بسم الله الرحمن الرحيم. (رب إما تُرِيَنِّي ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين). اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تتوب علي. وإن أردت بعبادك فتنة أن تَقْبِضني غير مفتون.

تحت هذا العنوان كتب الشيخ سعيد حوى في كتابه “تربيتنا الروحية” يذكر أهمية الشيخ ووظيفته الأساسية في قضية التربية. كان كتابه هذا فاتحة مؤلفات له خصصها للحديث عن التربية الروحية، يزداد فيها حَثُّه على الرجوع إلى “تصوف محرر” كتابا بعد كتاب. أعلن في كتابه الأول أنه تتلمذ للصوفية، فهو يكتب في الموضوع عن تجربة. وأوضح حرصه الكبير على “أن يوجد نوع من التصوف السلفي له شيوخه وحلقاته”، وأن الحركة الإسلامية المعاصرة بحاجة إلى هذه التربية المعمَّقة لمواجهة عصر الشهوات، وأن التعاون بين هذه الحركة وبين المشايخ الصوفية أمر ضروري “لتزداد الصلات الطيبة بين الناس. ولتكثر حلقات الخير والعاملون لها، ولكن على أن يكون ذلك كله مستقيما على أصول الشريعة وفروعها، وألا يكون على حساب واجبات أخرى”.

في الكتب اللاحقة عرض الشيخ سعيد غفر الله لنا وله ورحمه المشكل في تفاصيله، وهو كيف يستعيد “الإخوان المسلمون” وسائر العاملين في الدعوة روحانية الجماعة التي كانت أساس عمل الإمام البنا رحمه الله دون أن يكون ذلك على حساب واجبات أخرى.

هذه “الواجبات الأخرى” واجبات التحرك السياسي، والتكوين الفكري، والتفرغ التنظيمي ردت التربية الروحية ردا، وهدتها هدّا. فهل من سبيل للجمع بين الجهاد العملي اليومي المتشعب القضايا وبين التطلع الدائم للملإ الأعلى والتخلق السامي بأخلاق أهل الله؟

اقترح الشيخ سعيد في أحد مؤلفاته اللاحقة تكوين جمعية تضم الربانيين في تنظيم خاص، ووضع لهذه الجمعية قانونا من بضع وثلاثين بندا، ووضع لوائح تنظيمية لها، وبرامج تعليمية، لتكون هذه الجمعية جامعة يفيء إليها الدعـاة جميعا ويصدرون عنها وتلفُّهم ويلتفون حولها، من سلفيين وإخوانيين وغيرهم من فئات العاملين.

المشكل صعب عويص. المشكل تربوي نُوراني نوعي قلبي، لا تفيد اللوائح الكمية التنظيمية الفكرية فيه. المشكل أساسا هو كيف تجتمع في القيادة، في شخص واحد أو أشخاص،الربانية والكفاءة الجهادية الحركية كما كانت مجتمعة في البنا رحمه الله.

ويسيطر ظل البنا على الشيخ سعيد سيطرة تامة. فالبنا نقطة البداية. قال: “إننا نملك بفضل الله نقطة البداية الصحيحة. وهي الانطلاق من اجْتهاد إنسان مجدد لا يشك عارفوه أنه من أولياء الله عز وجل، وهو الأستاذ البنا رحمه الله”.

من مفهوم التجديد والمجدد ينطلـق مؤلفنا ليتساءل عن “مهمة الشيخ في عصرنا؟”، و”ما هي مهمة الشيخ في عصر لم يعد فيه للمسلمين دولة؟”، و”كيف تكون الصلة بينه وبين غيره؟”. ويشرح تصوره لهذا الموضوع بأن “رحلة الأمة المريضة إلى الصحة تبدأ بوجود المجدد ونوابه”. هذا المجدد هو “نموذج الصحة الأول المتمثل في كل عصر أو قرن أو جيل بالمجدد ثم بالوُرّاثِ الكاملين”. ولا يفتأ المؤلف يؤكد أن البنا هو المجدد، إشارة إلى أن “الوُرَّاث” المستحقين للقيادة المؤهلين للتجديد لا بد أن ينبثقوا من الشخص المجدد.

هذا التصور المُغْلَق لدائرة التربية هو بالضبط ما يُسَمَّى في اصطلاح القوم بالتبرُّك. والتبرُّك غير السلوك. التبرك سجّادة ومجلس كان يتصدره الشيخ المؤسس، فلما توفاه الله جلس مجلسه على سجادته “وارث” من أبنائه الدينيين أو الطينيين، واستمر في تقليد الأب الروحي للجماعة، وحافظ على التقاليد، واجتهد داخل المذهب التربوي، واتخذ لنفسه ولمن معه سقفا بشريا بينه وبين الله ورسوله، وحرص ألا يُزاد حرف على “وظيفة” الشيخ الراحل وأذكاره. وهكذا تكونت مدارس وطرق، في طيها العارفون بالله أحيانا، وفي طيها المريدون، وفي طيها أصحاب الأحوال والكرامات، وفي طيها كل شيء إلا التجديد الذي مات مع الشيخ رحمه الله.

إن الله عز وجل وحده يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها كما جاء في الصحيح. يبعثه حيث شاء، ولكل فئة من فئات حزب الله أن تزعُم أنها الوارثة لمجدِّدها، تُغمض عينها قرونا عما يُحدثه الله عز وجل الباعثُ الوارثُ خارجَ أسوارها ليبقى لها تماسُكُها ووحدتُها. الله سبحانه وحده قادر على أن يعيد ما تفرق من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لتتجمع الأمة كلها خلف قيادة، في شخص أو أشخاص، في زمن أو أزمان، جامعةٍ للوراثة المحمدية الروحية والجهادية، لاَمَّةٍ لِشَعَثِ ما تَفَرق، مُحْيِيَةٍ لقلوب ماتت، باعثةٍ لهمم هَمَدت وخَمدت، منوِّرة لعقول أخذها الجُهد لتصور “البدائل الإسلامية”، وتحليل الواقع، ووضع الخطط، وإحكام التنظيم، ومواجهة العدو الداخلي والخارجي، عن ذكر الله وعن الصلاة.

نسأله عزت قدرته أن يُلهم من بَعْدَنَا من أحبابه العارفين به وسيلة الجمع، وأن يعطيهم القدرة على سلوك الطريق إليه بهذه الأجيال على منهاج النبوة دعوةً ودولةً.

ولا معنى للتجديد ولا مكان له، ولو برز بين المسلمين زعماء عظامٌ، ما لم يتجدد في الأمة الإيمان بصحبة المجددين. وكذلك كان حال الأستاذ البنا رحمه الله. كان مغناطيسا ومركز إشعاع. وبحاله نهض الإخوان المسلمون، وعلى مقاله لا يزال يعيش كثير من حَمَلَةِ الأقلام وقراء الأدبيات الإسلامية رحمه الله رحمة واسعة.

كان فكر البنا مغناطيسا ملائما لزمانه، كما كانت روحانيته، وهو حي يرزق، آية من آيات الله. وكان حريصا على أن يخرج بجماعته من سلبيات الطريقة الحصافيّة التبركيّة التي تربى طفلا ويافعا بين أحضانها. لكنه احتفظ بالبيعة الصوفية وطوَّرها لتتسع للجهاد الذي ضاقت عنه الصيغة الموروثة عن المشايخ للبيعة.كانت بيعتُه لأصحابه بيعة مزدوجة، بين السيف والمصحف. بيعة تأخذ من التقليد الصوفي جانبا ومن التنظيم العصري جانبا. ومن بعد البنا رحمه الله تردت هذه البيعة الموروثة عنه بوسائط أو بدون وسائط إلى رباط يمسك بتلابيب الملتحق بهذه الجماعة أو تلك لتضمن الجماعة ولاء عضوها الدائم. وإنها لعرقلة أخرى في سبيل التوحيد المنشود أن تتعدد البيعات وتتضخم. بلوى بلا جَدْوى. بل آفة وطامَّة.

لو اقتصر العاملون للإسلام على الاعتراف بالأمر الواقع لهان الخطب. والواقع أن هذه الجماعات تكونت بعضُها إلى جنب بعض، وبعضها قبل بعض، وبعضها اختلافاً مع بعض، وبعضها انشقاقا عن بعض، لأسباب ترجع إلى التمزق السياسي القطري، وإلى الأصل التربوي والثقافي للمؤسسين، وإلى المرجعية العقدية والمذهبية، وإلى حب الرئاسات ورُعونات النفوس، وإلى الاجتهاد الديني والموقف السياسي، وإلى تاريخ القيادات والجماعات.

لم يعترف العاملون بالواقع كما هو. ومعرفة أسباب المشكل نصفٌ كبير من الحل، بل برَّرَ كل فريق موقفه، وحفر خنادقه، وحصن حصونه. فلعل الربانية التي نبحث عنها تتجاوز بالجميع، إن شاء الله، خطوط التَّماسِّ، ليخمُدَ اتّقاد الوسواس، وتطيب بذكر الله الأنفاس.

لن يتجاوز بالأمة هذه الحدودَ الانغلاقُ التبركيُّ. لن يتجاوزها إلا البناءُ على الأساس المحمدية. وإلا فهو الجمود العقلي، والانحسار التربوي، والتصلب التنظيمي. وتبقى مسألة المشيخة الإحسانية، نكل تدبيرها إلى الله جلت عظمته، ونبث في هذه الأوراق نداءنا إلى العارفين بالله أن يجمعوا الشمل ويقودوا الركب. فكفانا تمزقا.

مهَّد الأستاذ البنا رحمه الله لشروط بيعته في “رسالة التعاليم” بشرح المفاهيم الأساسية لفكره وعمله. فبين ما يقصده بكلمة “فهم”، وهو فهم أصوله العشرين في العقيدة والشريعة والفقه وتمييز ما بين البِدعة والسنة. وبين ما يَعنيه بكلمة “إخلاص”، وكلمة “عمل”، وكلمة “جهاد”، وكلمة “تضحية”، وكلمة “تجرد”، وكلمة “أخوة”. وختم بشرح مفاهيمه بمفهوم “الثقة” وقال: “للقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة”.

كان أفقه رحمه الله فسيحا جامعا لأطراف ما توزع من معان ومطالب. وكان شخصه الكريم فسيحا جامعا. فصحت قيادته وأثمرت أفضل الثمار. وبقيت البيعة بعده تُراثا ثقيلا. اشترط رحمه الله على الملتحق بالجماعة المؤدي للبيعة ما لا يقل عن ثلاثة وثلاثين شرطا، من بينها الوفاء بتعهدات شخصية مثل اجتناب الإسراف في شرب القهوة والشاي والاعتناء بالنظافة، ومن بينها التعبدية الإيمانية كإتقان الطهارة والصلاة وسائر الفرائض، ومنها الإحسانية كالمحافظة على الأوراد وحفظ القرآن، ومنها الأخلاقية كالحياء ورحمة الخلائق ومساعدة الضعيف، ومنها الحركية كالنشاط الدائم والتدرب على الخدمات العامة، ومنها السياسية كمقاطعة المحاكم الأهلية وعدم الحرص على الوظائف الحكومية، ومنها الاقتصادية كمقاطعة المعاملات الربوية والادخار للطوارئ.

كل هذا جيد، ويصلح نموذجا لإطار تربوي عام. لكن أين النورانية التي تسري من قلب إلى قلب في أسلاك المحبة في الله، وتطير بإرادة مع إرادة على أجنحة الشوق إلى الله، وتنهض بالجماعة في مِحَفَّةِ الصحبة في الله؟ هذا ما يبحث عنه الشيخ سعيد بحث الثكلان.

الشرط السادس والعشرون من شروط بيعة الأستاذ البنا رحمه الله يقول: “أن تديم مراقبة الله تبارك وتعالى، وتذكر الآخرة، وتستعد لها، وتقطع مراحل السلوك إلى رضوان الله بهمة وعزيمة، وتتقرب إليه سبحانه بنوافل العبادة. ومن ذلك صلاة الليل وصيام ثلاثة أيام من كل شهر على الأقل، والإكثار من الذكر القلبي واللساني، وتحري الدعاء المذكور على كل الأحوال”.

وهي شروط عالية، من يَفِ بها لا شك يكن من المتقين. من بينها مسألة واحدة لا يفيد فيها إسرار ولا “إعلان” ولا يخبر عنها بَوْحٌ ولا كتمان، ولا هي من شأن دون شأن، ألا وهي مسألة “قطع مراحل السلوك إلى رضوان الله” هذا لا يجيء إلا بصحبة. والمصحوب رجل حي سلك المراحل إلى الله وتقرب حتى أحبه الله وجعل قلبه مشكاة ونبراسا وسراجا وَهّاجا. ما يحصل ذلك بإجازة تبركية، ولا بالانضواء تحت جناح عظيم من عظماء الأمة، عدا المعصوم صلى الله عليه وسلم، قبلةِ القلوب، رحمة العالمين، محبوبِ الرب جل وعلا.

حملت نسائم الحب هذه الرسالة إلى حضرة محبوب رباني:

هذا كتــابي إليكـم فيـه معــذرتي *** ينبيكـمُ اليوم عن شـأني وعن سَقَــمي

أجللت ذكـركــم عن أن يُغَيـِّــرَهُ *** لون المــداد فـقد حبَّــرتُـه بـدمـي

ولو قـدرت على جلــدي لأجعـلـه *** رَقّاً وأبـري عظـامي مـوضعَ القَلَــمِ

لكــان ذاك قليـلا فـي مـودَّتكــم *** ومـا وجـدت له واللــهِ مــن ألَــمِ

وقال محب رحل عنه شيخه:

يـا صاحِبَيَّ سلا الأوطـان والدِّمَنــا *** متى يعــود إلى عُسفــانَ من ظَعنَـا

إن الليـالي التي كنّــا نُسَــرُّ بهـا *** أبـدى تذكُّــرها في مهجـتي حَـزَنـا

أستــودع الله قـوما مـا ذكـرتـهمُ *** إلا تحـدر من عـينَـيَّ مـا خُــزنـا

كان الزمـان بنـا غِـرّاً فما بَـرِحت *** أيـدي الحـوادِث حـتى فطَّنَتْـهُ بنــا

وقلت غفر الله لي وتاب علي:

هذي يدي فاقبلُـوني في رياضكُـــم *** لعل ذكــرَ إلهي مُـذْهِــبٌ سَقَمـي

علِّي أُروِّي غَليلي مِن حِيـاضِكُـــمُ *** وأقْبِسُ النُّور كيْ تُجْلَـى به ظُلَمِـــي

عسى نسائمُ طُـهْرٍ مِـن جنـابكُــمُ *** تُحيـي فــؤاداً مَـواتاً عُدَّ في الرِّمـمِ