“أزمة التأسيس مر على تأسيس الحركة النقابية بالمغرب مدة نصف قرن، وهي فترة جد كافية لتقييم أدائها والبحث في جذور الأزمة التي تعاني منها، نتيجة ما راكمته من أخطاء وما اختزنته ممارستها من انحرافات. والتي واكبتها إنجازات وتضحيات لا يمكن القفز عليها، وتناول هذا الموضوع صعب جدا لتشعب المسألة، و صعوبة اختصار تجربة نصف قرن من الممارسة النقابية في مقالة مهما تغيت من دقة وموضوعية، وطمحت إليه من إحاطة وشمولية.

1- الولادة الأولى على يد الفرنسيين

لا يجادل أحد في أن اليد العاملة الفرنسية التي جلبها المستعمر إلى المغرب، هي التي أسست العمل النقابي من خلال تأسيس فرع الكنفدرالية العامة للشغل “CGT” سنة 1930. والتي كان الانتماء إليها مقتصرا على العمال الفرنسيين، الذين كانت لهم امتيازات كبيرة على حساب العمال المغاربة، الذين كانوا يتعرضون للسجن والغرامة إن هم مارسوا العمل النقابي. إلا أنه وبعد صعود اليسار الفرنسي إلى الحكم، وتأسيس فرع الاتحاد العام للنقابات الموحدة بالغرب “UGSUM” سنة 1943. سمح للعمال المغاربة بالتسرب تدريجيا، وخصوصا أعضاء الحزب الشيوعي المغربي، لاحتوائهم والحيلولة دون تأسيس نقابة مغربية بدعوى وحدة الطبقة العاملة، وكذا إبعادهم عن الحركة الوطنية. وقد استطاع الشيوعيون المغاربة السيطرة على بعض المواقع المتقدمة داخل النقابة، مستفيدين من القرابة الإديولوجية، هذا التغلغل أزعج قادة حزب الاستقلال الذين شنوا حملة عدائية ضد النقابة الفرنسية، متهمين العمال المغاربة الذين ينخرطون فيها بأنهم “خونة لأن الذين يسيرون النقابة يهود ونصارى وكفار” ودعوا إلى تأسيس “نقابة إسلامية تستثني الأوروبيين واليهود المغاربة” هذا الخيار سيفشل لعدة أسباب. لتتكلف خلية من يسار حزب الاستقلال كعبد الرحمان اليوسفي، عبد الرحيم بوعبيد، ثم عبد الله إبراهيم بتوجيه مناضلي الحزب للانخراط في “UGSUM” سنة 1947، وبعد سنتين من الصراع مع الشيوعيين المغاربة، استطاع مناضلو حزب الاستقلال السيطرة على أجهزة النقابة، وتمكنوا في مؤتمرها السادس 1950، من فرض توصية تقضي بتكوين منظمة نقابية مغربية مستقلة عن الفرنسيين.

من خلال استقرائنا لهذه المرحلة من تاريخ الحركة النقابية ولو بشكل مختصر، يظهر جليا أنها تأثرت بالتجربة الفرنسية وبدت متصارعة ومنقسمة، بين المدرسة الوطنية والشيوعية. بسبب ارتباطها العضوي بالحركة السياسية السائدة، مما سيخلف إشكالات عملية ونظرية، ستؤثر سلبا على الممارسة النقابية كما سنرى.

2- الولادة الثانية على يد المغاربة

مع بداية الترتيبات الأخيرة لاستقلال المغرب وفي يوم 20 مارس 1955 تم تأسيس أول مركزية نقابية مغربية “الاتحاد المغربي للشغل” تحت إشراف الجناح اليساري لحزب الاستقلال كالمهدي بن بركة وعبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي، وسط نشوة وفرح العمال المغاربة إلا أن ما خفي كان أعظم، وسأسرد بعض الشهادات لما وقع في ذلك اليوم على لسان من حضر وليس من رأى كمن سمع.

يقول محمد عابد الجابري في مذكراته “مواقف” عدد 5: “هناك عامل آخر سابق للامتيازات يرجع إلى المؤتمر التأسيسي للاتحاد المغربي للشغل، ذلك أن الشخص الذي انتخب كاتبا عاما للمنظمة في هذا المؤتمر هو الطيب بن بوعزة، ولكن المحجوب بن الصديق اعترض لأنه كان يرى نفسه أحق بالمنصب فهدد بتأسيس نقابة جديدة إذا لم يكن هو الرئيس. وبعد مشاورات ومناورات أقنع الطيب بوعزة بالاستقالة” ص21. ويروي محمد الفقيه البصري في سيرته الذاتية “الفقيه” بعض التفاصيل عن هذه المشاورات والمناورات “وحسب ما عشته وعرفته، ولا أريد هنا أن أتحدث بلغة التحليل النظري، فإن المحجوب بن الصديق طرح مسألة أهليته لقيادة النقابة، وإذا لم يكن هو على رأسها فإن خطر انشقاق النقابة وارد” ص 106 وقد ساند المحجوب بن الصديق كل من عبد الله إبراهيم والمهدي بن بركة والفقيه البصري الذي تكلف بإقناع إبراهيم الروداني الذي كان يتشبث بالطيب بن بوعزة، يقول الفقيه البصري “فتوجهت للقائه حول هذا الموضوع فقال رحمه الله بالحرف: شوف هذاك حمار .. حمار  يقصد بن بوعزة  ولكن نفضل حمار اللي نركب له الشكيمة إلى قلت له يوقف يوقف، وإلى قلت له زيد يزيد. أما اللي ما قابل من دابا الديموقراطية  يقصد بن الصديق  فين غادي نوصلو معاه ؟ إلى بغى المحجوب ينشق خليه ينشق” ص 107 . في هذه الأجواء ومن وراء ستار القواعد التي كان لها رأي آخر عبرت عنه في المؤتمر، تم توافق القيادة السياسية على تنصيب المحجوب بن الصديق على عرش أول نقابة في تاريخ المغرب.

يتضح بجلاء أن أزمة الحركة النقابية المغربية المتمثلة في الالتفاف على الديموقراطية والكولسة وتحكم الحزبي في النقابي والتبعية للأجنبي وإشكالية الوحدة والانشقاق وغيرها ليست وليدة اليوم بل لازمتها منذ تأسيس “الإتحاد المغربي للشغل” إلى آخر نقابة تأسست “الفدرالية الديموقراطية للشغل”.

– يتبع –