البذل في اللغة من الإنفاق والكرم والمجهود والتضحية، وله صور شتى ومجالات عديدة حتى إنه ليشمل كل العبادات، إنفاق المال وبذل الوقت وتزكية الروح ومجاهدة النفس وجهاد العلم …

في هذا المقال نقف عند البذل بمعنى إنفاق المال، وذلك ارتباطا باحتياجات الدعوة إلى الله عز وجل المالية، وضرورة توفرها  بعد الزاد الأخلاقي الإيماني- على الرصيد المادي الذي تقيم به أودها وتوصل خطابها وحركتها وبرنامجها إلى عموم الناس.

أولا: البذل .. المعنى الإيمانييتميز التحزب لله عز وجل عن غيره من الولاءات بانخراط العضو في حركة الدعوة والجهاد بكليته، قلبا وقالبا، فكرا وممارسة، علما وعملا، حتى إنه ليعطي من ذات اليد بذلا ومالا ومن صفقة القلب حبا وإخلاصا، ولهذا العطاء أسس وغايات.

1- الأسس الإيمانية للبذل

حث الحق سبحانه وتعالى في أكثر من آية على بذل المال وامتهانه في جنب الله عز وجل والدعوة إليه، تحبيبا للنفوس وتأليفا للقلوب، قال تعالى: “وآتوهم من مال الله الذي آتاكم”، فالمال مال الله والكل منه سبحانه وإنما العبد مستخلف، قال عز من قائل: “وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه”، وبيّن الحق تعالى أجر المنفقين المخلصين: “مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء”. ونهى عن إتباع النفقة بالمن وجعله مُحبطا لها: “ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى” إلى أن قال سبحانه “قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى”، بل وتأكيدا على الإسراع في البذل والعطاء فاضل الله تعالى بين الإنفاق قبل الفتح والتمكين وبعده “لا يستوي من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى”.

وفي حديث الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي رواه ابن ماجة عن عمران بن حصين أنه قال: “من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية (والله يضاعف لمن يشاء)”.

إن هذه الآيات والأحاديث تشكل الأساس الذي يرفع الفرد ليتاجر مع المولى جل وعلا، فيده  بفضل الله تعالى- تعطي هنا وعيناه تنظر هناك حيث الأجر الأكبر والعطاء الأنور.

2- الغايات التربوية للبذل:

أكيد أنه ثمة فارق كبير بين من تتحايل عليه في الخير (“عجب ربك لأناس يجرون إلى الجنة بالسلاسل” الحديث) من أجل أن ينخرط في عمل ويحمل مشروع التربية والجهاد، وبين من هو حامل لهذا المشروع التجديدي، مدرك له، باحث في كيفية الإسهام في بنائه، متحرّ الإنفاق طوعا وبطيب نفس وصفاء خاطر، بل مستشعر أنه من أصحاب العمل والمشروع، مسؤولا عنه، حاملا لا محمولا. لإنفاق المال حبا وكرامة في سبيل الله، وإعطائه دعوة وجهادا اقتفاء لسنة رسول الله، وبذله يقينا أن الدرهم الذي يُنفق يوضع في يد الرحمان ليربيه وينميه قبل أن يوضع في يد الدعوة، لكل هذا فوائد إيمانية وغايات تربوية جمى، من بينها:

– حبّ المال عائق نفسي يحول دون اقتحام العقبة إلى الله عز وجل، وما أحوج المؤمن إلى من يربيه ويعلمه كيف ينزع من قلبه هذا المرض “ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون”.

– بذل المال في سبيل الله برهان عملي على صحة القصد وصدق الطلب، فالصدقة برهان، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “العمل الجهادي المنظم لا ينهض له إلا الصادقون، وكل صادق لا يعرف صدقه إلا إن برهن عليه عمليا” (المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا ص 197).

– إنفاق المال تربية وتأهيل لجند الله على روح التطوع والبذل في جميع الميادين، يقول الأستاذ ياسين: “المال والجهد عصب الدعوة، وبذلهما التزاما بعهده، وتطوعا بالخيرات هو المصدر الأول والوسيلة الأولى لتربية العصبة الخيّرة” (نفسه ص 198).

– لا يستطيع أن يبذل نفسه في سبيل الله من لم يبذل ماله، وهل يسلم روحه فداء لدين الله من بخل بدريهمات على دعوة رسول الله عليه صلاة وسلام الله؟ إن الجهاد بالمال مقدمة للجهاد بالنفس.

ثانيا: البذل … المعنى الجهادي:للدعوة إلى الله عز وجل احتياجات مالية ومتطلبات مادية، ولها مصادر أهمها البذل الفردي والإنفاق التطوعي.

1- الاحتياجات المالية لحركة الدعوة:

ليست الدعوة كلمات تقال وخطب ومواعظ تسمع بين الفينة والأخرى هنا وهناك، في غيبة عن المعايشة اليومية لهموم الناس والمخالطة الدائمة لهم والتخفيف من مآسيهم وبعث الأمل في قلوبهم تصديقا بالموعود الإلهي النبوي بالمستقبل المشرق لهذه الأمة.

حركة الدعوة مشروع إحيائي ضخم لهذه الأمة.

الحركة الدعوية رجال وتحزب لله ومؤسسات ورؤى لتدبير شؤون الأمة، ملزمة بأن تصرف خطابها عبر كل السبل الناجعة: الكتب والأشرطة والمجلات والمهرجانات…

روح الحركة الدعوية تذكير دائم بالله والعبودية له سبحانه وجسدها تنظيمات ولقاءات ومجالس وروابط تحتاج في تسييرها وتدبيرها إلى قدرة مالية ضرورية ضرورة الماء للزرع.

ملزمة الحركة الدعوية والتنظيمات الإسلامية بأن تنغرس في الواقع، بأن تصبح قلبا حيا به تنبض الشعوب بالحياة، بأن تخاطب الإنسان بكل وسيلة حكيمة وتدخل عليه من كل المنافذ والمداخل مسترشدة بالكلمة الصادقة والصوت المؤثر والصورة المعبّرة المذكرة.

تحتاج حركة الدعوة إلى أن تتألف القلوب وتتعهدها وتستميلها وتحبب إليها الخير ورجاله عبر الهدية والاحتضان والمواساة المالية حسب الوسع، حتى تكتمل رجولة الأفراد ويشتد عود إيمانهم وينضج فهمهم.

واعية حركة الدعوة أنها لن تسع الناس بأموالها بل بأخلاق رجالها، لكن أكيد أن للقدرة المالية دورها المؤثر خاصة ولحركة الدعوة احتياجات مقرونة بالمال، وما ذكرناه آنفا ليس سوى بعضها.

2- البذل مصدرا:

من أجل أن يكون لحركة الدعوة سير حثيث وسعي قاصد في اتجاه الأهداف والمرامي، ولتغطية الاحتياجات والمصاريف كان لابد لها من مصادر مالية تعتمد عليها ليستقيم الأمر ويتكرس الوجود.

والمعروف أن المسألة المالية جد حساسة ودقيقة بالنسبة لتنظيمات الدعوة وحركة الإسلاميين، فمن جهة لا تتلقى الحركات الإسلامية داخل أقطارها دعما ماليا رسميا من طرف الدولة على غرار الأحزاب السياسية، ومن جهة ثانية تتجنب الحركة الإسلامية أن تستفيد من التبرعات والهبات الخارجية تجنبا لتهمة التبعية لجهات خارجية بغية زعزعة الاستقرار الداخلي. ومن تم تجتهد حركة الدعوة في إيجاد وإبداع مصادر مالية لعل أهمها على الإطلاق تطوع أفرادها وأعضائها فيما يعرف باشتراكات الأعضاء، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “الجماعة المجاهدة لا تعتمد في نفقاتها إلا على مساهمات أعضائها، ثم على تبرعات الشعب. ومتى كانت للجماعة أموال أسست بها أصولا تجارية وصناعية وفلاحية وغيرها حتى تستقل ماديا” (المنهاج النبوي ص 197).

إن الاستقلال المادي نقطة مفصلية في مسار الدعوة، إذ في غيابه تُساوَم الحركة على موقفها وخطابها ورسالتها، فالتبعية المالية للغير وخاصة للسلطة والدولة يشكل في أحيان كثيرة ضغطا وإكراها بل ووسيلة ابتزازية من أجل التصالح البليد والتطبيع مع واقع الظلم والجبر.

وإذا كانت الحركة الإسلامية في العالم قد طورت مصادرها المالية وأصبحت لها مؤسسات مالية تجارية وصناعية، وباستحضار تفاوت التجارب حسب الحركات والأقطار واستحضار الأبعاد الجهادية والغايات التربوية لإنفاق المومنين من جيوبهم وأموالهم الخاصة. فإن البذل بهذا المعنى يبقى المصدر الأساس والنواة الرئيسية لمالية الحركة الدعوية، سواء قبل التمكين أو بعده “حين تجتمع الدعوة والدولة في يد جند الله، تكون أموال الأمة مالا لله ينفق في وجوهه، لكن البذل يبقى البرهان الأول لصدق الصادقين” (المنهاج النبوي، ص 198).

إن الحديث عن قنوات تصريف مالية الدعوة يستدعي الإشارة إلى احتياجات المؤسسات المحلية والجهوية والإقليمية إلى جانب المتطلبات المركزية القطرية، إذ القصد تيسير السبل أمام الدعوة كي يطرق نداؤها أبواب القلوب، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “التنظيم المالي للجماعة يأخذ بعين الاعتبار حاجات الأسرة والشعبة وكل المستويات الأخرى فيعطيها التصرف في نصيب مما يتجمع”.

أذكر في آخر هذه الفقرة، ونحن نتحدث عن البذل والإنفاق، بهذا الدرس الرائع الذي تعلمنا إياه أمنا عائشة رضي الله عنها، روى ابن سعد عن أم ذرة قالت: “أتيت عائشة بمائة ألف، ففرقتها وهي يومئذ صائمة. فقلت لها: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين عليه؟ فقالت: لو كنت ذكرتني لفعلت”!

في عصر الأنانيات ما أحوجنا أن نتخلق بأخلاق من ينسى فطوره ويعطي بلا حساب! يقول الأستاذ ياسين.

خاتمة: الدرهم الجبل

أخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيرْبيها كما يرْبي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم”.