذكر الجماعات العاملة المجاهدة تكوّن الرابطة المتحدث عنها وتكون في مرحلة الدعوة وجه الدعوة في الميدان السياسي وذراعها وقوتها. تتألف على المحبة الولائية ووضوح الأهداف والطرائق وجلاء الأفق التعاوني وضبط الحركة ووحدة القيادة وشرط التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر وحرية الأفراد في اختيار التنظيم الذي يعقد معه الولاية الخاصة. يلزم الشرع تنظيمات “جماعة المسلمين” ضم الجهود في وجه العدو والخصم والصديق، وبعد التمكين ينبغي تقبل حكمة التعددية وحكمة التعاقب على الحكم وتحمل أعبائه بين الفصائل الإسلامية بل ينبغي توطيد دعائم الشورى على تعددية المدارس والتنظيمات والآراء والمذاهب.

الفصل السابع: المرأة1 ـ الحياة الطيبة:

“السعادة” هي الغاية التي يبحث الكل عنها؛ وسيلة طلاب الدنيا إليها التحرر من كل قيد باسم الحضارة. أما طلاب الآخرة فسعادتهم نيل رضى الله عند لقائه والحياة الطيبة هي نصيبهم من الدنيا. لا نجاري الدنيويين حين حديثنا عن المرأة بنفس منطقهم (كأن نبرز المزايا التشريعية للإسلام في قضايا المرأة) فتلك هزيمة لا تجني منها الدعوة شيئا. إن خطابنا ينبغي أن يركز على كون الدنيا مجرد مرحلة للانتقال إلى دار البقاء وهي امتحان للرجل والمرأة على السواء، وهما لبعضهما البعض السؤال العويص من بين أسئلة الامتحان. إنه خيار حاسم مطروح للمرأة بين الدنيا والآخرة، وضرب الله عز وجل المثال بنساء النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخيار(سورة الأحزاب الآيتان 28 و29). فإن اختارت المرأة المسلمة الآخرة فلها نصيبها من الدنيا وللرجل نصيبه منها في كنف العفة والطهارة والمحبة والتآزر والتعاون على تعب الرحيل والعبور إلى دار البقاء.

2 ـ المؤمنة مشرفة مكلفة:

الاختيار بين الدنيا والآخرة يؤثر فيه بشكل كبير طريقتنا في الدعوة وخصوصا بالنسبة للمرأة التي تميل بطبعها إلى اللعب واللهو والزينة والتفاخر. ولا يمكن فرض اختيارها للآخرة بالإكراه والتعنيف ولا بالنضالية الجوفاء ولا بالوعظ البارد، بل يكون بأن تجلس إليها من بنات جنسها من تذكرها بالله واليوم الآخر وترغبها فيما أعده الله لعباده من جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونور يسعى بين أيديهن وبأيمانهن فتعلم أن الحياة الدنيا مجرد متاع الغرور فتسعى لمخالطة المومنات القانتات, وفي مرحلة ثانية توثق اختيارها بتوبة تامة تلزم نفسها بعدها بما التزمت به الصحابيات من بنود بيعة شهد عليها كتاب الله عز وجل, وفي مرحلة ثالثة تتوق نفسها للتشبه بأمهات المؤمنين ذوات الصون والكمال، فترتفع همّـتها لتكون مخاطبة مشرفة مكلفة مثلهن. يؤهل هذا الترقي في معارج الدين المرأة المؤمنة للدخول في الولاية العامة فتكون لها المكانة في واجب السهر على دين الله ودعم البناء الإسلامي وتكون لها الحرمة التامة فيه.

إن المعوّل عليه بعد الله تعالى، هو إحسان دعوة المسلمات.

3 ـ الزوج الصالحة:

الزواج سنة نبوية وآية ربانية في خلقه الخلق ذكرا وأنثى وجعله المودة والرحمة بينهما ليكون السكن الذي تمثل الزوج الصالحة أصله. تنظر المؤمنة إلى مثال أمهات المؤمنين اللواتي أمرن من بين جملة أوامر أن يقرن في بيوتهن , والأمر فيه معاني الوقار والقرار والحياء والوفاء. المودة والرحمة هما الرباط الفطري القلبي الذي هو روح الزّوجية ويأتي التشريع ليكون ضمانة إضافية للاستقرار. سمى الله ما يجمع الرجل بالمرأة ميثاقا غليظا وعّرفه سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأنه الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان. ولإنجاح الزواج يلزم توفر شروط عملية واقعية منها استطاعة الزوج النفقة وحرية الاختيار والتكافؤ الاجتماعي. تشجيع الزواج يكون أيضا بطرح المواضعات الاجتماعية كالتغالي في المهور. إن وضع العراقيل في وجهه إضافة إلى عرض النماذج الانحلالية في وسائل الإعلام وتفشي الفقر والبؤس المؤدي إلى البغاء كل ذلك يفتح بابا عريضا للفساد.

ومما يعيبه أعداء الإسلام على الشريعة , تعدد الزوجات وجعل الطلاق بيد الرجل. أما المأخذ الأول فيسقط إذا علمنا أن الترخيص وضع لحالات خاصة , وأما الثاني فإن وازع السلطان في دولة القرآن كفيل بأن يضع حدا لحالات الإجحاف.

4 ـ حافـظة الفـطرة:

الفطرة الاستقامة الأصلية على الدين علمها آدم بنيه وعلموها هم ذريتهم, وكلما فترت جذوة الإيمان في القلوب بعث الله تعالى الرسل لإحيائها. الدين الحنيف, فطرة الله لا تحتاج إلى استدلال فلسفي وإنما إلى تلقين للمولود من أحب الناس إليه خاصة أمه. وقد تتشوه الفطرة كما تتشوه الخلقة الجسمية فتحتاج عندها لتطبيب. كانت الجزيرة العربية إبان البعثة المحمدية أقرب إلى الفطرة , كانت لا تزال فيها بقية من الحنيفية الإبراهيمية, دخلت عليها الوثنية فشوهتها لكن لم تمحها. واليوم تعاني أجيال المسلمين من ضعف الفطرة المحفوظة بسبب انشغال الأمهات, مجاراة لهوس العالم, بتربية أبنائهن الجسمية وإغفالهن تلقين الجواب عن السؤال الفطري المصيري الأخروي. حبل الفطرة يبقى موصولا عندما يلقن الوالدان, خاصة الأم, الإيمان لمولودهما في الوقت المناسب فيشب وقلبه سليم ولسانه يلهج بالشكر على نعمة أنعمها الله عليه وعلى والديه ويدعو لذريته بالصلاح فيبقى حبل الفطرة متدلـيا من جيل لجيل.

5 ـ المرأة والعمل:

لقد أحاط الشرع الحنيف المرأة أما وزوجا وبنتا بكل الرعاية وكفاها النفقة حقا واجبا على الابن والزوج والوالد, وذلك حتى تتفرغ لمهمتها الخطيرة: تربية الأجيال روحيا بتلقينها الإيمان بالله واليوم الآخر ثم جسميا وعقليا. لكن الظلم الاجتماعي الذي ينتج عنه الفقر والبطالة في جانب والترف والتبذير في جانب آخر , يدفع المستضعفات إلى سوق العمل ويدفع المترفات لامتهان وظيفة مجاراة لما في المجتمعات الغربية المنحلة تحت لافتات “كرامة المرأة العاملة” و”الاستقلال الاقتصادي”. في غد الإسلام القريب بإذن الله يصطدم الإسلاميون بالواقع المر الناتج عن الظلم الاجتماعي المترتب بدوره عن الظلم السياسي, والمرأة من أهم ضحاياه. دولة القرآن تجد للمرأة مكانا في الوظائف التي لا تتنافى مع الحشمة كالتعليم والتطبيب وسائر الأنشطة الاجتماعية, أما الشغل الفاتن الملهي عن وظيفة المرأة الأساسية في تربية الأجيال الجديدة فيجب التخطيط لتحريرها منه بإخراجها من قبضة الحاجة والفاقة فتختار بكل مسؤولية بين الدنيا والآخرة.

6 ـ المرأة والحرية:

من أسبق المهمات المستقبلية تفرغ الأمهات لتنشئة الأجيال المؤمنة على الفطرة السليمة, لكن شرط تحقق ذلك هو استفراغ وسع الداعيات لتربية هؤلاء الأمهات. إن الكثير من الجهود تفرغ في الملاسنات البهرجية مع اليساريات اللاهجات بشعارات “تحرير المرأة”؛ وعلى أهمية هذا العمل الثقافي فإن المعركة مع التيار التغريبي تحسم في ميدان أمهات جيل الغد وهن السواد الأعظم اللواتي تحتجن إلى من يعلمهن الأساسيات من الدين، ويعلمهن النظافة والكياسة في الحياة الاجتماعية كما يعلمن الوضوء والصلاة والعقيدة؛ تحتجن لتعلم أدب المعاملة مع أعضاء البيت والأقارب وتعلم سائر خصال الإيمان, ولا يقوم بهذا العمل الميداني التربوي سوى المومنات الداعيات.

منذ أزيد من سبعين سنة, بدأ التخريب في الأساس. عمل التيار التغريبي بكل جسارة على “تحرير المرأة” وهي المظلومة الأولى في مجتمع الغثاء الفتنوي, فصنعوا “زعيمات” تزعمن حركة إخراج المرأة من التقليد, والمقصود الدين, إلى مسايرة الكمال التطوري حسب ظن رائد هذا التيار قاسم أمين. كتب آخر زعيم للاتحاد السوفياتي ـ سند التطوريين لعقود ـ في البيريسترويكا عن المرأة والأسرة نظرية تعد “رجعية” في المنظور التقدمي التطوري. لقد كتب غرباتشوف عن ضعف العلاقات الأسرية وبروز الكثير من مشكلات الأطفال الناشئة بسبب إهمال الحقوق الخاصة بوظيفة النساء في البيت في غمرة انشغالهن بالعمل خارجه.

7 ـ العزل:

ليست مهمة الوالدين هي إنجاب الأولاد وكفى, بل تربيتهم حتى يستقيموا على جادة الفطرة. بهذا استحق الأبوان وخاصة الأم البر والدعاء بالرحمة “وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا” (الإسراء/24). تتواصل الأجيال ولا تتصارع عندما يبر جيل الأبناء بجيل الآباء ويدعو له بالرحمة فيكون الفوز في الدنيا والآخرة. لكن الانتكاس يحدث عندما يصبح التقليد حاجزا دون مصدر الوحي وحين يتم إنجاب ذرية غثائية كثيرة العدد قليلة الغناء, وهذا هو الحاصل اليوم مع المليار ونيف مسلم, أكثر البشر محافظة على الفطرة ولكن في نفس الوقت كمّ مغلوب مقهور مفقر. المطلوب من المؤمنين أن يكونوا أقوياء أمناء علماء عاملين مجاهدين مقتحمين للعقبة حاملين للرسالة مبلغين لها، لكن في حالة العكس يستحيل الكم الهائل إلى تضخم ديموغرافي بما يحمله من مشاكل هي اليوم وغدا أفق الإسلاميين الذي ينبغي لهم مواجهته بكل واقعية. سؤال الخلافة المستقبلي هو كيف نجمع بين الكثرة العددية وبين النوعية, واجتماعهما هو القوة؛ وإلا فإن الشرع الحنيف يبيح تحديد النسل، حيث كان الصحابة يعزلون والوحي ينزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم وما كان له أن يسكت عن حــرام.

الباب الثاني: عالم في مخاضالفصل الأول: رياح التغيير في العالم

1 ـ “أبواب كل شيء”:

تعترض القوة الاقتحامية الإسلامية عقبة مركبة كأداء هي هذا العالم الذي فتح الله عليه أبواب كـل شيء اختبارا وكيدا. وواجب على المجاهدين المـقتحمين معرفة هذه العقبة كما هي لا كما يصورها الطموح الجامح. علم بالأسباب والتاريخ وحركة الكون والإرادات المتدافعة فيه في تناسق مع الإيمان بسنة الله تعالى وحكمته وفعله المطلق وإرادته الكونية. قراءة العالم بعين مفتوحة بصيرة هي عين الوحي الذي تنفتح معها آفاق المستقبل الذي بُشرت فيه أمة الإسلام بخلافة ثانية بعد الملك, وبالفوز في الدار الآخرة. بهذه النظرة البصيرة تبنى القوة الاقتحامية وتسير بخطى ثابتة تخرق العقبات الممانعة لتكون طليعة محررة للإنسانية ونا شرة للعدل في ربوع الأرض, فيتحول ما فتح الله به على “الذين نسوا ما ذكروا به” فتحا للمستمسكين بالمنهاج النبوي, يستخلصوا بجهادهم الدائب ثمارالكشوف العلمية و يوطنوا و يستنبتوا.

2 ـ نظام جديد للعالم:

تسارعت الأحداث العالمية خلال القرن الرابع عشر الهجري وبداية هذا القرن بشكل مذهل. ففي أول عقدين من القرن الخامس عشر تغير النظام العالمي بفعل ما أحدثته الثورة الإيرانية والمقاومة الأفغانـية, انهار المعسكر الشيوعي وتوحد مع من كان عدوا له في أمس الحرب الباردة استعدادا لمواجهة ” دولة الشر” الجديدة المتمثلة في الإسلام, وهي التسمية التي كان أطلقها الرئيس ريجان على غريمه السوفياتي. بدأ نظام عالمي جديد في التشكل بعد أن استعادت اليابان وألمانيا قوتيهما على طريق التفوق الاقتصادي هذه المرة بعد الهزيمة العسكرية في الحرب العالمية الثانية؛ وتعمل أمريكا جاهدة على أن تبقى قائدة هذا النظام بإحكام سيطرتها المباشرة على نفط المسلمين ودعمها اللامحدود عسكريا وماليا وتكنولوجيا وقانونيا في المحافل الدولية, لمحميتها اليهودية في فلسطين.

منذ جندت الولايات المتحدة العالم تحت راية الأمم المتحدة ضد زعيم البعث القومي صدام والمنظمة العالمية تحتل مكانة بارزة في الصراعات الدولية. السؤال المحوري اليوم هو: كيف يتصرف الإسلاميون يوم يحكمون مع هذه التطورات الجديدة؟ لا تكفي الشعارات أمام الهجمة الإعلامية الشرسة التي تصور المسلمين الوجه الجديد للشر، بل يجب معرفة العدو وسبب عدائه وتكتيك عدوانه ثم استثمار النظام العالمي والحقوقية الدولية والقوانين والأعراف والشعارات التي رفعها العدو نفسه من أجل كسب بعض المعارك والدفاع عن المستضعفين. ولن يكون هذا إذا لم نعالج أمراضنا الذاتية ونحرر إرادتـنا ونوحد صفنا, وهو أمر تعرقله إن قدرت قوى العدوان.

3 ـ الشرف الدولي للإسلام:

هي كلمة للإمام حسن البنا رحمه الله يقصد بها أن الإسلام هو أكبر ضمانة لاستقرار العلاقات الدولية. وفي ظروف أخرى أعلن الإمام الخميني رحمه الله رفضه المطلق “للشيطان الأكبر” ولم يأبه بمبادئ التعامل الدولي في الإسلام؛ كان رجل دعوة يحمل رسالة الثائر ويرفع التحدي أمام الساسة الجاهليين. ونحن في غد الإسلام إن شاء الله بين المبادئ الثابتة وبين حكم الاضطرار، وبين حكمة نتعلمها من تجاربنا وخصوصا من تجربة إيران. يمكن للمسلمين أن يحتلوا المكانة الشريفة في نظام عالمي يتراءى في الأفق قوامه القوة الاقتصادية, بعد أن تنحل أقفال التاريخ التي منها حكم سلاطين النفط العاضين وأمثالهم, وحكم الزعامة القومية الجبري. وحل هذه الأقفال وكثير من محتملات المستقبل (استخلاصنا لثرواتنا واستنقاذنا التكنولوجيا) رهن بصلابتنا وتكتلنا, وهذا بدوره رهن بسيادة حكم الشورى والعدل. إن العالم اليوم يتمخض عن كيانات متعددة ستتحكم في النظام الدولي عن طريق الاقتصاد لا الأحلاف العسكرية، وبقفازات الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الكبرى. ولا محيد للحكم الإسلامي عن التعامل الدولي معها. “والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

الفصل الثاني: حقوق الإنسان1 ـ بلاغ للناس:

خروق حقوق الإنسان في الغرب تخفيها مساحيق الحضارة في حين تبقى عارية في مجتمعاتنا الغثائية العضية الجبرية. وبالرغم من ذلك فإن البشر في ملة حقوق الإنسان “كما هي متعارف عليها دوليا” بعضهم أكثر إنسانية من بعض, يفصل بين الدرجتين اللون والقومية والانتماء والجغرافيا والدين. وتكرمة الإنسان في الإسلام دين وعقيدة وليس مزايدة في سوق السياسة رغم أن الأعداء يعملون على تصوير من يحملون مشروعه “دولة شر وإرهاب”. يحملهم على ذلك الوهم وأخطاء بعض المسلمين الذين ُيلجؤهم منطق العنف الغربي لخرق “شرف الإسلام الدولي”, ثم إن ضعف شعوبنا يمنع من وصول رسالة الإسلام الحاملة بشارة تكريم الإنسان دنيا وأخرى “ولقد كرمنا بني آدم” (الإسراء/70). ومع ذلك فإن عالم الإنسانية لا يخلو من ضمير ينادي بحق الشعوب في تقرير مصيرها وبالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية وهي عندنا دين إن اعتبرناها مطية للآخرة. مهمتنا إن نسمع البلاغ الإلهي لإعلام الإنسان أنه ليس دابة أرضية ولإخباره بالنبأ العظيم: حياته بعد الموت, وهذا أعظم حق من حقوق الإنسان لكنه مسكوت عنه. حق الإنسان الخالد أن يكون عبدا لله عز وجل عاملا للقائه وهي الكرامة الآدمية, وما دون ذلك من حقوق يجب أن يقربه من غايته الأخروية. هذه هي رسالة الله للعالمين تبثها أمة الدعوة في سمع أمة الاستجابة: الإنسانية الشاردة عن ربها.

2 ـ “نظيرك في الخلق”:

كلمة قالها الإمام علي كرم الله وجهه وهو يقسم الناس صنفين: “أخ لك في الدين ونظير لك في الخلق”. وبما أنه لابد للإسلاميين من التعامل والتعاون والتواصل الجاد مع كل مكونات المجتمع المدافعة بإخلاص عن حقوق الإنسان فيجب أن نتعلم الحدود الفاصلة بين الأخوة في الدين والنظيرية في الخلق والمثلية البشرية. التعاون مع كل ذي ضمير حر حتى لو لم يكن يؤمن بالله واليوم الآخر أمر محمود ما لم يتعارض مع أصل من أصول ديننا. لا نتنازل إلى حضيض المثلية البشرية لأننا أصحاب رسالة نبلغها بلسان الحال والمقال وراثة للرسل عليهم السلام إلى الإنسانية الغارقة في جفاف ماديتها. مهمتنا أن نسمع ونذكر لا نمل بحق الإنسان الأسمى في معرفة ربه والله تعالى يتولى حل أختام القلوب إن شاء. لا تشغلنا الدنيا بمتاعبها ومسراتها, ولا تشغلنا مهام الجهاد ومنازلة الأعداء وإعداد القوة عن الغاية العظمى من كل ذلك: إنه الخطر الجسيم الذي يتهدد الإسلاميين المتصدين للسياسة والواصلين إلى سدة الحكم, خطر ذوبان الدعوة في الدولة.

3 ـ الإنسان المعذب في الأرض:

الإنسانية رحم واحدة يُسأل عنها المتقون هل بلغوها دعوة الله وراثة لدعوة الرسل عليهم السلام الذين أرسلوا رحمة للعباد. إن البشرية معذبة في الأرض عذابا مضاعفا للفقراء الكفار لا ينقص من عذاب الآخرة, والمقّهورون في الدنيا لهم عيشة الضنك من جراء حياة بهيمية لا معنى لها ينغصها الخوف من الموت. ومن كمال الإيمان وشرط الدعوة أن يؤرقنا همّ المحرومين من النوعين, وإن كان السبق للمستضفين. يتبين من هذا أن باعث الإسلاميين على احترام حقوق الإنسان وعلى رأسها حقه الأسمى، والجهاد من أجلها هو من صميم التدين. وهم اليوم وغدا مندوبون للتعاون مع الفضلاء النظراء في الخـلق من جمعيات وطنية ودولية وإن اختلفت البواعث. لا نتنكر لنضال الشعوب وكفاح مروآت الأجيال منذ الماكناكارطا الأنجليزية إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 الذي اكتسى صبغة الإلزام الفعلي بالقوة الدولية مع نهاية الحرب الباردة وتحرر شعوب المعسكر الشيوعي. نضم جهودنا إلى جهود النظراء من المسلمين وغيرهم من أجل كرامة المواطن وحريته وحقوقه المدنية الاقتصادية الاجتماعية السياسية الثقافية دون تجزيء ولا تبعيض. من أجل استقرار سياسي قاعدته سيادة الشعب وحقه في تقرير مصيره وسياسته واختيار حكامه. من أجل العدل ومن أجل التنمية، من أجل حرية التحزب والتنظيم النقابي والإضراب وحماية المواطن من الاعتقال والتعذيب والشطط في استعمال السلطة. أفقنا في الوفاق مع النظراء المسلمين منهم أن ننتهي إلى منطق الإسلام وسياقه, إلى الشورى بآليات الديموقراطية, إلى التماس مقومات الأمة من دينها, إلى إقامة الخلافة على منهاج النبـوة.

الفصل الثالث: التقدم والتخلف1 ـ “ميثولوجيا” التقدم:

حين نسمي عملنا جهادا, يفضل الفاضل النظير أن يسمي عمله نضالا وهي كلمة رائجة في قاموس التقدمية إلى جانب الثورة والاشتراكية والحضارة…

وقلما يطرح هذا المناضل السؤال عن معنى التقدمية، فهو غالبا ما يكون منفذا نشطا لا ينشغل بالمعالجة الفكرية والمناقشة الإيديولوجية , يتركها للفيلسوف المنظر ويتفرغ للنضال الكادح اليومي. كل ما يعرفه أنه يقاتل تحت شعارات منددة بالظلم ناصرة للمظلومين. أصبحت التقدمية اليوم “ميثولوجيا” بعد أن انهارت في بلادها وارتمت في أحضان أمها الديموقراطية الرأسمالية, لكن المناضلين التقدميين الاشتراكيين عندنا وبعض الإسلاميين المرشوشين لم يقطعوا الحبل السري معها خوفا من الإرهاب الفكري الذي تحدثه كلمة رجعية. التقدمية تستند إلى تصور للتاريخ البشري يتطور من مرحلة لأخرى أرقى منها وأول مرحلة تم تجاوزها هي الدين, لا يختلف في ذلك الماديون عن المثاليين عن فلاسفة التطور الاجتماعي على إيقاع الداروينية؛ كلهم متفقون على أن الدين أفيون الشعوب. ويتبعهم في ذلك النظراء التقدميون لما يرون من تلاعب الحكام وعلماء السلطة بدين الإسلام. حوارنا مع هذا الصنف يفيد فيه اطلاعهم على ما عند الإسلاميين وما في دين الحق من استعداد للتعاون مع المخلصين لتحقيق العدل دون أن ننسى تذكير المسلمين المصلين منهم ببيان حق الإنسان الأسمى, فإن لم يكن مسلما مصليا أعلنا له هذا البيان: نعلن ونذكر بأن الجهود بلا نية صحيحة كبد دنيوي ويحشر المرء يوم القيامة مع من أحب كما في الحديث الشريف.

2 ـ العصرنة و الماضي:

في زمن موت الإيديولوجيات في بلادها وفشل دعاة الحداثة في بلاد المسلمين لم يبق إلا التلفيق المنافق بين لبرالية واشتراكية وإسلام أو الارتماء في أحضان الحكم التقليدي من عض وجبر أو الاستماع إلى ما عند الإسلاميين بالنية البناءة. لكن ما موقع هؤلاء الأخيرين على الخارطة السياسية وهل يخضعون للتصنيفات السائدة من مثل يمين/ يسار, تقدمية / رجعية…؟ وهل يمتلكون مشروعا حضاريا؟

قصدنا الأول أن نوضح الطريق لأنفسنا ثم للنظراء في الخلق من ذوي النيات الحسنة, حوار نحس بضرورته ونسارع. في مهيع السياسة يخوض اللاييكي نضاله مع الناس وضد الناس وينخرط فيه بدمه وعصبه وعقله وعضله في انشطار تام بين هذه النضالية وحياة شخصية يعيش فيها دينه. يسعى المناضل النزيه خلف التنمية والتحرر وحقوق الإنسان وغير ذلك من وسائل القوة, وهي نفس الأهداف الأرضية التي يلتقي فيها مع الإسلامي مع اختلاف القصد واختلاف طبيعة الصراع. الإسلاميون قوة حقانية تؤمن بالله واليوم الآخر , مواقفها وجهادها مع الناس ومن الناس بجهود منظمة, ولكل عضو فيها مشروعه الفردي الأخروي الرباني الإيماني الإحساني. تجري عليهم أحكام سنة الله, يخطئون ويصيبون, ينهزمون وينتصرون, لكنهم طلاب حق يسعون لنصر دين الله وجهاد الظلم وإرساء دعائم الشورى بين المسلمين وإقامة العدل بين الناس, هم حملة رسالة يسيرون على آثار من سبقهم بالإيمان بوسائل العصر وتخطيطاته وإيجابياته دون تحيز مع أو ضد الحضارة المادية. هم بهذا يربكون كل تحليل يصنف القوى الحية يمينا أو يسارا أو تلفيقا بين أصالة وعصرنة.

3 ـ النقاش المحوري:

“الفاعل التاريخي” لدى المسلمين إن لم يكن واثقا بذاتيته يبقى الحديث عن امتلاك الوسائل العصرية مجرد أحلام. نقطة الانطلاق وجود قوة واعية بغاية وجودها تسعى للتحرر من ربقة الحكم الفاسد عبر جهاد سياسي يتلو التربية والتعليم والتنظيم. بعد هذا التحرر وإصلاح الحكم يأتي في الاعتبار التتلمذ لأساتذة العصر في العلوم والاختراعات والتنظيم والتصنيع حتى يحل تدريجيا وعبر مراحل وأجيال النسيج الحي محل النسيج الغثائي. تلمذة ذكية تضع نصب عينيها مصير الفرد إلى الله ومصير الأمة إلى العزة و الاستخلاف بدلا من العبودية لنموذج غربي فقد وجهته الغائية فهو يستلهم روحه من الوثنية الإغريقية والقانونية الرومانية والرواسب اليهودية النصرانية والفلسفة التطورية والفردية اللبرالية الدوابية. ويتأرجح الملفق الإيديولوجي بين عصرنة حفرت هوة عميقة بين قومها وقومه وبين أثقال تراث هو كل ما يملك من مجد.

لابد للإسلامي من نقد بصير متأن للعصرنة التي لم يعد النقاش المحوري فيها بين منظومتين من داخلها حسب أحد كبار فلاسفتها وخبرائها. النقاش الأساسي حسب جارودي يدور حول المراجعة الجذرية الاستنكارية لميثولوجيا التقدم والتنمية على النمط الغربي, والتي تفصل بين العلوم والتقنية وبين التفكير في معنى الحياة, تشيد بالفردية الأنانية وتبتر الإنسان من المفارقة والمجتمع التضامني.

الفصل الرابع: التغريب1 ـ “الدائرة الصماء”:

يتعلق الأمر بطائفة من الشباب الذين أرسلوا إلى جامعات فرنسا وأنجلترا مع مطلع القرن العشرين، فعادوا مزهوين بدبلوماتهم يشيدون بالحضارة الغربية، إنهم مجموعة من الدكاترة الجامعيين والكتاب الأدباء والصحفيين الذين كونوا طليعة أنصار التغريب في مصر. يتلخص الفكر التغريبي في مفاهيم منهجية ثلاثة: اللبرالية واللاييكية واللحاق بالركب الحضاري الغربي، وكلها مفاهيم تبعد الدين عن كل مناحي الحياة وتجعله مجرد معطى اجتماعي ينظر إليه على ضوء القواعد العصرية للاقتصاد والسياسة.

تراجع بعد النضج طائفة من المغربين وتخففوا من التبعية للسيد الغربي بفضل رجال لا يقلون عنهم اطلاعا على الثقافة الغربية وبفضل جيل الوطنية التحررية من تلامذة الشيخ الأفغاني. تراجعوا لكن بعد أن فرخوا آلافا مؤلفة من التلاميذ النجباء الذين فاقوا أساتذتهم في المكر والتلفيق بما قعدوا من منهجية مطعمة بمفاهيم عربية إسلامية وبما أشادوا بالعربية الفصحى واستشهدوا بالقرآن واعتزوا بالتراث. عداؤهم للإسلام أمر مبطن وولاؤهم للسيد الغربي راسخ ومع ذلك فهم قوميون مناهضون للإمبريالية؛ عالميون يسعون لإثراء الثقافة الإنسانية.

إنه داء في جسم الأمة وعرقلة في طريق مشروعها الإسلامي العقدي السياسي الاقتصادي العمراني الأخوي, ومعرفة أصل الداء لازمة لتسلح يد الدعوة بأدلة الإقناع والحوار والمحاجة وتسلح يد الدولة بخبرة الطبيب الجراح.

2 ـ “طاحون التعليم الغربي”:

عبارة صاغها أحد كبار مهندسي الاستعمار البريطاني لمصر، إنه اللورد كرومر الذي كتب سنة 1908 يصف نفسية الصنف المشدوه بالغرب قبل ظهور”الدائرة الصماء”. قال في كتابه “مصر العصرية” ما مفاده أن المصري المتحرر يسبق الأوربي المتحرر في التنور وحرية الفكر والحيرة، بمعنى التشبع بالعقلانية الفلسفية الملحدة؛ وأنه لا يرفض دين آبائه فحسب, بل يرفسه ويركله برجله لأنه يظن أن الدين هو سبب معارضة الجمهور “للإصلاحات” التي يراها المخرج من التخلف والسبيل إلى اللحاق بالركب الحضاري. تعلم المغرّب في المدارس الأوربية أوفي بلاده على يد المستشرقين الشك المنهجي الذي لا تصح معرفة بدونه , فتبنّى القول ببشرية القرآن وشك في السيرة, وعزا الوضع في الحديث لأسباب سياسية… طاحون التعليم الغربي لا يزال يطحن ذاتية الشباب المسلم. وفي التعليم حيث يختار الفلاسفة مواقعهم مكان المعركة الحاسمة لتنشئة أجيال سليمة. صنف الفلاسفة المناضلين المؤرخين لبراليين وتقدميين هم أعتى الأصناف التغريبية، ويبقى أقلها استلابا الصنف التقني الخبير والإداري, وبينهما صنف مرشوش لم يسحق منهم الطاحون بواقي الفطرة وإنما أدخلهم في الغربنة عادة الترف وألفة النمط الغربي للحياة واللذة والمتعة. إنهم يحتلـّون مواقع متقدمة في التعليم والاقتصاد والسياسة، بين معارض وحاكم , يحسون بالخطر الإسلامي الصاعد لكنهم على استعداد لامتطاء الموجة بتركيبة ملفقة بين أصالة إسلامية وعصرنة غربية.

3 ـ “الردة مرونة في الفكر”:

يبدو رواد الدائرة الصماء من أمثال لطفي السيد وطه حسين.. مجرد أشباح باهتة أمام جرأة خرّيجي الطاحون التغريبي المنافقين الملفقين, يمتاز من بينهم صاحب “التراث والتجديد” وأحد مؤسسي تيار اليسار الإسلامي الدكتور حسن حنفي بأن له وقاحة في نشر أفكاره الإلحادية. ففي “مقدمات” مشروعه لا يتورع أن يدعو إلى “تجديد” ما يعتبره “تراثا” حتى لا يظل الثوري حبيس الماضي من جهة ويتمكن من استغلال “المخزون النفسي الديني” للجماهير المسلمة من أجل قطع الطريق على دعاة التغيير الإسلامي من جهة أخرى. والتجديد عنده استبدال لألفاظ الدين بألفاظ حداثية لكون الأولى حسب ظنه قاصرة عن أداء المعنى. وهكذا ينطلق من لفظ دين وإسلام ويدعو لاستبدالهما بأيديولوجية وتحرر. أما الإلحاد عنده فهو الرغبة في بيان الأثر العملي للأفكار ورد فعل على الإيمان المتحجر, والله والجنة والنار والآخرة والحساب… مجرد ألفاظ اصطلاحية تعبر عن رد فعل على حالة نفسية والاعتقاد بها هو تعويض عن كل ما لا نستطيع تحقيقه. فالله حسب حنفي هو الخبز والرزق والعدل والحرية والقوة والإرادة وهو الأرض والتنمية والعلم والتقدم.. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

الفصل الخامس: ضرورة الحوار وحسن الجوار1 ـ حوار الضعيف للقوي:

حوارنا مع الغرب مع ضعفنا وتشرذمنا وهو الذي لا يؤمن إلاّ بالقوة, وهو المتربع اليوم على عرش التفوق الحضاري, لن يؤتي أكله. يجب أن نسعى لامتلاك قوة تسمع صوتنا. القوة هي غير العنف واختطاف الرهائن وخرق القوانين الدولية, وكل ذلك ليس من أخلاق الإسلام و”شرفه الدولي”. صحيح أن قوانين الاستقرار العالمي صنعها الأقوياء إبّان سيطرتهم على بقية البلدان, وهم اليوم لا يترددون في استعمال هذا السيف ضد كل من يهدد الأمن الدولي كما فعل بعراق صدّام عند هجمته على الكويت. لا سبيل لإعادة ترتيب الأوضاع العالمية والقانون الدولي إلا بامتلاك القوة, ولا سبيل إليها إلا بإحياء فطرة الإيمان في الأجيال من قبل دعوة تمهد لها حكومة إسلامية تستبدل طاحون التعليم الغربي بنظام قرآني وتزيح الملحدين الصرحاء من أماكن يتمكنون فيها من جدع الفطرة. إعادة بناء البيت الإسلامي الموحد على أسس الرحمة, والقوي بما يحمله من رسالة للعالمين تفتح آذانا صما وقلوبا غلفا في عالم يركل اليوم كل القيم ولا يؤمن باليوم الآخر وهو لهذا يحب الحياة ويلتصق بها وهذا مصدر ضعفه في مقابل من يعشق الشهادة في سبيل الله. لاشك أن الغرب تعلم من تجربة إيران الإسلامية أن يحترم من هم على استعداد للموت بشرف في سبيل دينهم. في نفس الوقت استفاد الحكام الإيرانيون كيف يتعاملون بحكمة مع القانون الدولي, وكذا استفاد الإسلاميون حكمة: قوة في غير عنف ورحمة في غير ضعف.

2 ـ شروط الحوار وظروفه:

شرط الشروط إيجاد القوة الذاتية المنبنية على إيمان الفردالمقتحم للعقبة, المنتظم في جماعة المسلمين, الساعي بعد تقوية علاقته بربه إلى امتلاك وسائل القوة المادية, ولابد لهذه القوة من الصدع بما أمر الله. الصدع لغة هو “شق الأجسام الصلبة”، وجبهة العداء للإسلام اليوم صلبة رأس رمحها الدولة اليهودية, ووراءها أمريكا قائدة النظام العالمي الجديد، نصيرة الحرية وحقوق الإنسان إلا إذا تعلق الأمر بالمسلمين كما هو في الهند والبلقان والاتحاد السوفياتي المنهار. ومع هذا العداء المستحكم، فإن تلك الجبهة لا تخلو من ثغرات, صنع من صنع الله يتماشى مع تحليل المادي:

1- تنافر مصالح أعضاء الجبهة وبروز أقطاب متعددة على شكل دول عظمى أو تكتلات إقليمية.

2- ضمان الاستقرار العالمي يكون عبر قنوات قانونية دولية.

3- حاجة العالم وحاجة المسلمين إلى الاستفادة من النفط, بضمان استقرار الأمور عند أصحابه المسلمين.

4- تعدد مصادر القرار السياسي وضمنها الدوائر المالية والاقتصادية التي يهمها ربح سوق فيها مليار زبون من المسلمين.

5- بعد زلزال أوربا الشرقية وسقوط الشاه, تعلم أعداء الإسلام عدم الاعتماد على الأنظمة الاستبدادية وخطبة ود الأنظمة المستقرة حتى لو كانت إسلامية كإيران.

6- الموجة الديموقراطية في العالم تفتح الباب للاتصال والمساومة في السوق الاقتصادية التنافسيـة, يتوقف الأمر إذن على القوة الذاتية.

7- وقوفنا مع القوى الحية الساعية لإكرام الإنسان، لا نرد إلا ما يصطدم بالشرع الحنيف.

8- مصلحة العا لـم أن يجد وسيلة للحوار مع مليار مسلم هم في طريقهم لاستعادة وحدتهم.

3 ـ قضايا للنقاش:

من هذه القضايا ماهو بيننا وبين باقي بني الإنسان مثل الفقر وتلويث البيئة والسلام والحرب … وهذه لن يسمع للمسلمين صوت فيها إلا إذا استجمعوا قوتهم. ومنها ما هو بين المسلمين أنفسهم, وهي قضايا تحتاج لصبر على الاختلاف وفتح لباب الاجتهاد من أجل معالجة مخلفات العض والجبر ومناقشة القضايا الأساسية المصيرية وعلى رأسها العدل والشورى والوحدة.

ما زال شبح الدولة العاضة المنحرفة يحول دون تفاهم شقّي الأمة الكبيرين, السنة والشيعة. يبعث الكتبة الممولون من قبل سلاطين النفط بالخصوص الخلاف القروني مع الشيعة فيصفونهم بالمجوسية, و يكون الرد معانقة الخصوصية الشيعية الطائفية. لقد كان حريّـا بالثورة الإسلامية الإيرانية أن تطوي من موقع قوة الصفحات الكالحة من تاريخ المسلمين وتمد يد العون للصادقين ليتحرروا من ربقة العض والجبر. كان حرّيا بهم أن يتركوا مواطن الخلاف العقدي المستفزة لمشاعـر إخوانهم السنيين خاصة ما يتعلق بتقديس الأئمة عليهم السلام وطعنهم الشنيع في الصحابة رضي الله عنهم. والآن بعد مضي زمن التوهّج الثوري الذي كان مع الإمام الخميني رحمه الله, وسعي الدولة الإيرانية إلى تعامل دولي معتدل حتى مع الأعداء, آن الأوان للدعـوة الشـيعية أن تبحث عن تعامـل مع من يخالـفها المذهب, تعامل يطبعه رفق الأخوة وتجاوز أسباب الخلاف. كانت هذه دعوة لعلماء أفاضل لا يتسرب الشك في إخلاصهم وإشفاقهم على مستقبل وحدة المسلمين من أمثال الشيخ أبي الحسن الندوي والشيخ أبي زهرة رحمهما الله.