صناعة النجومصناعة نجوم الفن ورموز الفن ومرتزقة الفن، من أمثال بعضٍ ممن نقرأ عنهم في تاريخ الأدب والفن، كان وراءها ما كان من الرغبة في إلهاء الناس بما يشغلهم عن التطلع إلى ما لا يُراد لهم أن يتطلعوا إليه تحت شعار: “اِشْغَلْهُمْ قبل أن يَشْغَلُوك”، ومن تهافتٍ على الأعتاب وعلى فتاتٍ من الدنيا زائلٍ حقير.. ونحن اليوم أمام صناعة لا تختلف عن سابقتها، بل هذه امتدادٌ طبيعي للأصول النفسية والاجتماعية والتاريخية لتلك، مع تطور فظيع في الأساليب والوسائل والأشكال.

قد أصبح تخريج الفنان اليوم علماً وصناعةً قائمَيْن “Making Stars”، وأصبحت لهما معاهد وأجهزة متخصصة، يَلِجُهَا الإنسانُ مادةً خامّاً: “مشروعَ فنان”، فيخضع للمناهج “العلمية الفنية” المتقدمة، ويتخرج “فناناً” آلةً جاهزةً للعمل، فاقداً لـ: “ذاكرته الروحية”، مقبلاً أشد ما يكون الإقبال على الدنيا وعلى الناس الذين يستمد منهم شهرته وَقُوَّتَهُ ووجودَه، قبل أن تموت موجته على شاطئ الملل وحب التغيير، لتولد ولادةً قيصريةً موجةٌ أخرى تقوم مقام الأولى.. وهكذا دواليك&

وتُصنع على منوال هذه “النجوم” نجومٌ أخرى، على هامشها في المجتمع، بالروح نفسها وبدركات بعضها أسفل من بعض وبأساليب تبدو عفويةً تلبي حاجات النفوس المريضة إلى مُسَكِّنَاتٍ ومُنْسِيَاتٍ ومُلْهِيَاتٍ تُحَيِّدُ بضجيجها صوتَ الفطرةِ المنبعثِ من أعماق النفس&

وفي الساحة الفنية من عَيِّـنَات صناعة النجوم، صوتاً وصورةً وحركةً وروحاً وشكلاً ومضموناً، ما يغنينا عن وصفها أو الإشارة إليها أو عن التعريف بطبيعتها…

فما هي طبيعة الصناعة التي نقترحها نحن؟ وما هي طبيعة المعاهد التي نسعى أن نخرِّج منها الفنانين حملةَ الرسالةِ الغراء؟ وكيف نستوعب من يقترح علينا نفسه أو نقترحه ليكون سنداً للدعوة وكخلفية ثقافية لمشروعنا التغييري؟

كان النبي صلى الله عليه وسلم يَنْقُدُ الشعر بما ينسجم مع روح الوحي، وبما يجعله جديراً بأن يُنْشَدَ من على منبره الشريف.

رُوي أن منشداً أنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قول سويد بن عامر المصطلقي:لا تأمنَنَّ وإن أمسيتَ في حَرَمٍ *** إن المنايا بِجَنْبَيْ كلِّ إنسـانِ

فَكُـلُّ ذِي صَاحِبٍ يَوْماً يُفَارِقُهُ *** وَكُلُّ زَادٍ وَإِنْ أَبْقَيْـتَهُ فَـانِفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو أدرك هذا الإسلامَ لأَسْلَم” (الاستيعاب لابن عبد البر والإصابة لابن حجر العسقلاني).

ما كل الشعراء ينطقون حكمة؛ فَهُم معادنُ فيهم النفيس وفيهم الرخيص: والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون.

خِفةٌ وتشتت ومزاجية وهوىً متَّـبَع ودعوى لا رصيد لها.

إن الذي لا يحمل بين أضلعه قضيةً مُقدَّسَةً يَحْيَى بها ولها، وفي عقله مشروعا تغييريا يُرَشِّح نفسَه للمساهمة مع المساهمين في بنائه على الأرض، لا يستحق، بل لا يستطيع أن يكون ممن استثناهم الحق جل وعلا إذْ قال: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظُلِموا).1 – إيمانٌ بالله وبغيبه..

يؤمنون بالغيب ويُبَلِّغون رسالة الغيب ويستحضرون الغيب ويذكِّرون بالغيب.

2 – عملٌ صالح دليلاً على صدق دعوى الإيمان..

التحلي بالخلق الحسن وحسن المعاشرة والسعي في حاجات الناس بصدق وتواضع.

3 – ذِكْرٌ لله كثيرٌ تزكيـةً للنفس..

قلوب مشبعة بالإيمان، لها في اليوم والليلة محطات للتزود بما يجعلها قمينة بنظر الله إليها ومباهاته بهم ملائكته في الملأ الأعلى.

4 – وقضيَّةٌ يُنْتَصَرُ لها..

مشروع تغيير النفس الأمارة بالسوء على مدارج الإيمان، ومشروعُ بعث خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله..

الإيمان بالله والعمل الصالح والذكر الكثير والانتصار لقضية العدل.. للمظلومين..

ولا ينتصر لقضية “العـدل” إلا المؤمنون العاملون الصالحون الذاكرون.. (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)( سورة الشعراء – 223/226).

كانت الدعوة الإسلامية تستمد عناصر قوتها من قوة النبوة متجلية في النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، ومن قوة الإيمان في صدور الصحابة رضي الله عنهم، ومن قوة الإنجازات الميدانية التي كانت تكتسح القلوب والأمصار في آن واحد. وكانت قوة الخطاب الشعري “الفني” عاملاً مضافاً إلى ما سبق في أرض الميدان متصلاً بأمين الوحي مُؤَيَّداً بِمَعِيَّتِه.

ضعف حركتنا الفنية، فهماً وذوقاً وتكويناً وممارسةً وانتشاراً ورموزاً وأساليبَ، يفتح المجال واسعا أمام أيٍّ كان ليُرْغِيَ ويُزْبِدَ في الميدان دون أن يُسْتَطَاعَ شيءٌ أمام انحرافها عن المسار الصحيح بِسَبَبٍ مِنْ ضعفِنا ومن قوة تصفيقات العامة ممن لا خبرة لهم بالميدان ولا خَبَرَ لهم عن الآتي القريب.

عندما يسوء الفهم وتختلط الأوراق بين يَدَيْ حركةٍ فنية لا تزال تَلْثَغُ تَحْبُو ينبري لها ذلك “الأيُّ” في غياب من اكتفَوْا بالسكوت أو بالعزلة والمتابعة من بعيد كسلاً أو رِضىً بالأمر الواقع على هامشِ أرضِ منافسةٍ أبعدتهم منها أذواق وأفهام العامّة إبعاداً؛ عند هذا يصبح الحال كما لا أَحْسَنَ من قول المتنبي في وصف سوءه:وإذا ما خَلاَ الجبانُ بـأرضٍ *** طَلَبَ الطَّعْنَ وَحْدَهُ وَالنِّـزَالاَفإلى الهاربين والساكتين والكسالى والقاعدين الراضين بمقعدهم في الصفوف الخلفية مع عامة المتفرجين..

إلى الباحثين عن راحة البال والنفس والبدن غيرَ مبالين بيومٍ يرقى فيه مِنْبَرَ حسانٍ من لا يعرفون له حقاً ولا يتهمَّمون من الدعوة إلا بقدر ما يصيبون منها لا بقدر ما تُصِيبُ هي منهم…

إلى “الفاهمين” الذين يكتفون بالنقد والتعليق على ما يصنع غيرهم وبالكلام الذي لا رصيد له في حساب الدعوة…

إلى العاملين الصادقين الصابرين المتئدين:

هل يساكن الصدق هِمَّةً كسولة في قلب واحد؟

وهل يسالم حبُّ الله وحبُّ نبيه صلى الله عليه وسلم وإرادة الآخرة الراحةَ والدعةَ والسكونَ والساعةُ آن أوانُها؟

إلى متى.. والقافلة لا تنتظر مُخلَّفاً ولا ضعيفاً راضياً بضعفه؟

إلى متى.. وما كان يُرَى بالأمس غداً بعيداً يوشك أن يبزغ فجره؟

إلى متى وما في الوقت متسع للكلام؟

إلى متى؟؟؟

إننا لا نقرأ التاريخ ولا خَبَرَ لنا عن الميدان ولا علم لنا بما يجري:

طيلة النصف الأول من القرن الماضي سَعى الساعون إلى اكتساح الساحة الثقافية والفنية لبلداننا بصناعة وتهييء رموز ثقافية وفنية هي الآن خلفية مسانِدةٌ مُزَكِّيَّةٌ وواجهة مشاغبة مُشاغِلَةٌ مُعَـبِّـئَةٌ.

وقد عمل من عمل في هذه السنوات الطوال بأسلوبين:

– أولاً: بصناعة رموز روحها من روحه، هو منها وهي منه.

– ثانياً: بِـتَـبَنـِّي بعض الرموز الثقافية والفنية العاملة في الساحة؛ يكون هو لها سنداً إعلاميا، وتكون هي له خلفيةً ثقافيةً وفنيةً فسنداً سياسياً.. تبادل للمصالح.. يصيب بعضهم من بعض.

نحتاج نحن أن نكون أذكى وأفهم وأصبر وأبعد نظراً..

إننا لا نستطيع أن نواجه خصوماً يتحصنون خلف أسوار عالية من الرموز الثقافية والفنية يعرفها الشعب ويثق بها الشعب ويحبها الشعب إلا برموز ثقافية وفنية يعرفها الشعب ويثق بها الشعب ويحبها الشعب.

هي، إن أدركْنَا، حرب ضَرُوسٌ يُستخدَم في معاركها أكثر من سلاح..

هو، لو دَرَيْنَا، صراع مرير له أكثر من وجه..

كيف يمكن أن يكون لنا موقع قدم في ميدان يعج بجيوش من الفنانين والفنانات مدججين بكل أنواع “الأسلحة” من إمكانيات مادية وتقنية حديثة ورجال أعمال ودعاية وإعلام وفضاءات وجمهور؟

وهل أبدعنا وجددنا في الفن ليكون في مستوى المنافسة لِفَنٍّ له تاريخ ورموز وأسلحة ودعاية وجمهور؟

ينبغي أن نسعى إلى التواصل مع أنفسنا قبل أن نفكر في التواصل مع غيرنا، وإلى استيعاب أهل الصف فينا بالموازاة مع التفكير في استيعاب الغير، وإلى اكتشاف وتوجيه وتشجيع الطاقات حَذَرَ أن تُسْتَنْزَفَ بضغط الميدان أو بالجمود أو بالتآكل كما تتآكل الآلات الصَّدِئَةُ التي تُصرف عليها الأموال الطائلة وتُبْذَلُ من أجلها الجهود العظيمة دون صيانة ولا رعاية ولا تشغيل.

ما نفعل غداً، وهو قريب قريب، إن وضع الناس بأيدينا زمام شعبٍ شابٍّ يفيض بالطاقات كما يفيض البركان باللهب؟

وهل يشفع لنا أمام الشعب تَوَجُّهُنَا وَنِيتُنا وتاريخُ جهادنا إن نحن كَتَمْنَا أنفاسه وحجبنا الشمس عن أنظاره؟

وهل نضمن ألا يثور الناس في وجهنا إن ضَمِنَّا هدوءَ وتسليمَ وحسنَ ظنِّ إخوتنا في الدعوة؟

إنه لا بد لنا من امتداد شعبي يقربنا إلى الشعب، ومدد شعبي يغذينا بالطاقات، وسند شعبي يضخ في عروقنا ما يساهم في تشكيل رأي عام متعاطف معنا.. امتداد ومدد وسند للفن دور حاسم في تحصيله وتنميته وتوجيهه واستثماره.

تحصيل وتنمية وتوجيه واستثمار لا بُدَّ أن تنهض من أجله حركة فنية ربانية قوية وفاعلة ومؤثرة على أسس متينة.