على لسان الطير والأزهار والحيوان

من خلال كتاب كشف الأسرارفي حكم الطيور والأزهارإشارة النملةنقف في هذه الحلقة بإذن الله مع إشارة النملة وما تضمنته من تجليات إحسانية. يقول ابن غانم رحمه الله: فبينما أنا متردد بين هذه الإشارات، متفهم لهذه العبارات، إذا حانت مني التفاته ساهي، متفكر في الأحوال ماهي، متفكر في الأحوال ماهي، إذ رأيت نملة تتخير لنفسها المسالك، وتتوقى في خطراتها المهالك، فنادتني النملة: إذا رماك الدهر بمرمى، فنم له، وإذا رأيت من تهيأ للسير فسر قبله، ولا تكن في تدبير عيشك أبله، تعلم مني قوة الاستعداد، وتحصيل الزاد ليوم المعاد…” كشف الأسرار ص 128.

وفي هذا الكلام إشارات وعبر ومعان إحسانية ومنها الرضى بقضاء الله وقدره وتسليم الأمر له سبحانه وتعالى، وقد تحدثنا عن هذا المعنى الإحساني في المقال السابق. ثم الاستعداد ليوم المعاد والحذر من شهوات الدنيا وغوايتها “ولاتكن في تدبير عيشك أبله” الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. العاقل من شمر ليوم المعاد وخبر الدنيا وسرعه ذهابها، وخاف مقام ربه ونهى نفسه عن الهوى “تعلم مني قوة الاستعداد، لاتكن خمولا في أمر الآخرة، جريئا في شهوات الدنيا، قوة الاستعداد ليوم المعاد علامة الرشد والصلاح، دلالة على صفاء الروح وطهارتها، اللهم اعط منفقا خلفا، وهو المقبل على طاعة مولاه، المنفق أوقاته لمرضاته، اللهم زده ومتعه بمحبتك وبجنانك، واعط ممسكا تلفا، أمسك عن المسارعة إلى الخيرات فتاه في شعاب الدنيا وأصابه التلف أترضى أن تكون النملة أفقه منك في تحصيل زادها، وأكيس منك في معرفة مآلها، واحسرتاه على من نسي الله فأنساه نفسه واحسرتاه على من آثر الفاني على الباقي، يقول ضرار بن ضمرة الكناني يصف سيدنا عليا كرم الله وجهه “…فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه يميل في محرابه قابضا على لحيته، يتململ السليم “الملدوغ من الحية” ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا يتضرع إليه ثم يقول للدنيا: إلي تغررت ؟ إلي تشوفت ؟ هيهات هيهات غري غري، قد بتتتك ثلاثا. فعمرك قصير ومجلسك حقير وخطرك يسير، آه آه، من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق” حياة الصحابة الكاند هلوي ج 1 ص 25.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “الانقلاع عن الدنيا وعن شهواتها، والزهد في متاعها المادي من أموال وزينة، والترفع عن طلب الرئاسات، والتواضع، والتقلقل، والتوكل، مقامات يبلغها السالك المجاهد بالثبات في الصف مع كثرة الذكر، ويدركها الإثنان بصحبة من تخطى الدنيا ولم يقف مع الآخرة إلا نفسه الفرحة بما عند الله، والروح في أشواقها إلى الله. والسر في مناجاته مع الله” الاحسان ج 1 ص 496-497.

يقول الشاعر:

عليكـم سـلام الله إني مودع *** وعيناي من خوف التفرق تدمع

فإن نحن عشنا يجمع الله بيننا *** وإن نحن متنا فالقيامـة تجمع

ومـا الدهر إلا جامع ومفرق *** وما النـاس إلا راحل ومودع

ونعود إلى إشارة النملة يقول ابن غانم رحمه الله ” فجيوش النمل تحت الأرض، لا يحصرون بطول ولا عرض، كلهم قائمون في طاعة الله، متوكلون عليه لا يتكلون على غيره، ولا يلتفتون إلى سواه، فيقوم منهن من يريد أن يقوم عليهن، فيستأذنهن تذللا أن يأذن له تفضلا، ليذهب في تحصيل قوتهن، إذ هن متكلات على الله في بيوتهن، فإن أذن لواحدة منهن خرجت بلا خلاف، مبايعة نفسها التلاف” كشف الأسرار ص 129.

فالسالك إلى الله عز وجل المطمئن إلى قدره، المستسلم له، القائم على طاعته لا يلتفت إلى ما سواه، ولا يتضرع إلا إليه، متوكل عليه في كل أمر، عجبا أيها الإنسان أما ترى صنع الله في هذه النملة الصغيرة، مالي أراك قد جعلت لله أندادا وهتكت لله أستارا وجعلت لبشر مثلك قداسة ووقارا. مالكم لا ترجون لله وقارا، ظننت جهلا أن لولا فلان ما أكلت ولا شربت ولا جمعت. أيحسب الإنسان أن ماله أخلده.

عجبا منك أيها الإنسان ترتعد فرائصك وأنت داخل على ملوك البشر، ولا ترتعد وأنت داخل على ملك الملوك، في صلاتك وصيامك و… عجبا منك أيها الإنسان يا أيها الإنسان ما غرك بربك الذي خلقك؟. ما غرك بربك الذي خلقك ؟ عبدي أجعلتني أهون الناظرين إليك، تخشى الناس والله أحق أن تخشاه.

يقول ابن غانم رحمه الله “فتجتهد في سيرها “أي النملة” وتحصل خيرها لنفع غيرها، متعرضة للهلاك، ومصايد الأشراك، فإما أن تهلك عطشا أو جوعا، وإما أن تقع في مغارة لا تستطيع رجوعا، وإما أن تطأها دابة، أو تخطفها ذبابة، أو يقتنصها طائر، أو يدوسها حيوان سائر، فمنها من يموت على الإخلاص، ومنا من يقدر لها الخلاص، فتعود إلى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر” كشف الأسرار 130.

وأنت أيها المؤمن السالك إلى الله. المجاهد في سبيله لإعلاء كلمته في الكون، أنت كذلك عليك أن تجد في سيرك. وأن تظمأ ليروي غيرك، فإما أن تموت في سبيل الله وترزق الشهادة فتكون مع الأبرار الأصفياء الأخيار وإما أن تبقى على العهد حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، ولا تلتفت لما أصابك في سبيل الله من بطش وقمع وتنكيل، كل ذلك ذخر لك عند ربك، يكتب في صحيفتك يوم تنكشف الأسرار وتوزن الأعمال ويموت الأغيار ولا يبقى إلا الواحد القهار.

لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار. ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون. اجعل أيها المؤمن الصادق دنياك لآخرتك وتعبك لطمأنينتك وسعادتك غدا، ومحنتك لفرحتك بلقاء خالقك، وكن أنت كلك لله عز وجل يكن معك في سرك وإعلانك في سيرك ونومك في دعوتك وجهادك، في أهلك وإخوانك، إن الله مع الصابرين. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون،لا تكن أنت أقل تعبا من النملة الصغيرة التي تجد في سيرها معرضة نفسها للهلاك من أجل غيرها، كن أنت كما أرادك مولاك. إن العزة لله جميعا.

يقول سيدي ابن عطاء الله السكندري في حكمه “ليخفف ألم البلاء عنك علمك بأنه سبحانه هو المبتلي لك”.

قيل لسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ما تشتهي ؟ فقال: ما يقضي الله.

قال الشاعر:

كـانت لقـــلبي أهـواء مفرقـه *** فـاستجمعت مـذ رأتـك العين أهوائي

فصـار يحسـدني من كنت أحسده *** وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي

تـركت للنـاس دنيـاهم ودينــهم *** تشغـلا بـــك يـا ديـني ودنيـائي