قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه “أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها”.

المساجد بيوت الله “وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا” (الجن، 18) وهي خير بقاع الأرض وأحبها إلى الله عز وجل وأقربها إلى قلوب المومنين، عظم الله من شأنها في آيات كثيرة “في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله” (النور، 36-37)، وأول عمل قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة هو بناء مسجد، وأول ما وضع على الأرض المسجد الحرام”. إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين” (آل عمران، 96).

شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمرتادها بالإيمان “إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان” رواه ابن ماجة والدارمي، وعدّ الذي يتعلق قلبه بها من الذين يظلهم الله في ظله “سبعة يظلهم الله …”، ووعد بالفضل من بناها، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له به بيتا في الجنة” رواه البخاري، كما وعد بالخير من يقوم بصيانتها وتنظيفها والعناية بها فعن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: “أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب”، ومدح الله الذاكرين فيها ووعدهم بحسن الجزاء “إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين” (التوبة، 18)، وتوعد الله الذين يسعون في خرابها بالخزي “ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم” (البقرة، 114) وأمرنا الله تعالى بالتزين عند السعي إليها “يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين” (الأعراف 31)، ووعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثواب الذاهب إليها منذ خروجه من بيته، فقد ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح” وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والترمذي “إذا خرج أحدكم إلى المسجد فلا يشبكن يده فإنه في صلاة” وروي عن مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة” وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة إلى الصلاة فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط”، وفي سنن الترمذي عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور يوم القيامة”.

والآيات والأحاديث أكثر من أن تحصى في مقال واحد.

ما هو المسجد؟مما سبق يتضح أن المسجد هو القاعدة الأساسية لانبعاث الدعوة، والقناة الأسلم لتبليغها ففيه تتنزل السكينة وتهبط الرحمة وتنفتح القلوب والعقول لسماع كلام الله، كما أنه المكان الذي يصلح فيه المعوج ويرشد الحائر ويهدى، بفضل الله وحده، الضال، وينفس عن المكروب ففي حديث علي كرم الله وجهه أنه لما غاضب أهله لجأ إلى المسجد فقام فيه حتى سقط رداؤه عن شقه وأصابه التراب فجاء إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: قم أبا تراب (رواه البخاري). وهو محضن الإيمان، وبيت الأتقياء، وفي اللغة جاءت كلمة مسجد على وزن مفعل بكسر العين، اسم لمكان السجود، وبالفتح هو موضع السجود من بدن الإنسان، وقيل المسجد اسم جامع حيث سجد عليه وفيه، والمسجد من الأرض موضع السجود نفسه، وفي الاصطلاح قال الزركشي “لما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه فقد اشتق اسم المكان منه فقيل مسجد ولم يقل مركع” وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع على الأرض فقال المسجد الحرام، قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: وكم بينهما؟ قال: أربعون عاما، ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فصل”.

فالمسجد إذن لفظ جامع يدل على مكان في الظاهر، لكنه في الحقيقة يدل على سلوك يجب أن يتبع، وروح يجب أن تسري في الحياة كلها، وفي الأرض كلها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم “جعلت لي الأرض مسجدا طهورا” (رواه البخاري)، ولذلك نهى صلى عليه وسلم أن يسود هذه المساجد روح السوق، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم من يبيع أن يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك”، كما حذر من التباهي في بناء المساجد شكلا، وإفراغها مضمونا، فعن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد” وزاد بعضهم “ثم لا يعمرونها إلا قليلا”.

عمارة المسجد إذن هي بيت القصيد، عمارتها بالعمل الصالح.

روح السوق مرفوضةروى الطبراني بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه مر بسوق في المدينة، فوقف عليها وقال: يا أهل السوق، ما أعجزكم!! قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال ذاك ميراث النبي صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا، ألا تذهبون فتأخذوا نصيبكم منه، قالوا: وأين هو؟ قال في المسجد فخرجوا سراعا، ووقف أبو هريرة لم يبرح مكانه حتى رجعوا فقال لهم: مالكم؟ فقالوا: يا أبا هريرة، قد أتينا المسجد فدخلنا فلم نر شيئا يقسم. قال: وما رأيتم؟ قالوا: رأينا قوما يصلون، وقوما يقرؤون القرآن، وقوما يتذاكرون الحلال والحرام. فقال أبو هريرة: ويحكم! فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم إنه لم يورث درهما ولا دينارا وإنما ورث العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.

انتبه عزيز القارئ: مسجد، وسوق، وأهل سوق، وميراث النبي صلى الله عليه وسلم يوزع في المسجد، وأهل سوق يبحثون عنه في المسجد بروح السوق، أي بضاعة مربحة بمقاييس الدنيا، وأبو هريرة رضي الله عنه معمر المسجد بروح مسجدية يدلهم على ذلك الميراث، وبروح مسجدية ومعايير إيمانية يخاطب أناس تطغى عليهم روح السوق ومعايير المادة. فكيف نربط بين المجالين، وأي روح يجب أن تسود في المجالين، وأية علاقة بينهما في الحديث الذي كان ملهم هذا الموضوع يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسواق بشر البقاع ولذلك أمرنا بالتعوذ من الشيطان وكثرة الذكر عند دخولها، وقال سلمان رضي الله عنه “لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منه فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته” رواه مسلم.

بين عمارة الأرض وعمارة المسجد: أية علاقةربما لم يتضح لحد الساعة ما المراد بالضبط، وربما يتسرع البعض فيستنتج أن هدفنا دعوة إلى دروشة وابتعاد عن الميدان ونداء إلى حلاوة خلوة مسجدية، ولكن نطلب من هذا وذاك عدم التسرع في إصدار حكم لأن الأمر أعمق وأخطر، وحسم خيار على آخر يتطلب عمقا في النظر واستحضارا لمآل الأمور في النهاية يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

خلقنا الله عز وجل شعوبا وقبائل لنتعارف، وبين الغاية من ذلك “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات، 56)، واستعمرنا في الأرض من أجل ذلك “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب” (هود، 61) فعمارة الأرض أمر إلهي، وبنفس اللفظ أمرنا الله كذلك بعمارة المساجد “إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أن يكونوا من المهتدين” (التوبة، 18). عمارتان أختان إذن، يتكاملان مع بعضهما البعض، وكلاهما عبادة، ولا فائدة ترجى من واحدة دون أخرى. إذ أن حق العمارة في كمالهما معا. واحدة تكمل الأخرى، وواحدة تفضي إلى الأخرى، ويتضح هذا أكثر حيث نتعمق أكثر لنفهم قوله صلى الله عليه وسلم “جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا” (رواه البخاري).

فالأرض كلها مسجد، نملأها بروح المسجد، وأدب المسجد، وخشوع المسجد، وخضوع المسجد، وحرمة المسجد، وعلاقات المسجد، وحينها نحس بأن الآخرة خير وأبقى، وتذهب عنا غريزة الأنانية والترف والأثرة وحب التملك والتكاثر، فيحرص بعضنا على بعض، ونكون لبعضنا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، حينها نحس أن باقي من في الأرض إخوان في الدين أو في الإنسانية لا يغفر الله لواحدنا إن بات شبعانا وجاره جوعان، والعالم صار قرية، فالكل جيران.

باختصار، حينها نحقق مراد الله الذي خلقنا من ذكر وأنثى وجعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف واستعمرنا في الأرض لنملأها محبة وسلاما وعدلا وأخوة.

بدأنا نصل إلى ما يميزنا عن غيرنا، فمهما اشتركت الوسائل والأساليب والخطوات فالروح غير الروح والهدف غير الهدف، وفي هذا نستمر إن شاء الله، وهو مقصودنا من هذا الموضوع.

في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أوتي جوامع الكلم والحكمة كلها، دعوة لبسط هذه الروح المسجدية في الحياة كلها، ولذلك فهو صلى الله عليه وسلم دعانا كي نشهد للذي يعمر المسجد بجسده بالإيمان، ولكنه فضل عليه ذلك الذي يبقى قلبه معلق بالمسجد ولو أنه خارجه، لأن في تعلقه ذلك يقظة دائمة وحضورا متواصلا لحرمة المسجد ولأدب المسجد في سائر معاملاته. وهذا بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. اللهم اجعلنا منهم.

بهذا التعلق بالمسجد، وبهذه الحياة الإيمانية يملأ الأرض فلا يضر الناس، ولا يغش في بيع، ولا يؤذي أحدا، ويكون أنفع الناس لعيال الله.

إن هذا التصور قد يفتر كما أن الإيمان يزيد وينقص، ويبلى ويتجدد، ولكن عمارة المسجد بالجسد والروح تغذيه، والصحبة المسجدية، والرباط المسجدي، والصلاة في المسجد وموعظة الإمام في المسجد تحييه وتغذيه، كما يغذيه الذكر الدائم الذي أمرنا به قياما وقعودا وعلى جنوبنا، وخاصة في السوق “فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون” (الجمعة 10).

الروح المسجدية عاصم من الانحرافجرب حكامنا مجموعة مسالك للتنمية، ونظر نخبنا لمجموعة نظريات في التنمية، وعبأ سياسيونا لمشاريع تنموية شتى، وكلها باءت بالفشل، ولا نحتاج للبرهنة على ذلك بكثير أدلة فواقع الحال يغني عن كل مقال. ورغم ما يزعمه الغرب اليوم من أن نموذجه في التنمية ناجح، فإنه خراب في خراب لأنه ظلم الإنسان وعبث بمصيره وأنساه الغاية من وجوده وجعله عبد شهواته وأسير لذاته. فكان هذا النموذج عدوانا على البشرية بما زرعه من فردانية وجهل وجهالة.

واليوم يطرح أمامنا تحدي البحث عن طريق جديد لتحقيق هذه التنمية، طريق أصيل نحقق بها خيرية الأمة ووسطيتها وشهادتها على العالمين دون أن ننسى صالح الإنسان والارتقاء به في مراتب القرب عند الله عز وجل من إسلام لإيمان لإحسان.

كيف نجعل هذه الثنائية متلازمة؟ كيف نجعل الإطار الحقيقي لمشروعنا التنموي تذكير بالله عز وجل وإخبار عن النبأ العظيم.

لن يكون لنا ذلك إلا إذا جعلنا ضابطنا الحلال والحرام، وما شرع الله، وإلا إذا استحضرنا معاني النعمة والبركة والشكر، وأن الرزق من الله، والفضل منه، والعطاء منه، وأن ضربنا في الأرض ابتغاء من فضله سبحانه وتعالى “وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون” (الأعراف، 10) “ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم” (البقرة، 198) “فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله” (الجمعة، 10).

روح إيمانية هي مفتاح العطاء “ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض” (الأعراف، 96). أما روح السوق فملهاة ومهلكة، وخراب للإنسان وشقاء له في الدنيا والآخرة، وهذا هو الأخطر، ودونه قد يكون الازدهار في الأرض والمجتمع ولكنه استدراج فقط “ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين”. (الأنعام، 44-45).

“كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم” (سبأ، 15).

فالخير كله، للمجتمع والفرد، في سيادة روح المسجد على حركة المجتمع، بذلك تكون العمارة، وبذلك يتشكل في المجتمع رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وبذلك يعرف كل غاية وجوده فيكون الجهد منظم ومتواصل يخدمه شعور الفرد بالانتماء لأمة والكينونة وسط جماعة، وتكون الحوافز فيه مغايرة والأهداف مختلفة مع باقي النماذج التنموية وإن كانت الوسائل واحدة.

بذلك يستشعر الفرد أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن الناس عيال الله وأقربهم إلى الله أنفعهم لعياله، وأنه لا بد أن يكون له من نصيب في الدنيا، وأن يبني القوة التي أمرنا بإعدادها، وفي كل الخطوات يكون الباعث الإيماني والحافز الديني أسبق في الاعتبار.

بهذه الروح المسجدية نضع طريقا سليما للتنمية التي هي من مطالبنا، ونؤمن للإنسان خلاصا من فتنة الدنيا وفلاحا يوم العرض على الله عز وجل.

هي إذن الروح المسجدية عاصمة لنا من الغفلة وصمام أمان لنا من الانحراف ذات اليمين وذات الشمال. والتوكل على الله، والافتقار إليه والتضرع إليه واتباع ما أمر به والانتهاء عما نهى عنه رأس الأمر كله. والفضل بيد الله يوتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم.